أصبح في حكم المعتاد أن تتحول بلادنا بعد كل زخة مطر إلى مناطق منكوبة مقطوعة الأوصال وغارقة في الأوحال.. أما حال المواطنين فحدث ولا حرج.

فقد عاشت مدن عديدة، في الأسابيع الماضية، على وقع فيضانات نتيجة الأمطار التي تساقطت، وككل مرة شكلت هذه التساقطات مناسبة أخرى لكشف حقيقة “الأوراش الكبرى” المفتوحة و”المشاريع العظيمة” المنجزة و”مسلسل التنمية” الذي يتبجح به المسؤولون.. وفضحت حجم الارتجال الذي تتخبط فيه البلاد ومآل السياسات العمومية المتبعة، وعرت الكثير من الحقائق وفي مقدمتها أن الغش والتهاون هو القاسم المشترك الذي يميز الإنجاز على العديد من المستويات، وأن هناك مغربا غير نافع يموت بردا وعراء وجوعا وعطشا، وأن هناك أسرا مشردة ومحاصيل متلفة ومرافق مغلقة وبيوتا مهدمة وطرقا مقفلة.. وخسائر لا تعد ولا تحصى.

ما حدث هذه الأيام، في تلك المناطق، يعيد طرح السؤال حول جدوى المؤسسات الموجودة والسياسات المتبعة وأساليب التدبير المعتمدة، لأن النتائج كانت كارثية بكل المقاييس، حيث أصبحت مدن بأكملها معزولة عن العالم الخارجي ومحرومة من أدنى أسباب العيش. فمن يتحمل المسؤولية إذن؟

لو حدث هذا في بلد يحترم مواطنيه لفتح تحقيق في الأسباب والمتسببين ولدفع كل مقصر نتيجة تقصيره.. ولكن لأننا نفتقد ثقافة المحاسبة والمراقبة والجزاء فسيبحث كل واحد منا عن شماعة يعلق عليها خطأه وتهاونه وتقصيره، ووحده المواطن من يدفع الثمن مضاعفا.

أما المسؤولون فهناك من سيبسط الأمر ويلصق التهمة بكمية الأمطار التي فاقت التصور وتجاوزت الحد الذي يمكن التحكم فيه، وهذا في الحقيقة هروب إلى الأمام وتنصل من المسؤولية لأن حجم الأمطار كان منتظرا والنتائج كانت محتملة والأضرار متوقعة والمسؤولون أدرى منا جميعا بذلك. ولذلك فلا يمكن قبول هذا النوع من التبريرات، وما حدث لا يمكن إدراجه إلا في إطار التقصير عن أداء الواجب، ونتيجته التلقائية، في دولة تحترم نفسها ومواطنيها، فتح تحقيق صريح ونزيه وعلني لمحاسبة المقصرين وعزل المتورطين وتعويض المتضررين. ولكن للأسف ما زال السائد ببلادنا هو الإفلات من المحاسبة وهذه من أكبر الثغرات التي ستعوق تطور بلادنا مهما بذلت من جهود ومهما صلحت النيات.

لقد كشفت الأمطار الأخيرة فقدان البلاد لسياسة وقائية توقعية قادرة على التعامل مع الطوارئ والتفاعل بسرعة مع المستجدات، وكشفت أن المواطن هو آخر شيء في اهتمامات المسؤولين، وكشفت هشاشة البنية التحتية لبلادنا بسبب عشوائية التخطيط والفساد واللامسؤولية وانعدام المراقبة التي تحكّـمت في تشييدها، ولنتصور مستقبل بلد بدون بنيات تحتية في الوقت الذي ينشغل فيه المسؤولون بأوراشهم الكبرى المدرة للربح على مشاريعهم الخاصة والعائلية.

إنها الكارثة.. نسأل الله اللطف.

اللهم لا تعذبنا بما فعل السفهاء منا.