3. قبضة المدرسة الغربية على التفكير السياسي

أ- تذكير

في حلقة سابقة وقفنا مع ضرورة تجاوز المنطق التبريري الذي كرس واقع الحكم الاستبدادي، لأن قواعده صيغت في سياق لم يعد قائما حيث الأمة والإنسانية في حاجة إلى سياق تجديدي يمكنهما من صناعة تفكير وفكر سياسيين قادرين على التصدي للقضايا الجوهرية والحيوية التي تعيق حركتهما ويخرج أمة الرسالة من نفق القعود والتمزق. ومن ذلك ضرورة تفكيك بنى الأنظمة السياسية القائمة.

إن المنطق التبريري شكل عائقا جوهريا أمام نهضة الأمة، لأنه يحجبها عن النظر من زاوية الحكم بما هو أداة محورية في حركتها، علما بأننا نجد تناسبا واضحا بين هذا العائق وعائق آخر من نفس الخطورة أو أكثر، لذلك يقتضي المقام الإشارة إليه هنا لكونه أدى إلى عجز كامل عن صناعة التفكير والفكر السياسيين المؤهلين للقيام بمهمة التحرير والتحرر، ويتعلق الأمر بالاختراق الهائل الذي أنجزه الفكر السياسي الغربي، خاصة الحديث منه، لنظام التفكير في الوسط العربي والإسلامي، وهو ما أدى إلى ارتباكات شديدة في حركة الأمة ونخبها على السواء، ذلك أن الخروج من قبضة النفق التبريري التاريخي لا يعني السقوط في فخ المدرسة الغربية التي هيمنت بشكل شبه مطلق على التفكير السياسي الحديث إلى أبعد مستوى من التفصيل في بناء المواقع والمواقف السياسية والحركية والفكرية وغيرها.

ب- تحالف منطق التبرير ومنطق التبعية

يشكل هذا التحالف خطورة بالغة على واقع ومستقبل الأمة، ولذلك لا يتعلق الأمر بحتمية تفكيكه، بل بواجب التحرر منه ومن مكوناته وتفاصيله، ولن يتأت ذلك إلا بالتحرر منهما.

فإذا كان منطق التبرير هيمن على نظام التفكير السياسي، غالبا، عبر تاريخ المسلمين منذ ذهاب نظام الخلاقة، وأدى إلى واقع الضعف المجتمعي والاستبداد السياسي وعزل نخبة العلماء عن الواقع وجعلها تدور في حلقة مفرغة توجت بتمزق الأمة وتفتتها، فإن الأزمة ازدادت حدة وشدة وخطورة لما تحالف منطق التبرير عمليا مع تدخل طرائق ومناهج التفكير الغربية لتهيمن على منتوجات النخبة المفكرة والمثقفة التي تصدت لقضايا الإدارة والتربية والتعليم والسياسة والفكر والتاريخ والتعامل مع التراث، وغير ذلك. ولاشك أن هذه الهيمنة في هذه المستويات والمجالات يكون لها أثر حاسم من الناحية الاستراتيجية والمصيرية.

وفي هذه الورقة سنقف بتركيز على حقيقة الاختراق التفصيلي للمدرسة الغربية الحديثة لنظام التفكير السياسي السائد في بلاد المسلمين، ذلك أنه تقرر في الحلقتين السابقتين أن لا مستقبل ولا حرية ما لم يتم التخلص من قبضة التبرير المصلحي ومنطق التبعية النفسية والفكرية والحركية للتجربة الغربية.

فالحركة الإسلامية لن تستطيع أن تقدم أجوبتها الكامنة في صدور وعقول رجالها ونسائها ومؤسساتها ما لم تستطع أن تخلص كوادرها المتصدين لمعالجة الواقع، كل في مجاله وتخصصه، من أي أثر على مستوى أصول ونُظم تفكيرهم؛ إذ من دون هذا التخليص ستكون هذه الحركة رقما من الأرقام ولونا من الألوان في حلبة التدافع المحلي والدولي بعامل الاختراق الجوهري لنظام التفكير وأسسه ومناهجه وطرائقه، ومن ثمة نتائجه.

وسنضرب مثالين صارخين في مجال الفكر السياسي للكشف عن درجة الاختراق والتوجيه لنظام التفكير السياسي في بلادنا العربية والإسلامية الغنية بثرواتها.

الأول: التنمية السياسية وحتمية الاختراق الاجتماعي على النمط الأمريكي

كثيرا ما يغفل الباحثون على أن التعارض ليس جوهريا في التجربة الغربية بين أهم مدرستين سياسيتين: اليسارية بكل فروعها واللبرالية بكل تفاصيلها، إذ التفكير من خلال ما سمي بعلم السياسية لم يتخلص من رغبة الهيمنة والتمركز حول الذات بما هو امتداد لروح التفكير السياسي الإغريقي، كما أنه مبني على موقف جامع من موقع الدين في الحركة العامة، وهو ما أدى إلى وجود اختلاف سياسي ضمن التجربة الغربية وليس اختلافا “عقديا” له تأثير جوهري في تغيير نظرة الإنسان للكون والحياة والإنسان نفسه. وقد كانت الغلبة للمدرسة اللبرالية التي حشدت كل إمكاناتها المعرفية والعلمية والمادية والعملية والتكنولوجية بحيث انتصرت في لحظات ضعف المدرسة الأولى، دون أن نتجاهل أن تباري وصراع المدرستين شكل مصدرا غنيا لتوليد نظريات متعددة في قضايا السياسة والاجتماع والاقتصاد، وبذلك كان عامل ثراء للتجربة الغربية برمتها.

ولا يملك الباحث إلا أن يقر أنه في الوقت الذي حصلت وتحصل هذه التطورات ضمن التجربة الغربية الحديثة، إذ يتم الانتقال المتناسق علميا وعمليا من نظرية إلى أخرى مبنية عليها بشكل من الأشكال، إما نقدا ونقضا أو نقدا وتطويرا، نجد في عالمنا العربي والإسلامي، غالبا، تخلفا مهولا ولو على مستوى رجع صدى المدارس الغربية، وفي بعض الأحيان يتم التشبث بمفاهيم فارغة ولا قيمة عملية لها وربما تم تجاوزها في موطنها الأصلي، كما هو الشأن مع الفكر السياسي اليساري والشيوعي الذي لم يأخذ زخمه في الستينات والسبعينات بسبب حمولته المعرفية والعلمية، بل بعامل شحن واقع الحرب الباردة وتجلياتها في العلاقات الدولية والثنائية، ولذلك وقع في ارتباك شديد مباشرة بعد الانهيار السريع للمعسكر الاشتراكي بانهيار الاتحاد السوفيتي.

وإذ أصبح اليوم الفكر اليساري في البلاد العربية والإسلامية في موقع متخلف جدا سواء على مستوى تحليل الواقع أو على مستوى الاشتغال على مشاريع تجاوز أزماته مع استمرار قبضة أنظمة سياسية استبدادية فردانية وراثية، فإن المدرسة اللبرالية استطاعت بإمكاناتها العولمية أن تحقق اختراقا مفاهيميا وميدانيا هائلا، مما جعلنا أمام غموض شديدة في تبني مفاهيم قادرة على فتح أفق عملي تغييري للتخلص من قبضة الاستبداد السياسي والاجتماعي واحتكار الثروة، ويجنبنا، بل يخلصنا، من حتمية الإلحاق والتبعية للغرب الذي ينتج مفاهميه وينشرها ليكرس هذا الواقع السلبي.

إن احتضان المدرسة الأمريكية لعلم السياسة الحديث طبعه بواقع المجتمع الأمريكي الذي تم الترويج له بسلاسة من خلال مفاهيم العولمة وآلياتها في مجالات الحياة الفردية والجماعية، إذ اشتغلت على ذلك مؤسسات رسمية وشبه رسمية عبر استراتيجيات صراعية تستند إلى عمقها الفكري والمفاهيمي وتصنع وقائعه ميدانيا. لذلك تميزت الفترة الحديثة بهيمنة الخيار اللبرالي الأمريكي خاصة المتوحش منه متكئا على معنى سياسي واجتماعي خاص بالتنمية.

فعلم السياسية على الرغم من التحولات التي تطرأ عليه لم يتخلص من المعنى الذي ملأته به المدرسة الأمريكية، ولذلك اكتسى مفهوم التنمية السياسية معنى خاصا حيث أصبح موضة السياسة في عالمنا العربي والإسلامي دون امتلاك الكفاءة على التخلص من دلالاته الأمريكية. فلئن كان في البداية استراتيجية أمريكية لمحاصرة الامتداد الشيوعي في ما سمي بدول العالم الثالث، فإنه بعد نهاية ما سمي بالحرب الباردة صار عنوانا ومعنى للمشروع الحداثي ومحددا حتى لما بعد الحداثي فارتبطت مفاهيم فيما بينها ارتباطا عضويا ليس من السهل امتلاك الكفاءة العلمية والعملية لتفكيكه والكشف عن كوامنه المرجعية والعقدية، وذلك من قبيل ارتباط التنمية بالحداثة وبالديمقراطية وبمعنى حقوق الإنسان كما تروج لها آلة الإعلام الأمريكية التي تهيمن على أكثر من 80% من المشهد الإعلامي العالمي، وتشكلت حلقات ودوائر صنعت صيرورة حراك سياسي واجتماعي متكامل أفرغ المعارضة السياسية الجزئية من أي معنى حقيقي للمعارضة داخل البلد الواحد، وفي كثير من الأحيان تكون المعارضة، أية معارضة، في حرج، إذ هذه الصيرورة تصور معارضتها تعارضا مع رغبة الجماهير وإرادتها في التنمية والرفاهية الحقيقيين.

وقبل أن نشير إلى ماهية هذا الحرج نعرج على الأرضية التصورية للحراك الذي ترعاه التجربة الغربية اليوم بزعامة المدرسة الأمريكية، فقد تم الانتقال مع تطور علم السياسية، الذي تحضنه هذه الأخيرة وترعى حجم انتشاره وهيمنته في العالم، من الرهان على “النزعة القانونية الشكلية”، أي من الرهان على المتغيرات “القانونية والمؤسسية” إلى الرهان على المتغيرات “الاقتصادية والاجتماعية” في بعدها المرجعي والهيكلي والتنظيمي، ومن مركزة القوة إلى توزيعها بما يحقق التحكم المستمر في الواقع الدولي بالنسبة لأمريكا، ولصناعة واقع ممزق ومجزأ في إطار توازن سياسي واجتماعي بالنسبة لأنظمتنا الاستبدادية كما هو الشأن مع مفاهيم الحكامة واللامركزية واللاتمركز والجهوية والحكم الذاتي، ومن التفكير عبر النظريات الكبرى إلى التفكير المنظوماتي والشبكي. وغير ذلك.

ومعنى هذا عمليا أنه لم يبق مكان للمشاريع الكبرى المخالفة أيا كانت، بحيث على الجميع الانخراط في تنفيذ مقتضيات هذه التفاصيل لا غير، لذلك فكل معارضة سياسية جذرية ستواجه عبر محورين:

الأول: تحجيم معناها من خلال المشروع التنموي سواء “الديمقراطي الحداثي” أو ما بعد “الديمقراطي الحداثي” من خلال تفاصيل عملية هيكلية ترعاها المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية ومراكز الأبحاث والدراسات.

الثاني: العنف العسكري بكل أشكاله من العمل الاستخباراتي الاختراقي إلى الممارسة العسكرية المباشرة حيث هناك قوة عسكرية ومادية هائلة مرئية وغير مرئية موزعة عالميا جغرافيا وهيكليا وفق استراتيجية هيمنية عنيفة تمارس بهدوء وتتراوح بين درجات الخفاء والوضوح حسب الحاجة لذلك بالنسبة لأمريكا والغرب عموما، وتفتيتا للمجتمع بالنسبة للأنظمة السياسية الاستبدادية في عالمنا العربي والإسلامي.

فكل هذه الوقائع المتكاملة تصوريا وحركيا جعلت كل المعارضات في حرج شديد لم يملك معه كثير منها إلا الانخراط والخضوع طوعا أو كرها، وهو ما شكل انتكاسة بالغة في العمل السياسي والاجتماعي والمجتمعي أدخلته في نفق الانكماش، إذ في هذه الوضعية لن تكون السيادة إلا لصاحب المشروع، وعندنا في البلاد العربية والإسلامية هو الاستبداد ولا شيء غير الاستبداد الذي تحالف مع الاستكبار فصار أداة من أدواته في الميدان.

إن رقعتنا العربية والإسلامية إذا استثنيت منها قوى المقاومة والممانعة، على ما تعانيه هذه الأخيرة من حصار وتشويه وضيق، صارت مرتعا لإستراتيجية أمريكية أحدثت تحولا مهما في البناء النفسي والفكري والاجتماعي والاقتصادي والسياسي وفي العادات الاجتماعية والعلائقية السائدة. وكل ذلك مرتبط بمفهوم التنمية في إطار حركة المشروع “الديمقراطي الحداثي” أو ما بعد الحداثي الذي يروم تكريس واقع الإلحاق والتبعية المطلقة للتجربة الغربية.

ومن هنا كان لزاما التعامل مع كثير من المفاهيم بحذر شديد ويقظة فكرية عالية وإعطاء البدائل المناسبة لإحقاق النهضة المجتمعية الشاملة التي تنجز واقع الحرية الحقيقي.

فنحن في حاجة إلى تنمية تحررنا لا إلا تنمية تكرس واقع الاستبداد والتبعية والطبقية. وبذلك فالمعارضة الجذرية مطالبة بتربية كوادرها وتدريبهم على الكفاية اللازمة ليس على مقاومة هذه القوة الهائلة التي تعتمد العنف الرمزي والمادي لبناء جزئياتها الواقعية واختراق كل بنى المجتمع، وإنما على صناعة البدائل التي توفر لنفسها القوة التصورية والذاتية على اختراق الواقع وبناء جزئياتها الخاصة.

ومن هنا كان للموقف السياسي في أية لحظة عمقه الاستراتيجي في عملية البناء كما تتصورها هذه المعارضة.

الثاني: أزمة الديمقراطية الأمريكية المصدرة في إطار مشروع التنمية السياسية

ليس المقام هنا للخوض في تفاصيل ومستويات أزمة الديمقراطية، سواء في بلادنا العربية والإسلامية، أو في منبتها، أي التجربة الغربية عبر سيرورتها من الإغريق واليونان إلى الاحتضان الأمريكي اليوم، وإنما مقصودنا في هذه المناسبة الكشف عن عمق الاختراق التفصيلي للبناء الفكري ولنظام التفكير السياسيين في البلاد العربية والإسلامية بما هو عائق كبير أمام النهضة المجتمعية والسياسية الحقيقية.

ومن المعلوم أن هناك تلازما في السياسة الخارجية الأمريكية خصوصا والغربية عموما بين مفهوم التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومفهوم الديمقراطية، ولئن كان تلازما صوريا عندما يتعلق الأمر بالخيار الأمريكي بين نموذج تحرري حقيقي وبين الاستبداد، حيث تختار هذا الأخير وتدعمه مقابل إفشال مشاريع المقاومة والممانعة والتحرر؛ كما الحال مع التجربة الإسلامية في تونس والجزائر وباكستان، وكما هو الحال مع المقاومة في فلسطين ولبنان وأفغانستان، بل يظهر هذا الدعم جليا اليوم في جل العالم العربي من الخليج إلى المحيط.

فالواقع بهذه التشكلات والمشكلات السياسية والاجتماعية المدعومة إعلاميا ودوليا مربك للغاية فكريا وحركيا لأنه يضع المعارضة السياسية في تعارض واضح بين مقتضيات الديمقراطية ومقتضيات الاستبداد دون إغفال الجدال المرجعي لدى كثير من أطر الحركة الإسلامية حول مفهوم الديمقراطية الذي يزيد من شدة هذا الإرباك وحدته.

فالمشروع التنموي المتحرك ميدانيا بآلياته المادية والمالية والبشرية والسياسية رابطا نفسه بمقتضيات الديمقراطية والحداثة أمام العجز التاريخي للمعارضة، منها الإسلامية مع بعض الاستثناءات، عن اكتشاف المفاهيم والدلالات السياسية القادرة على صناعة قوة فكرية وتصورية وعملية تفصيلية تنجز حراكا مجتمعيا جامعا بنائيا يخوض غمار تجربة جديدة ومستقلة عن مقتضيات الهيمنة الأمريكية الحالية، يجعل كل قوى الحقل السياسي، خاصة المعارضة، أمام لحظة تاريخية صعبة، إذ إذا لم تحدد الخيار المناسب لاشك أنها سترهن، على الأقل لقرون تالية، الجميع أمام قبضة التبعية للغرب خاصة أمريكا، وهو تطويع خطير خادم للكيان الصهيوني حيث يمهد له الطريق للاختراق الشامل لكيان الأمة، فضلا على أنه وسيلة هامة لتكريس الاستبداد ومؤسساته.

إنه نفق تصوري وحركي ما زالت لم تظهر فيه بؤرة الضوء التي تدل على أن هناك مخرجا مناسبا دون السقوط في مساق النزعة الأمريكية التي شملت تفاصيل دقيقة في الحياة الإنسانية. ومن هنا تكون الحركة الإسلامية أمام ضرورة بناء تصورات، ومن دون حرج، تقاوم الاستبداد بوضوح وتقوض أركانه، وتقاوم مقتضيات مساق الإلحاق والتبعية في كل تفاصيلها ومستوياتها ومجالاتها؛ إذ لا ينبغي في هذه اللحظة الحرجة مجاملة الاستبداد ومهادنته ولا مجاملة ومهادنة اختراق شامل له عمقه الاستراتيجي والمصيري فرديا وجماعيا.

وقد تبين خلال السنوات الأخيرة أن الوضوح والصبر والمصابرة والبناء والمقاومة خيار صعب لكنه الضروري، لذلك على الحركة الإسلامية أن لا تغادر المواقع المجتمعية التي تعمق رابطتها ب”الجماهير” مهما كانت الصعوبات، إذ كثير منها انجرت بوعي أو بغير وعي إلى مواقع جهادية ونضالية هامشية وغير فعالة ولا توفر إلا إمكانية “تسجيل الحضور” بدلا من بناء القوة المجتمعية المؤهلة للخوض معركة البناء المتكامل.

إننا هنا أمام ضرورة الوعي الكامل بنظرية الموقع والموقف التي من خلالها يتم إنجاز مهام جهادية ونضالية محتضنة من طرف الأمة وخادمة لأفقها في الحرية وبناء القوة بدلا من واقع الضعف والشتات التي تراهن عليه الإستراتيجية التحالفية بين الهيمنة الغربية والقبضة الاستبدادية.

ولذلك على المعارضة الجذرية أن تنتبه إلى مزالق الانخراط في مفاهيم (التنمية، الجهوية، الحكم الذاتي، اللامركزية واللاتمركز،… وغيرها كثير) لئلا تقبر مشروع التغيير الحقيقي بين يدي إرادة الهيمنة والتبعية وتكريس الاستبداد عبر الترويج لمفاهيم تحتاج إلى عملية نقد شاملة تفككها وتقترح بدائل جذرية لها.

خلاصة

لقد ظهر جليا أن هيمنة منطق التبرير المصلحي على التفكير والفكر السياسيين الإسلاميين لما تحالفت عمليا مع قوة اختراق التجربة الغربية، خاصة لما احتضنتها المدرسة الأمريكية، شكلت عائقا هائلا أمام نهضة الأمة، بل شكلت انحرافا واضحا في نظام التفكير السياسي لدى النخبة التي اعترفت بعجز منطق التبرير عن صناعة أفق حركي للمجتمع ليتخلص من الاستبداد القروني الوراثي، لذلك فالمدخل ليس في حصول هذا الانتقال من سياق منطق التبرير المصلحي إلى مساق التجربة الغربية عبر مدارسها ونظرياتها السياسية المتتالية، بل بتوفير الكفاية اللازمة لنقد ونقض منطق التبرير المصلحي الذي يكرس ويحافظ على هذا الاستبداد، ونقد ونقض كل مقتضيات تكريس الإلحاق والتبعية، وبهذا يتشكل نظام تفكير وفكر سياسيين يجمعا الأمة على أرضية صلبة لبناء القوة المجتمعية التي تبني نموذج الحرية الحقيقي.

إنه الدرس المستفاد من نجاح وصمود المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق الذي دخلته الديمقراطية الأمريكية على الدبابات والكذبات.

في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى نقف مع نموذج التبرير المصلحي في الفكر السياسي الإسلامي لنقضه بعد نقده، ثم نعرج في بحوله تعالى، على نقض نموذج إلحاقي بالتجربة الغربية، لنمر معتمدين على الله تعالى إلى نموذج تجديدي في بناء التفكير والفكر والوعي على المستوى السياسي مساهمة في صناعة فكر مقاوم وباني وفق إستراتيجية تغييرية متكاملة. والله تعالى وحده الموفق للصواب سبحانه، ولا حول ولا قوة إلا به تعالى جد ربنا.