تشكل ثنائية “الخلافة والملك” إلى جانب ثنائيات أخرى البناء النظري لمدرسة الفكر المنهاجي -جماعة العدل والإحسان- وترسم خطها الفكري، وهذه الثنائيات ترد في شكل مفاهيم متقابلة أو متكاملة. هكذا نجد العدل يكمل الإحسان والصحبة مع الجماعة والدعوة مع الدولة والخلافة في مقابل الملك والسلطان في مقابل القرآن والفتنة في مقابل الجاهلية. لكن ما يجمع كل هذه الثنائيات أنها مفاهيم وأدوات فكرية نسقية استطاعت الجماعة أن تحلل بها الواقع والتاريخ وتستشرف بها المستقبل، ولثنائية الخلافة والملك أهمية خاصة في نظرية المنهاج النبوي وسلوك الجماعة، فعلى ضوء هذين المفهومين المتقابلين تتحدد اختيارات الجماعة التغييرية الاستراتيجية ويقوم تصورها لصيرورة التاريخ ولحركية المجتمع، فالجماعة من خلال حركتها في الواقع “الملوكي” تستشرف غد الخلافة الثانية على منهاج النبوة، على أن الخلافة لا ينبغي اختزالها في شكل نظام الحكم السياسي كما يتصور البعض وإن كان الجانب السياسي طاغيا لكونه الجانب الأكثر تغييبا في تاريخ الأمة والأكثر، أيضا، تضررا في تجربتها السياسية، فالخلافة نظام حياة شامل للأمة ابتداء والإنسانية جميعا انتهاء، ينتظم الإيمان بالله واليوم الأخر وإقامة الصلاة والشورى والعدل في سياق واحد، بمعنى أن الخلافة نظام أخلاقي روحي اجتماعي سياسي واقتصادي، وهنا يكمن تناقضه الكامل إلى حد المفاصلة، كما يقول سيد قطب رحمه الله تعالى، مع نظام الملك الذي ولو فرضنا جدلا أنه استطاع أن يحقق العدل السياسي والرخاء الاقتصادي في بلد ما أو عصر ما فلا يمكن أن يحظى بالشرعية أو لا يمكن أن نزيل عنه وصمة “الملوكية” مادام لا ينطلق من قاعدة القرآن. وبهذا الفهم لا يبقى للموقف من الملك معنى جغرافيا فالملك مرفوض في كل أرجاء الأمة الإسلامية ولا معنى تاريخيا باعتباره حقبة مضت من تاريخ الأمة الإسلامية.

تكون النبــوة فيكم

تنطلق جماعة العدل والإحسان من حديثين نبويين عظيمين يشكلان إلى جانب أحاديث أخرى العمود الفقري لتصورها والنواة الصلبة لمدرسة المنهاج النبوي. أولهما رواه الإمام أحمد عن حذيفة بإسناد صحيح “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة ثم سكت” وثانيهما عن معاذ بن جبل في الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في الحلية “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوا العطاء ما دام عطاء فإذا صار رشوة عن الدين فلا تأخذوه ولستم بتاركيه يمنعكم من ذلك الفقر والحاجة إلا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم قالوا يا رسول الله كيف نصنع؟ قال كما صنع أصحاب عيسى بن مريم عليه السلام نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب. موت في طاعة خير من حياة في معصية”.

وفي الحديثين إخبار بدورة نظام الحكم وتقلبه بين نبوة وخلافة ثم ملك جبري عاض وصولا إلى خلافة ثانية وفيه إخبار بافتراق القرآن والسلطان افتراق الدعوة والدولة أي تمرد النظام السياسي على الشرعية المستمدة من كتاب الله تعالى ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم مع تأكيد الوصاية بالعصيان السياسي والتمسك بالشرعية انطلاقا من قاعدة القرآن لا المصلحة المادية والسياسية بمقاومة الملك العاض الجبري ورفض رشاواه حين يدور الحكم على قاعدة غير قاعدة القرآن.)

دواعـي التمـييز

يرى الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين أن كثيرا من المؤرخين والكتاب والمفكرين يتساهلون في إطلاق لفظ “الخلافة” لوصف الدول التي تعاقبت على حكم المسلمين في فترات تاريخية معينة / الخلافة الأموية العباسية العثمانية/ وإن كان هذا الأمر قد يكون مفهوما ومقبولا من طرف بعض الدارسين والباحثين من غير المسلمين لأنهم يتحدثون من نسق معرفي مغاير ومنظومة فكرية مختلفة فالأمر غير مقبول من المفكرين الإسلاميين لأن مصطلح الخلافة ليس هو مصطلح الملك شرعيا وتاريخيا واصطلاحيا. قد يقول البعض لا مشاحة في اللفظ ما دام المعنى واحدا، لكننا نرى عكس ذلك لاعتبارات عديدة، وهذا التمييز ليس جديدا أو سبقا ندعيه بل هو تمييز جرى به العمل على عهد الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان فيما بعد، لكن بعد قرون من سطوة الملوكية الأموية والعباسية بدأ الخلط أو لنقل التزوير المقصود لتاريخ الأمة. يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين: ذهبت الشورى مع ذهاب الخلافة الراشدة، ذهب العدل، ذهب الإحسان، جاء الاستبداد مع بني أمية ومع القرون استفحل واحتل الأرض واحتل العقول واعتاد الناس أن يسمعوا عن الخلافة الأموية والعباسية وهلم جرا وعاشوا على سراب الأسماء دون فحص ناقد للمسميات سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ملكا عاضا وملكا جبريا وسماها المؤرخون الرسميون خلافة فانطلت الكِذبة على الأجيال وتسلينا ولا نزال بأمجاد هذه “الخلافة”.) 1


[1] كتاب نظرات في الفقه والتاريخ، ص 10.\