وجاهدهم به جهادا كبيراقرآن كريم.

إن الناظر في التاريخ الطويل لمسيرة الإبداع الأدبي خصوصا والفني عموما، سيكشف أن النظرة إليه اختلفت وتعددت وتباينت بحسب الرؤية الفلسفية الموجهة والهدف المقصود منه والوظيفة المراد له أن يؤديها. ما كان السرحان في أودية الخيال والسريان في مجالات الهذيان والضلال ديدن الشعر دائما وأبدا، وإنما وجهت كل التصورات المجتمعية السائدة آدابها بشكل يخدم أغراضها، حتى لقد عد ستالين الأدباء مهندسي الحياة الإنسانية.

وإنه في زمن أجلب فيه الإعلام العلمي علينا بخيله ورجله وغيه وضلالته، في زمن الكلمة الفاعلة الساحرة المغالبة، وفي زمن البرمجيات الرقمية المتسلطة، وفي دنيا الصورة البارزة والصوت الهامس المتسلل، لابد لإبداعنا الأدبي الإسلامي أن يكون من وسائل جهاد الكلمة والحجة.

كيف نفهم الجهاد؟

إذا كانت غاية التربية بناء رجال ليعرفوا الله ويسلكوا إليه، ويجاهدوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، فإن الجهاد له معان كثيرة. نفهمه بمعنى واسع عظيم: جهاد أكبر للنفس حتى تتخلص من رعوناتها وقاذوراتها المثبطة، فتشف وتصفى فترقى لمعرفة خالقها ومحبته. وجهاد أصغر للمنكر والظلم والبغي والفساد دعوة وقومة، وتدبيرا وتسييرا في خطين متوازيين لا يلقيان الفرد المؤمن إلى زوايا الاستقالة من هم الأمة في معاشها اليومي، ولا إلى معمعان الحركة السياسية، بهذيانها الذي ينسى فيه المرء ربه فينساه ربه، فإذا هو في ضنك يشقى، يزعم نصرة الدين، وإنما هو الخواء والجفاء والأطماع والسمعة والرياء. وأنى للباطل أن يغير باطلا مثله أو أشد منه.

إن لنا في تاريخنا الإسلامي العبرة والعظة، ولنا في كتاب ربنا وسنة نبينا التوجيه والإرشاد. إن المصادر الأساس للإسلام لم تعالج قضية الفن عموما والشعر خصوصا باعتبارها غرضا في حد ذاته، وإنما عالجتها باعتبارها أداة للدفاع عن قيم العقيدة الإسلامية تجاه معتقدات الجاهلية.

كان الشعر في عهد النبوة أداة ينافح بها ضد الشرك والمشركين، وأداة لتثبيت الحق والصدق ومكارم الأخلاق. وليس بوسع المرء أن ينسى دفاع حسان بن ثابت الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الدعوة الإسلامية.

كان الشعر جهادا

نصب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه يهجو من قال في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: “إن روح القدس مع حسان ما نافح عن رسول الله”. بل كان الرسول يعتبر الشعر قوة تفوق نضح النبل “فكأن ما ترمونهم به نضح النبل” 1 .

وفي مواطن الشدائد يحضر الشعر مقويا للعزيمة باثا لروح المقاومة. حدث البراء رضي الله عنه فيما أخرجه البخاري من “كتاب الجهاد” “باب حفر الخندق” قال: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ينقل التراب، وقد وارى التراب بياض بطنه، وهو يقول متمثلا بأبيات لابن رواحة:”لولا أنت ما اهتدينـا *** ولا تصدقنا ولا صلينـا
فانزلن السكينة علـينا *** وثبت الأقدام إذ لقينـا
إن الأولي قد بغوا علينا *** إذا أرادوا فتنة أبينــا
ما كان صلى الله عليه وسلم شاعرا وما ينبغي له. وإنما هو التعليم الرحيم لأمته.

لم يكن الشعر إلا صياغة فنية لهموم الدعوة ودفاعا صادقا عن أهلها وتبليغا جماليا حكيما لرسالتها العظيمة في هداية البشر. كان إذاك واجهة إعلامية متميزة للذب عن دين الله عز وجل، يفرح به رسول الله عليه وسلم ويجزل عليه ويثيب ويدعو لأصحابه. وأين…؟ يا سبحان الله..! في بيت الله..! في المسجد لتغشى الأديب الشاعر المسلم المتصدي للدفاع عن دين الله روحانية الذكر وقدسية المكان وخشوع الركع السجود. روح وريحان يصطبغ بهما الشعر فإذا هو أشد على المعادين المعاندين من ضرب الصمصام البتار، وطعن الرمح والقناة.

أدب جهاد نحتاج إذن

يجب أن يكون أدبنا الإسلامي أداة جهاد في حرب لم تعد الأسلحة الفتاكة فيها واضحة كل الوضوح. إنما السلاح الذكي الكلمة الإعلامية النافذة الكاسحة الجارفة تنسل إلى العقول فتستوطنها وإلى النفوس فتوسوس إليها.ما ينبغي لحملة الحق إلى الناس وحملة مشروع الدعوة إلى الله أن يصابوا باليأس أو أن تلحقهم الهزائم النفسية، وإنما نبلغ ونقول كلمة الخير بمبتدئها وخبرها دون خوف أو هلع أو نكوص وتراجع.

سلطة الكلمة قوية جبارة تفعل العجب في النفوس والعقول. يجاهد الشعر وتجاهد المسرحية والرواية والقصة وسائر الفنون الأخرى، تسهم في تنقية أجواء الفتنة وبسط كلمة الحق وحجة النور، علها تبلغ القلوب بفطرتها فتقيها وتبعثها من مواتها حية رقراقة.

أدب الجهاد بالكلمة القوية الصامدة والحجة البليغة المبلغة يجب أن يخترق آفاق الأدب المادي الغريب المليء بالأساطير والرموز الوثنية الشيطانية التي يزعمون أنها إبداع فني جمالي، وما هي إلا من وحي الشياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.

أدب الجهاد يجب أن يحكي هموم الأمة ويبلغ آلامها ويعبر عن آمالها، لنسمع صوت الإسلام للعالم من هذا الباب باب الإبداع الأدبي بشتى تلاوينه، فيكون عنصرا فعالا من عناصر أخرى نستعملها لإيصال خطاب يبلغ الأسماع ويخرق أسوار الحصار الإعلامي ضد الإسلام ويقارع كتائب الغزو الفكري) 2 .

يقول ربنا سبحانه وتعالى: وجاهدهم به جهادا كبيرا.

مأمورون نحن معشر المؤمنين المجاهدين بالجهاد، ومأمور معنا إبداعنا الأدبي الجدير بإسلاميته أن يجاهد بالقرآن كلمة الله الأبدية إلى عباده التائبين المنيبين، هو أداة الجهاد الأكبر، وهو أداة الدعوة.

أن نجاهد بالقرآن معناه أن نجاهد بمعانيه ومضامينه، ونجاهد بأسلوبه وبلاغته.وأول ما يجاهد به الأديب المسلم المبدع أن يربط نفسه وغيره وأمته بمنزل القرآن ويدلهم عليه ويحببهم إليه.

اقرأ باسم ربك الذي خلق.

ربط القراءة بالله عز وجل من حيث كونه خالقا لعبيده جوهر الجهاد.

أن يقرأ المؤمن باسم الله معناه أن يكتب باسم الله، حتى تنثال على المؤمن الأديب القارئ عطايا الله ونعمه وكرمه.

اقرا وربك الأكرم.

القراءة مفتاح الكرم الإلاهي والعطاء الرباني، واكتساب العلم بمعناه اللدني وحتى العلوم بمعناها الإنساني، الاكتساب النافع الرافع الجامع بين الدين والدنيا بين الأولى والآخرة، شرطه الإقبال على القراءة باسم الله تذكيرا بالعودة إليه والرجوع للوقوف بين يديه.

جهاد الأدب الإسلامي بالقرآن يجب أن يمتح من الخطاب القرآني، ذلكم الخطاب الرباني من رب العالمين العالم بخلقه ومايصلحه ويصلح له، ذلكم الخطاب الشمولي الجامع بين أساليب البشارة والنذارة، ومفردات الرغبة والرهبة، وآليات العقل والعاطفة، لأنه الوحيد: القادر على تبليغ دعوة الإسلام والإيمان والجهاد إلى أعماق القلوب. وهو وحده الكفيل أن يجعل لخطابنا الهيبة والنور والفاعلية التي تحول الكلام عملا، والفكر إنجازا، والشريعة الإلهية قانونا يحكم في الارض يعلو ولا يعلى عليه) 3 .

هيبة ونور وفاعلية يستمدها مبدعنا الأديب الإسلامي ليحمل رؤية مستقبلية مبشرة بوعد الله باستخلاف المؤمنين وبشارة رسول الله بعودة الخلافة الثانية. يفتح بذلك نافذة الأمل والخير بفصاحة مقنعة خالصة مخلصة في الأسلوب والمعاني، موقدا للهمم باعثا للإرادة متحدثا عن هم الفرد في معرفة ربه وهم المستضعفين في تحقيق العدل وبناء الشورى، مجابها للاستكبار الشيطاني الطاغي، محطما للأصنام البشرية.

نتذكر هنا كيف كان الشعر العربي بعد ذهاب الشورى وانقضاض عروة الحكم مؤثثا لفضاءات العض أداة للهو واللغو، ووسيلة مدح متملق للظالمين، وتغن ماجن بالفواحش والرذائل، وكيف هو الآن سلاحا فتاكا يقترن بالصورة الراقصة لنشر الغواية والفساد.

نرتقي إذن بلغتنا، ونسمو بخطابنا، لنعد أدبا يجاهد بلغة القران لغة الحق.لا نحذو حذو آداب غيرنا المليئة بسفاسف الأمور، الممجدة للعبث واللذة، الغائبة عن جهاد ما بالنفس الأمارة بالسوء الساكتة عن جهاد الظلم المنيخ بكلكله على أمة الإسلام وشعوب الارض.

بهذا المعنى يكون الأدب الذي نرجوه أداة من أدوات، ولغة من لغات، وخطابا من بين خطابات، يجمعها ويلم شعثها وجهة الجهاد بالمفهوم الذي قدمناه وبيناه، هو جهاد الكلمة الحجة النابغة من القلب المومن إلى الناس برفق وحكمة وبوضوح ومسؤولية وبخطاب قرآني إسلامي. ولا يكون إسلاميا جديرا بإسلاميته -نذكر ولا نمل- إن لم يذكرنا الموت والقبر والحساب، إن لم يربط الدنيا بالآخرة، ويجمع الإحسان بالعدل.

وبهذا المعنى يكتسب الأدب الإسلامي معنى الالتزام لا معنى التسيب والنفاق، وصفة المسؤولية الجادة لا الحرية المنحلة ، ويكون الأديب الإسلامي من الأمة المأمورة شرعا بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إننا، وبصفة مجملة، نبغي أدبا رساليا هادفا، وسيلة تربية، وأداة جهاد.

لا يعني هذا البتة أن يكون أدبنا عابسا مقطب الجبين، مثلما لا يعني أن يكون ماجنا داعرا مسفا خليعا. إنما هو الزيال في السمت، والبراءة من العبث.نرجوه أن لا يقطع مع عصره ولا يستقيل من زمانه، بل يستفيد من كل وسائل التعبير الإنسانية بعد أن يروضها لتتزين بزينة الخير وصبغة النور، فيحافظ على ذاته من الذوبان وسط آداب الغرابة والاستلاب وفنون الميوعة والاستنساخ.

وإذ نلح على هذا، ما يجب أن يفهم أننا نلجم قريحة الأديب المسلم ونقيد إبداعه ونمنعه من التعبير ونضع أمامه العقبات والحواجز، إنما نريد له أن يكون علما على عقيدته وقلما لهويته وشامة بين أقرانه، إذ الإسلام بما هو منهاج حياة الفرد المؤمن وسط الجماعة المؤمنة المجاهدة رسم صوى مضيئة وعلامات قائمة منيرة تهذب وتوجه وتربي: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.

والله أحسن صبغة وأجل جمالا.


[1] في جامع الترمذي وفي سنن أبى داود م 4.\
[2] “المنهاج النبوي”. الأستاذ عبد السلام ياسين، ص 397.\
[3] نفسه. ص400.\