اختلاف ياسين مع البنا

يرِثُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ: يَنْفُونَ عَنْهُ تَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَحْرِيفَ الْغَالِينَ.) 1

صحبة من صحب

كانت الصحبة أول زمان الإسلام صحبة فطرية، توارثها التابعون بصحبة من صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يختص بها فريق دون فريق، ولم يكن إثبات أهميتها ودورها المحوري في السمو الروحي يستدعي تدبيج مقالات ودراسات ومجلدات، بل كان المؤمن يعلم بداهة أن علو شأن من هاجر ومن ناصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما مبعثه ثناء الله عز وجل على من كان في معية خير الأنام عليه أزكى الصلاة والسلام، قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، فرفعة هؤلاء إنما كانت بمعيتهم للمصطفى المختار، ثم توارث الصحبة جيل عن جيل، تنفيذا لأمره تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بتسلسل المدد القلبي من بعده بفضل تسلسل الصحبة في قوله الكريم: “يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فيه فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم” 2 .

ثم طال الأمد على الأمة، ففعل فيها سيف الملك العاض فعلته، واقتتل الصحابة الكرام اقتتالا مريرا على الإمامة ومن الأحق بها، ثم أثقلت جوانحها دخول أمم أغرقت ذوي السابقة في يمها، ثم تخصص الفقهاء والمحدثون وأهل التزكية بعلومهم، ثم جاء من بعدهم من أثار الحرب بين أطراف شتات الفقه الجامع، فجرت الحروب حول المصطلحات، حتى استقلت كل طائفة بمفرداتها لا يكاد ينازعها فيها أحد، وحتى استقل الصوفية بمعنى الصحبة مؤكدين أنها الحبل المتين من الدين، بينما تتعدد مواقف الفقهاء حولها بين نافٍ ومتوقف وناصر.

يقع العبء الأكبر اليوم في تجديد الدين على تنظيمات الحركة الإسلامية والعلماء والدعاة من خارج صفها، ولا بد أن يثيروا مسألة الصحبة لتتضح مبانيها ومعانيها، ومدى إمكانية تنزيلها في البناءات التنظيمية لمؤسسات المجتمع، لا بد من إثارتها لا سيما ورجال التربية عبر مراحل تاريخية ممتدة يؤكدون أن قضية السلوك ومقاماته العليا يكاد يكون ممرها الإجباري الوحيد هو الصحبة، فلزم تقليب النظر في مقولاتهم، إذ يستحيل اجتماع جمعهم الغفير على الكذب. ويكون من الخفة والسذاجة تجاهل شهاداتهم وهي تدلك على أن هناك علم متميز شريف لا يدرك إلا بصحبة من ينهض بك حاله ويدلك على الله مقاله. من شهاداتهم أن سلوك الطريق يبتغي صحبة العارفين وحسن اتباعهم، اتبع الشيوخ العلماء بالكتاب والسنة العاملين بهما أو حسن الظن بهم، وتعلم منهم وأحسن الأدب بين أيديهم والعشرة معهم وقد أفلحت. إذا لم تتبع الكتاب والسنة ولا الشيوخ العارفين بهما فما تفلح أبدا. ما سمعت: من استغنى برأيه ضل؟ هذب نفسك بصحبة من هو أعلم منك، اشتغل بإصلاحها ثم انتقل إلى غيرها.) 3

المصحوب الذي لم يوص بالصحبة

ما معنى الصحبة؟ ومتى تلزم ضرورة؟ ومتى يمكن الاستغناء عنها أصلا؟

يقسم الإمام القشيري الصحبة إلى ثلاثة أقسام:

صحبة مع من فوقك، وهي في الحقيقة خدمة.

وصحبة مع من دونك وهي تقضي على المتبوع بالشفقة والرحمة، وعلى التابع بالوفاق والحرمة.

وصحبة الأكفاء والنظراء، وهي مبنية على الإيثار والفتوة.

فمن صحب شيخاً فوقه في الرتبة، فأدبه ترك الاعتراض، وحمل ما يبدو منه على وجه جميل، وتلقي أحوال بالإيمان به) 4 .

من الواضح أن الإمام القشيري رحمه الله يمايز بين صحبة يكون فيها المرء في مقعد التلمذة، وأخرى يكون فيها المتلقي للتربية مربيا، وقسم ثالث يكون فيه سندا وعضدا لإخوانه الأقران، والملاحظ أن الغالب في البنية التنظيمية للحركة الإسلامية اليوم أنها لا تعترف إلا بالصحبة من النوع الثالث، صحبة الأقران، وإن كان هناك من اعتبار خاص للقيادة فمرده إلى تفوقها في العلم الشرعي، أو درايتها التدبيرية للشؤون التنظيمية والسياسية، ويتم الصمت نهائيا عن قيادتها التربوية بمعنى التسليك والتزكية.

كان الإمام البنا رحمه الله من العلماء المجددين لدين الأمة بشهادة الجم الغفير من العلماء والفقهاء والعاملين الدعاة، وكانت سيرته العطرة تنبيء عن روحانيته العالية، ورغم صمت الإمام عن مسألة الصحبة فإن شهادات معاصريه تجمع أنه كان رجلا مصحوبا، رجلا منور القلب، يَحدث الانقلاب الكبير في قلوب أتباعه بمجرد مصاحبته، فيتحولون من الصفوف الخلفية في الأمة إلى طليعتها.

قال عنه الشيخ محمد الحامد رحمه الله: عرفه الناس وآمنوا بصدقه، وكنت واحدا من هؤلاء العارفين به، ولذي أقوله فيه قولا جامعا: هو أنه كان لله بكليته؛ بروحه وبجسده، بقلبه وقالبه، بتصرفاته وتقلبه. كان لله فكان الله له، واجتباه وجعله من سادات الشهداء الأبرار) 5 .

ونقرأ لأحد تلامذته الذي خلفه في مقامه مرشدا عاما لجماعة “الإخوان المسلمين”، ونرى نوع الأوصاف التي أسبغها عليه لنعي طبيعة العلاقة التي كانت تربط بين القواعد وقائدها الإمام البنا. قال عنه المجاهد عمر التلمساني: آثرت أن أتحدث مع نفسي عن أستاذي وسيدي وإمامي ومرشدي، وآثرت أن يكون حديثي عنه مكتوبا، وآثرت أن يكون حديثي معه في رمضان، وآثرت أن يكون حديثي معه في خلوة. فالحديث مع الصالحين عبادة، والخلوة معهم عبادة) 6 . لقد كان البنا الدال على الله في حياته، وانتفع الرجال والنساء من الرعيل الأول من الإخوان بصحبته، وظل مجرد ذكره بعد استشهاده يبعث في النفس همة التعبد والتقرب من العلي القدير. نستكمل شهادة التلمساني رحمه الله. قال: إني أريد أن أذكر إمامي الشهيد على وجه الدوام، لأن تذكري إياه يذكرني بالله. وهل أنا في حاجة أمس من حاجتي إلى من يذكرني بالله ويجمعني عليه) 7 .

اكتشف الإمام البنا في مبتدإ حياته نورانية الذكر وهو في الزاوية الحصافية، ولحظنا كيف استفاد من تربيتها وبنيتها التنظيمية فجعل في تنظيم “الإخوان المسلمين” شروط الإخلاص، والذكر، والأخوة… كما جعل البيعة رابطا تنظيميا وقد استقاها من البيعة الصوفية، وإن وسعها فجعلها بيعة تربية وجهاد، لكن وراثه التنظيميين وجدوا ثلْمة صمت الإمام عن مسألة الصحبة وشرطها في التربية، وضرورة استمرارها في القيادة، بل فهم من تراثه أنه لم يأمر إلا بمحبة الصالحين دون التتلمذ عليهم. قال في رسالة من رسائله القيمة: ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تبارك وتعالى، والأولياء هم المذكورون في قوله تعالى: “أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ”، والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية مع اعتقاد أنهم رضوان الله عليهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا في حياتهم أو بعد مماتهم، فضلا عن أن يهبوا شيئا من ذلك لغيرهم.) 8

إحياء المعنى

كان البنا رجلا قواما صواما عارفا بالله، وكان يخص مقربيه بمدارسة الحكم العطائية، كما حدثنا شيخنا الشيخ محمد الحامد أن الأستاذ البنا كان يدرسها للخاصة من تلاميذه) 9 ، والحكم العطائية مبناها ومعناها يقوم على شروط التربية الثلاثة، ولعل هم البنا في جمع شتات الأمة، وتخوفه من أن يتحول تنظيم الإخوان إلى زاوية تبركية هو ما جعله يشير همسا لا جهرا، وتلميحا لا تصريحا إلى أن تنظيم “الإخوان المسلمين”: دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية) 10 ، وهل من معنى للحقيقة الصوفية إن لم تكن الصحبة قطب رحاها؟

جاء بعد رحيل الإمام البنا رحمه الله من تلامذته من كان ،وما يزال، همهم هو إحياء الربانية في الصف الإخواني، ولعل من ألمع الأسماء في هذا الشأن يبزغ اسم العلاّمة سعيد حوى رحمه الله صاحب التصانيف الكثيرة، فما وجهة نظره في المسألة؟

اقترح الرجل في كتابه “إحياء الربانية” ضرورة تكوين مؤسسة تجيز الأكفاء الربانيين، واشترط توافرها على شروط أربعة: الذكر، والعلم، والأجواء المساعدة، والعمل الدعوي والتعليمي) 11 . يجعل سعيد حوى “الربانية” نتيجة مؤسسات وشهادات وأغفل الشيخ المربي، ويقترح أن نحيي فكرة الإجازة العلمية على طريقة الشيوخ القدامى، فكل من درس علما أخذ إجازة فيه حتى إذا درس كل العلوم التي ذكرناها، وظهرت فيه أخلاقية الربيين والربانيين أعطي إجازة الربانية) 12 ، أخلاقية الربانيين التي تظهر في روحانية رفيعة يجتمع لصاحبها معرفة ذوقية قلبية بالله، وقيام بواجبات العبودية لله رب العالمين) 13 .

عند الرجل في مواضع أخرى من كتبه اعترافا أن هذه “الروحانية الرفيعة” و”المعرفة الذوقية القلبية بالله” لا يمكن أن تدرك بشهادات من قبل الأقران، أو بالعالمين بالحلال والحرام، ولكن تنال بصحبة العارفين وتجاز من قبلهم، فالسالك إن لم يكن له مصحوب تعرض للمهالك، والرجل يتحدث عن خبرة وتجربة وتلمذة لأهل الذكر في الميدان، قال: يعرض للسالك في أول سيره -وقد يتكرر ذلك معه- أنواع من الهواجس والوساوس، وعادة الشيوخ أن يداووا مثل هذا، إما بذكر الأدلة وتدريس علم التوحيد، وإما بمطالبة الذاكر بالإكثار من الذكر وتلاوة القرآن والتأمل فيه حتى يقلع ذلك عنه، ولقد قال لي أحد شيوخنا: إذا ثقلت الوساوس على الصدر فإما أن يخرج الإنسان بسببها صديقا أو زنديقا، فإن أكرمه الله فألقاه للربانيين خرج صديقا؛ وإن ألقاه للملحدين خرج زنديقا) 14 .

ويؤكد الرجل في موضع آخر من الكتاب، والذي هو شرح للحكم العطائية، أن التصوف في النهاية هو الشيخ، فإذا كان الشيخ كاملا ظهر الكمال على تلاميذه، وإن كان منحرفا أو مبتدعا أو ضالا أو ناقصا ظهر ذلك على أتباعه) 15 ، وكأن الرجل يوصي مَن بعده أن السلوك التربوي إلى مقام الإحسان لا يكون إلا من خلال بوابة التربية الصوفية، وبما أن تنظيم الإخوان المسلمين لم يعد يولي للمسألة أهميتها في مصنفاته وسلوكياته، فإن الرجل لا يرى حرجا في أن يكون للعضو انتماء مزدوج: يصحب شيخا صوفيا من خارج التنظيم من أجل التربية، ويصحب أعضاء التنظيم ليحقق كمال الاجتهاد والجهاد. قال: ومع ذلك فإننا نوصي من اتخذ شيخا في التصوف أن يبقى على صلة بالعلماء العاملين يدارسهم في المسائل) 16 . لكن، لماذا يتم تمزيع وتفريق ما قام البنا لجمعه في تنظيمه: السلوك التربوي والقومة الجهادية؟ وما المانع أن يكون العارف من أبناء التنظيم، بل من قياداته؟

استفاد الأستاذ عبد السلام ياسين من الدرس الإخواني، فجهر وصرح أن الصحبة تأتي في مقدمة الشروط التربوية، مؤكدا مقدمات أهل الطريق السالكين على أيدي مشايخهم، قال: وإنما ينفع الله عز وجل المؤمن الصادق الجاد في الإقبال على ربه أول ما ينفعه بصحبة رجل صالح، ولي مرشد، يقيضه له، ويقذف في قلبه حبه، ومتى كان المصحوب وليا لله حقا والصاحب صادقا في طلبه وجه الله ظهرت ثمرة الصحبة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح: “الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل”، والآيات والأحاديث المشيرة إلى الصحبة والحاثة عليها كثيرة، وكل تاريخ الإيمان يشهد بأن قلب الداعي إلى الله على بصيرة، نبيا كان أو وليا، هو النبع الروحي الذي اغترفت منه أجيال الصالحين بالصحبة، والملازمة، والمحبة، والتلمذة، والمخاللة.

وعلى قدر المصحوب إيمانا وإحسانا وولاية ينتفع الصاحب) 17 .

السلوك سير قلبي، وصدق الوارد مبتدأه اعترافه بعلله القلبية، وإكثاره من الذكر دليل على صدق الطلب، لكن الصدق والذكر لا يغنيان عن صحبة أطباء القلوب حسب الأستاذ عبد السلام ياسين، يقول: ليس طبهم من قبيل وصف الدواء من بعيد، بل هم أنفسهم دواء، صحبتهم ومجالستهم ومحبتهم تعرض مباشر للإشعاع القلبي الشافي بإذن الله الذي يودعه الله عز وجل في قلوب أوليائه.) 18


[1] السنن الكبرى للبيهقي. كتاب الشهادات. باب “ما جاء في شهادة الأخ لأخيه”.\
[2] صحيح البخاري. كتاب المناقب. باب علامات النبوة في الإسلام.\
[3] عبد القادر الجيلاني: الفتح الرباني والفيض الرحماني، ص 128.\
[4] أبو القاسم القشيري: الرسالة القشيرية في علم التصوف، ص 294.\
[5] سعيد حوى: المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين، ص185 ـ 186.\
[6] عمر التلمساني: الملهم الموهوب حسن البنا أستاذ الجيل”، ص 4.\
[7] المرجع نفسه. ص 5.\
[8] حسن البنا: مجموعة الرسائل ـ رسالة التعاليم، ص 270.\
[9] سعيد حوى: مذكرات في منازل الصديقين والربانيين.، ص 31.\
[10] حسن البنا: مجموعة الرسائل ـ رسالة المؤتور الخامس، ص 156.\
[11] سعيد حوى: إحياء الربانية، ص 23.\
[12] المرجع نفسه، ص 29.\
[13] المرجع نفسه، ص 30.\
[14] سعيد حوى: مذكرات في منازل الصديقين والربانيين، ص 42.\
[15] المرجع نفسه، ص 11.\
[16] نفس المرجع والصفحة.\
[17] عبد السلام ياسين: المنهاج النبوي. ص: 123 ـ 124\
[18] عبد السلام ياسين: الإحسان 2/382.\