الفقرة الثانية: مراسيم 15 فبراير 1993: الإصلاح التربوي بكليات الآداب وكلية علوم التربية

لم ينحصر فرض الإصلاح التربوي في المؤسسات الجديدة، إنما تعداه إلى بعض المؤسسات التي كانت موجودة من قبل- كليات الآداب والعلوم الإنسانية وكلية علوم التربية-؛ حيث تم إحداث تخصصات جديدة في كليات الآداب مثل: التواصل، التنشيط،، الفنون التطبيقية والترجمة، لا تتعدى الدراسة بها السلك الثاني، ويشترط للتقييد فيها –باستثناء الترجمة- الحصول على شهادة جامعية للدراسات الأدبية، مع ضرورة القبول من قبل لجنة خاصة.

أما بكلية علوم التربية فقد تم إحداث شهادة وطنية جديدة تسمى “الميتريز”، وتم إقرار نفس نظام الدراسة ونفس نظام التقييم المتبعين في كليات العلوم والتقنيات.

هكذا فتحت مراسيم 15 فبراير 1993، التي وضعت في فترة إعداد مشروع السيد محمد الكنيدري، كليات الآداب والعلوم الإنسانية وكلية علوم التربية أمام سياسة الانتقاء ونظام الوحدات الدراسية. وقد تمت معارضة هذه المراسيم لنفس الأسباب السابقة.

الفقرة الثالثة: مراسيم 19 فبراير 1997: إصلاح نظام الدراسات العليا والنظام الأساسي للأساتذة الباحثين

إذا كانت مراسيم يناير 1991 تعد تصريفا جزئيا لمشروع السيد الطيب الشكيلي، ومراسيم فبراير 1993 تعتبر تصريفا جزئيا لمشروع السيد محمد الكنيدري؛ فإن مراسيم 19 فبراير 1997 تعتبر تصريفا جزئيا للأرضية التوافقية التي تم التوصل إليها بواسطة حوار بين السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي والنقابة الوطنية للتعليم العالي (انظر المبحث الثالث من هذا الفصل)، ومع ذلك نشير إلى أن هذه المراسيم خالفت مضمون الأرضية التوافقية في كثير من البنود.

شملت مراسيم فبراير 1997 نظام السلك الثالث والنظام الأساسي للأساتذة الباحثين بالإضافة إلى وضعيتهم المادية.

ففيما يرتبط بنظام الدراسات العليا تم إحداث مجموعة من الشهادات العليا وهي:

أ. الدكتوراه الوطنية، وتعتبر أعلى شهادة جامعية يمكن أن تسلمها الجامعات المغربية، ويتم إعدادها خلال مده تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، قابلة للتمديد بصفة استثنائية 1 .

ب. شهادة الدراسات العليا المعمقة 2 ، ويشترط لإعدادها الحصول على شهادة وطنية للسلك الثاني من التعليم العالي الجامعي أو شهادة معادلة، وتكون في المجالات النظرية، ويتم إعدادها خلال سنتين مع إمكانية إضافة سنة واحدة بصفة استثنائية، وتعتمد دروسا إلزامية بالإضافة إلى دروس اختيارية ومحاضرات وندوات وتداريب وأبحاث ميدانية وإعداد تقرير نهائي.

ج. شهادة الدراسات العليا المتخصصة 3 ، وهذه الشهادة تلتقي مع الشهادة السابقة في التسجيل بها بعد الانتقاء، وفي مدة الدراسة، وفي شكل تقديم الدروس، وتختلف معها من حيث نوع التخصصات، إذ يتم تحضير شهادة الدراسات العليا المتخصصة عبر تخصصات مهنية الهدف منها منح شهادة مهنية تؤهل لولوج سوق العمل؛ في حين أن الشهادة الأولى تعتبر شهادة أكاديمية تؤهل حاملها للتسجيل قصد التحضير للدكتوراه، الأمر الذي لا يكون إلا بصفة استثنائية لحاملي الشهادة الثانية.

أهم الملاحظات التي تم تسجيلها بخصوص المرسوم المتعلق بنظام الدراسات العليا 4 : الحد من ولوج السلك الثالث من جهة أولى، واستبعاد الهيئات الجامعية من الإشراف على هذا النظام من جهة ثانية؛ حيث لم يشر المرسوم لدور هذه الهيئات في وحدات التكوين بالسلك الثالث، ليبقى الأمر محصورا على طلب ترخيص تتقدم به المؤسسة المعنية إلى السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي.

و بالإضافة إلى تلك الملاحظات المتعلقة بنص المرسوم أفرز الواقع عدة مشاكل منها:

أ- قلة وحدات البحث والتكوين لأن إحداثها يخص فقط أساتذة التعليم العالي الدكاترة، كما أن المرسوم يشترط بالإضافة إلى ذلك أن يكون المشرفون على الوحدة من الأساتذة حملة الدكتوراه، وبما أن هذا الصنف من الأساتذة لا يمثل سوى 10% من الأساتذة الجامعيين آنذاك، فقد ظل عدد الوحدات المحدثة محدودا جدا.

ب- في غياب الأساتذة الدكاترة بالمؤسسة الجامعية، يلتجئ رئيس الوحدة إلى الاستعانة بأساتذة من خارج المؤسسة. وفي بعض الأحيان لا تسمح ظروف هؤلاء الأساتذة بالحضور المنتظم في حصص الدروس مما يكون له أثر سلبي كبير على تكوين الطلبة، بل أحيانا يؤدي ذلك إلى إقفال الوحدة.

ت- وحدات البحث والتكوين اختيارية، فليس هناك ما يلزم بإحداثها، وفي غياب التحفيز المادي اللازم، فإن الكثير من الأساتذة يمتنعون عن إنشاء هذه الوحدات، مما يزيد من الحد في عدد طلبة السلك الثالث.

ث- الاعتمادات المادية التي تقدم لهذه الوحدات تأتي متأخرة وغالبا ما تظل حبيسة الرئاسات الجامعية، وتصرف أحيانا في أعمال لا علاقة لها بالبحث العلمي، مما يؤدي بالعديد من الوحدات إلى الإقفال!

ج- يتم الحسم في طلبات الاعتماد من قبل لجنة وزارية يجهل أعضاؤها، وتجهل مستوياتهم المعرفية، كما تجهل المعايير المعتمدة من طرفها لقبول أو رفض بعض المشاريع، وقد سبب هذا تذمرا لبعض الأساتذة الذين رفضت مشاريعهم.

أما فيما يرتبط بالنظام الأساسي للأساتذة الباحثين، فقد حدد المرسوم الخاص بهذا الشأن ثلاثة أسلاك لهيئة رجال التعليم الباحثين، هي:

* أستاذ التعليم العالي؛

* الأستاذ المؤهل؛

* أستاذ التعليم العالي المساعد.

بالإضافة إلى الأساتذة المشاركين وغير الدائمين الذين يمكن للمؤسسات الجامعية أن تستعين بهم؛ إما لتعويض النقص الحاصل في التأطير، أو للاستفادة من كفاءة بعض الأطر الأجنبية في إطار التعاون العلمي.

إن أهم ما يلاحظ بخصوص هذه الأسلاك مخالفتها الصريحة للأرضية التوافقية التي نصت على سلكين فقط. بالإضافة إلى بعض التغييرات الشكلية في الألقاب 5 .

أما فيما يخص الدرجات فقد تم ترتيب كل سلك من تلك الأسلاك في ثلاث درجات باستثناء سلك أساتذة التعليم العالي الذي رتب في أربع درجات. وكل درجة تحتوي على أربع رتب، باستثناء الدرجة الأخيرة في سلك أستاذ التعليم العالي، وسلك الأستاذ المؤهل! حيث تحتوي على خمس رتب.

أما الرقم الاستدلالي فإنه ينحصر بين 760 و1095 لأستاذ التعليم العالي، و580 و1020 للأستاذ المؤهل، و509 و1020 لأستاذ التعليم العالي المساعد (الجدول رقم 11).ومن أهم ما أقره المرسوم رقم 2.96.793 تحسين الوضعية المادية للأساتذة الباحثين؛ حيث وردت مقادير التعويضات الجديدة بجدول ملحق بالمرسوم (الجدول رقم 12).إلا أن النظام الأساسي للأساتذة الباحثين لم يخل من ملاحظات فمن أهم ما لاحظه الأستاذ حسين العمراني مثلا ما يلي 6 :

– أنه لم يتم الحسم في مسألة المعادلة بين الدكتوراه المغربية الجديدة والدكتوراه الفرنسية؛ حيث يبدو أن هناك ميلا إلى النقص من قيمة الدكتوراه المغربية الجديدة أمام الدكتوراه الوطنية الفرنسية، ويتجلى ذلك من منح النظام الأساسي الجديد 6 سنوات أقدمية للأساتذة المساعدين المتوفرين على الدكتوراه الفرنسية عند إعادة ترتيبهم في الإطار الجديد، في حين أن الأساتذة المساعدين الذين سيعاد ترتيبهم بعد حصولهم على الدكتوراه المغربية لم تمنح لهم هذه الأقدمية…

– أن مسطرة إعادة الترتيب في الأسلاك الجديدة التي أحدثها المرسوم، قد أثرت كثيرا على الوضعية المادية لرجال التعليم الباحثين، ولو تم تطبيق الفصل الخامس من مرسوم يوليوز 1963 لحصل العكس تماما.

– أن أغلب النصوص الواردة بالمرسوم الجديد أخذت من النظام الأساسي للأساتذة بفرنسا لسنة 1984. ولا يكمن العيب في هذا الأخير، ولكن يكمن في الأسلوب الانتقائي الذي تم اتباعه.

– أن أهم ما أغفله النظام الأساسي الجديد هو عدم اشتراطه للتكوين الأولي للأساتذة الباحثين.

– إغفال نظام أساسي للمتعاون المغربي، ذلك أن كثيرا من أساتذة التعليم العالي يرغبون في التدريس في دول أجنبية، ويجب تشجعيهم عن طريق وضع نظام أساسي خاص بالمتعاون المغربي لحماية حقوقه ومكتسباته.

يضاف إلى كل هذا أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لم تحترم ما اتفق عليه مع النقابة الوطنية للتعليم العالي، مما جعل مراسيم فبراير 1997 هي الأخرى تحظى بنوع من الرفض خاصة من طرف الأساتذة والطلاب.

إن فشل السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي في فرض مشاريعها بصفة كاملة، جعلها تلتجئ إلى مراسيم جزئية، لم تكن أبدا في مستوى الأزمة التي يتخبط فيها التعليم العالي. مما جعلها تتجه إلى الانفتاح على تصورات أخرى للإصلاح، كان أهمها مشروع النقابة الوطنية للتعليم العالي. وقبل التطرق إلى الأرضية المتوافق حولها بين الوزارة والنقابة، نفتح نافذة نطل من خلالها على مشروع هذه الأخيرة.


[1] تمدد مدة إعداد الدكتوراه الوطنية بصفة استثنائية بقرار رئيس المؤسسة بناء على اقتراح المشرف على الأطروحة وموافقة المسؤول عن وحدة التكوين والبحث التي يتم في إطارها إعداد الأطروحة.\
[2] هذه الشهادة ليست جديدة فقد تم تجريبها بكلية علوم التربية منذ سنة 1986، وبالتالي فالجديد هو تعميمها.\
[3] هي الأخرى ليست جديدة إذ كان يتم تحضيرها بكليات العلوم تحت اسم شهادة التخصص للسلك الثالث.\
[4] المرسوم رقم 2.96.796 بتاريخ 19 فبراير 1997 الجريدة الرسمية عدد 4458 بتاريخ 20 فبراير 1997.\
[5] غُير لقب الأستاذ المحاضر بلقب الأستاذ المؤهل، ولقب الأستاذ المساعد بلقب أستاذ التعليم العالي المساعد.\
[6] العمراني (حسين)، إدارة التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب، ج2، الطبعة الأولى 1999 (ص 236 – 274).\