في العشرين من يناير 2009 تم تنصيب باراك حسين أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. وقد شكل انتخابه حدثا بارزا حمل معه الكثير من الآمال داخل أمريكا وخارجها وهو الذي جعل من التغيير رسالته الأولى للعالم.

بعد سنة من هذا الحدث، أي ربع الولاية الانتخابية، نقف لنسائل الأقوال والأفعال للوقوف على حقيقة هذا التغيير الموعود.

منذ انتخاب أوباما، وجد الرئيس الجديد نفسه أمام إرث ثقيل خلفته ثمان سنوات من حكم جورج بوش الابن، وكان عليه مواجهة تحديات كثيرة حصرناها في سبعة تحديات.

1- الأزمة الاقتصادية:

شكلت الأزمة الاقتصادية ورقة ربح لأوباما خلال حملته الانتخابية أمام خصمه ماكين، لكن ما واجهه بعد تنصيبه كان أكبر من المتوقع. فمعدل البطالة في أوجِّه ب 10%، وفقدان الوظائف مازال مستمرا، وانخفضت شعبيته داخل الولايات المتحدة بقرابة نصف الأمريكيين قصورا في التعامل مع الأزمة.

وإن كانت من مؤاخذة على أداء أوباما فهي سرعة تدخل الحكومة لإنقاذ المصارف والتباطؤ الشديد في إنقاذ وظائف الأمريكيين، حيث شهدنا مسلسل مفاوضات طويل مع شركات صناعة السيارات حول ما يقارب 100 مليار دولار في الوقت الذي تم ضخ أكثر من 700 مليار في المصارف المهددة بالإفلاس في أقل من شهر.

2- الحرب على الإرهاب:

وعد أوباما خلال حملته الانتخابية بإغلاق معتقل غوانتانمو والانسحاب من العراق في غضون 18 شهرا، والتركيز في حرب أمريكا على ما يسمى بالإرهاب على أفغانستان باعتباره معقلا لتنظيم القاعدة.

– معتقل غوانتانمو

في اليوم الثاني من توليه الرئاسة وقَّع أوباما مرسوما رئاسيا يقضي بإغلاق معتقل غوانتانمو، لكنه مازال مفتوحا إلى اليوم، بل قرر وفي أعقاب محاولة تفجير الطائرة فوق سماء ديترويت إيقاف نقل المعتقلين اليمنيين إلى بلدهم وإبقائهم في المعتقل. كما ارتفعت العديد من الأصوات تعتبر الإغلاق خطأ فادحا.

ويواجه إغلاق المعتقل العديد من المشاكل القانونية حول مصير المعتقلين، هل سيحاكمون داخل أمريكا وفي أية محاكم، في ظل معارضة كبيرة لاستقبالهم فوق الأراضي الأمريكية، أو يطلق سراحهم أو يرحلون إلى بلدان أخرى.

– العراق

بعد مشاورات عديدة وطويلة مع القيادة العسكرية أعلن الرئيس الأمريكي استراتجيته الجديدة في العراق، والتي تقضي بالانسحاب من العراق ولكن دون تحديد سقف زمني كما وعد خلال حملته الانتخابية. وتحاول الإدارة الأمريكية تحميل الحكومة العراقية جزاء كبيرا من فشلها من خلال التركيز على عدم قدرة هذه الأخيرة على تحمل المسؤولية في ظل الصراعات السياسية بين أقطاب الحكم في العراق.

– أفغانستان

خلال الحملة الانتخابية وعد أوباما بالتركيز على الحرب ضد القاعدة وضرورة زيادة عدد القوات الأمريكية في أفغانستان. لكن بعد تسلمه الحكم وجد نفسه مضطرا لبلورة استراتحية تأخذ بعين الاعتبار باكستان أكثر من أفغانستان خصوصا مع تزايد قوة طالبان باكستان وضعف الحكومة الباكستانية والتخوف من سقوط السلاح النووي الباكستاني بين أيدي ما تسميهم أمريكا إرهابيين.

لكن استراتحيته الجديدة عرفت انتكاستين:

الأولى من خلال فشل تدبير الانتخابات الأفغانية والصراع الذي نشب بين عبد الله عبد الله وحامد كرزاي من خلال التشكيك في نتائج الانتخابات وهو ما خلق أزمة سياسية لم تنتهي فصولها بعد في ظل رفض البرلمان المصادقة على أعضاء الحكومة وانتشار الفساد.

والثانية كانت الضربة الموجعة التي تلقتها المخابرات المركزية الأمريكية في خوست بعد تمكن المواطن الأردني من ولوج القاعدة وقتل سبعة عملاء تابعين للوكالة. ناهيك عن تم تسجيل ارتفاع كبير في عدد قتلى القوات الأمريكية.

3- نظام التأمين الصحي:

شكل إصلاح نظام التأمين الصحي أحد أكبر العقبات التي واجهت الرؤساء الأمريكيين وفشل معظمهم في ذالك. وقد جعل أوباما من هذا المشروع في صدارة وعوده الانتخابية. وإن كانت الإدارة الأمريكية قد استطاعت الحصول على مصادقة غرفتي الكونغرس على الشروع بنسختين متباينتين يتم العمل الآن على تقريبهما إلا أن أوباما، وأمام معارضة الجمهوريين وتأليب الإعلام، اضطر إلى التنازل عن العديد من أفكار المشروع والقبول بحد أدني، كما أن الخسارة السياسة قد تكون أكبر مع اقتراب موعد انتخابات تجديد أعضاء الكونغرس واحتمال فقدان الديمقراطيين للعديد من المقاعد لصالح الجمهوريين.

4- البرنامجان النوويان الإيراني والكوري الشمالي:

يشكل هذان البرنامجان النوويان أرقًا للإدارة الأمريكية وحلفائها في الشرق الأوسط وشرق أسيا. ففي الوقت الذي يعتبر البرنامج الإيراني تهديدا مباشرا للكيان الصهيوني والمصالح الأمريكية في المنطقة، يشكل البرنامج الكوري الشمالي تهديدا للاستقرار في جنوب شرق آسيا مع وجود دول نووية كثيرة في المنطقة (الصين، روسيا، باكستان، الهند) وتخوف اليابان وكوريا الشمالية من استغلال نظام بيونغ يانغ السلاح النووي للابتزاز مما ينذر بانفجار في المنطقة.

ولحل هذين المشكلتين دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في مفاوضات مباشرة مع الدولتين، من خلال مجموعة الخمسة زائد واحد بالنسبة لإيران ومجموعة الست مع كوريا الشمالية. وأرفقت هذه المفاوضات برزمة من التحفيزات الاقتصادية تارة أو التهديد بمزيد من العقوبات في حال رفض أو تباطؤ الدولتين التعاون.

5- العلاقة مع العالم الإسلامي:

صرح الرئيس الأمريكي حتى قبل انتخابه بضرورة مراجعة علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالعالم الإسلامي، وبنائها على أساس الاحترام والمصالح المتبادلة، محاولا تجاوز ما خلفته سنوات حكم بوش من تدهور في صورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي نتيجة الحرب على الإرهاب وتشبيهها بالحروب الصليبية.

وكانت أول محطة في مسلسل الإصلاح هذا زيارته لتركيا وخطابه أمام البرلمان التركي. غير أن أهم خطواته كانت خطابه من قلب الجامعة الأمريكية بالقاهرة وما تضمنه من إشادة بالإسلام ومساهمة المسلمين في التطور الإنساني. لكن كلمات الخطاب لم تترجم إلى واقع وبقي العرب والمسلمون في انتظار أفعال من الإدارة الأمريكية، وفي مقدمتها الكف عن مساندة الأنظمة الاستبدادية التي تحكم بلادهم والانسحاب من العراق وأفغانستان والدفع في اتجاه إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية.

6- العلاقة مع القوى الكبرى الأخرى:

عرفت مرحلة حكم الرئيس بوش ازدراء من قبل إدارته للمؤسسات الدولية والعمل من جانب واحد دون اعتبار للمواثيق والاتفاقيات الدولية، فكان على خلفه تصحيح هذا الخطأ من خلال التنسيق مع الدول الكبرى في الأمم المتحدة.

أول محطة من هذا المشروع تجسدت في قمة العشرين حيث لعب فيها أوباما دور الوسيط أكثر من دور الآمر. حيث صرّح بأن على الولايات المتحدة الإنصات أكثر لحلفائها وإشراكهم في القرارات العالمية. ثم كانت زيارته للصين واعترافه بالدور المتعاظم للتنين كقوة وازنة في المنطقة والعالم. كما عمل على التخفيف من حدة العلاقات مع روسيا من خلال تجديد اتفاق الحد من الأسلحة وتأجيله مشروع الدرع الصاروخي في شرق أوروبا.

لكن أكبر فشل لإدارته والعالم كانت في قمة المناخ بكوبنهاغن حيث لم يتم الخروج إلا باتفاق هزيل ودون مستوى طموح سكان العالم الذين كانوا ينتظرون من قادتهم التفكير في مصير البشرية عوض الرضوخ لضغوطات الشركات العالمية. وقد لخص الرئيس الفنزويلي أغو شافيز هذه الحالة بقوله “لو كان المناخ مؤسسة مالية مهددة بالإفلاس لسارع العالم لإنقاذها”.

7- القضية الفلسطينية:

مباشرة بعد انتخابه عين الرئيس الأمريكي مبعوثا خاصا بالشرق الأوسط في شخص جورج ميتشل وعول على تجربته كمفاوض نجح في فض صراع أيرلندا خلال التسعينيات. لكن وبعد تصريحات الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته بضرورة وقف “إسرائيل” للاستيطان، تراجعت الإدارة الأمريكية عن هذا الشرط وطالبت العرب والفلسطينيين بضرورة البدء في مفاوضات مباشرة. وقد أظهر هذا التراجع قوة اللوبي الصهيوني وضعف أي إدارة أمريكية أمام “إسرائيل”.

كما أن سكوت أوباما عن المجازر الإسرائيلية ومدافعته عن حق “إسرائيل” في الدفاع عن نفسها حتى أمام من تحتل أرضهم قد أفقده الرصيد الضئيل من المصداقية الذي كان يملكه لدى الشعوب العربية والإسلامية.

أوضحت السنة الأولى من حكم أوباما الفرق الشاسع بين الوعود الانتخابية والحكم الفعلي. فقد أعطى انتخابه أملا للعديد من سكان العالم لكن خيبة الأمل هي ما حصلوا عليه.

فالأزمة الاقتصادية مازالت تحصد العديد من مناصب الشغل، ومعتقل غوانتانمو ظل مفتوحا والقوات الأمريكية لم تنسحب من العراق بل تستعد لفتح جبهة جديدة في اليمن، والشعب الفلسطيني لم يحصل على حقوقه بل زاد حصاره والتضييق عليه حتى في قوته، والأجيال القادمة ينتظرها مستقبل مائج في ظل التحولات المناخية.