مقدمة

كان الاجتهاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة رضوان الله عليهم بابا مفتوحا منه يدخلون إلى حل النوازل والحوادث التي لم يرد فيها نص صريح من الكتاب والسنة، ومدرسة فيها يستخدمون العقل حين يغيب النقل. اجتهاد يسع كل مجالات الحياة، يراعى فيه الزمان والمكان وظروف الواقع ومتغيراته، ويخدم أهدافا فردية وجماعية، يتصدى له على الخصوص الحاكم والعالم لتوفرهما على أهلية الاجتهاد أكثر من غيرهما. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: “إذا حكم الحاكم فاجتهد فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر”.

مع طلوع الملك العاض وذهاب الخلافة الراشدة ضيق ذلك الباب وتقنن، فلم يعد الاجتهاد بتلك الحرية التي كانت عنده، فانحسر في مجال دون مجال، وتصدى له العلماء دون الحكام لما آل إليه الحكام من ضعف في المجال الشرعي، اجتهاد أريد له أن يتمذهب ويتسيس وينداح في الوجهة التي تخدم الأهداف الفردية دون الجماعية، والأحوال الشخصية دون السياسة الشرعية، فأصابه من الضعف ما أصاب الأمة، وحوصر كما حوصرت الأمة وعلماء الأمة.

أما اليوم في عهد الملك الجبري فقد أصبح الاجتهاد في وضعية لا تختلف كثيرا عن وضعيته في عهود الفتنة، إن لم نقل زاد تدحرجا وضعفا وضيقا حين دخل الاستعمار وتمزقت الأمة دويلات وأقطارا، وأصبح العلماء رهائن أقفاص جغرافية يسخرهم الحكام لما يخدم مصالحهم الشخصية والسياسية. حتى أصبح لكل قطر اجتهاد، ولكل مذهب اجتهاد، ولكل عالم اجتهاد، فضاعت أهداف الاجتهاد، وغابت شروطه، وزادت أقسامه، وتفرقت جهوده. مما فتح المجال ليتطفل عليه الخاص والعام.

أمام ما بلغ إليه الاجتهاد من ضيق في الحرية، وانحسار في العمل، وضعف في الإرادة، لابد من العمل على إحيائه ليقوم بدوره في التجديد والتنظيم والجهاد.

فما هو الاجتهاد المطلوب؟ وما مجالاته؟ وما شروطه؟.

مفهوم الاجتهاد المنهاجي

الاجتهاد في اللغة: بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال، ولا يستعمل إلا فيما فيه كلفة وجهد.

وفي الاصطلاح: ذكر له العلماء عدة تعاريف وهي لا تختلف في جوهرها إلا في العبارة. نأخذ منها تعريفا واحدا يقول: الاجتهاد هو بذل غاية الجهد، واستفراغ غاية الوسع في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها بطريق النظر وإعمال الفكر.

أما المنهاج ففي لغة العرب: الطريق على وزن صيغة (مفعال) التي جاء عليها (منهاج) الدالة في لغة العرب على الآلة كمسمار، أو مجال الحركة كمضمار، أو أداة القسمة والعدل كميزان. وفعل نهج وانتهج في اللغة يلحق معنى كلمة شرع واشترع. إذ كلاهما يحمل معاني الطريق والسلوك والسير) 1 .

يقول الله عز وجل: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا.

فسر سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الشرعة بأنها ما جاء به القرآن، والمنهاج ما جاءت به السنة. فعلى هذا تكون الشريعة أو الشرعة أمر الله المنزل الضابط للتكليف وشروطه وأحوال المكلفين، ويكون المنهاج هو التطبيق العملي للشريعة، وإنزالها على أحداث التاريخ في الإطار الزماني والمكاني والاجتماعي الاقتصادي السياسي المتغير المتطور، الذي تمثل السيرة النبوية نموذجا فذا له، لكن نموذجا حيا قابلا للتجدد في روحه وإن تنوع الشكل) 2 .

إن كان الاجتهاد الشرعي هو كل ما يرتبط بالأحكام الشرعية من أمر ونهي، وحلال وحرام، وحقوق وواجبات، وحدود وعقوبات…

فإن الاجتهاد المنهاجي هو كل ما يرتبط بالبحث عن المسلك الإيماني في ظرف متغير وعالم متطور، بالبحث عن التربية كيف تكون إيمانية، وعن التنظيم كيف يكون إسلاميا، وعن الجهاد كيف يكون جهاد بناء.

الفقه الشرعي غني كل الغنى لو وجد مجالا للتطبيق. لكن سلطان القانون وحده لا يخلق أمة، وسرد ما فرضه الله وما حرمه لا يجدد إيمانا، إن لم يسبق هذا كله فهم للمنهاج التربوي الذي ينقل كل فرد من درجة الإسلام إلى درجات الإيمان والإحسان، وينقله من إسلامه الفردي إلى آفاق إسلام جماعي يدور على المحبة والطاعة والنصيحة والشورى.

إن كان الاجتهاد الشرعي يهدف من خلال الظروف التي فرضت عليه تاريخيا وسياسيا إلى تحقيق مصالح الناس في أحوالهم الشخصية، سواء العبادات منها أو المعاملات، فإن الاجتهاد المنهاجي يهدف إلى تحقيق إمامة الأمة.

نجتهد لنصل إلى الحكم، ونجتهد قبل وصولنا للحكم، وبعده، باستقلال من يحمل هما غير هم الفقهاء الذين اجتهدوا لعصور كانت تحكمها الشريعة في الجملة. نجتهد باستقلال من ينوي أن يقتحم حصون العدو ويموت في سبيل الله، أو يستخلفه الله في الأرض ليحمل أعباء الحكم، ويوطد لشريعة الله في الأرض، ويحرر الإنسانية، ويبتكر حضارة تلائم مقاصد الإسلام) 3 .

وعلى هذا يكون أب الاجتهاد المنهاجي وأمه هو اجتهاد يوصل إلى الحكم.

مجالاته

يقول الشيخ يوسف القرضاوي وهو يتحدث عن مجالات الاجتهاد الشرعي: والذي يظهر لي والله أعلم أن مجال الاجتهاد: هو كل مسألة شرعية ليس فيها دليل قطعي الثبوت، قطعي الدلالة. سواء كانت من المسائل الأصلية الاعتقادية، أم من المسائل الفرعية العملية. ومجيئها في الشريعة على هذا الوجه: دليل الإذن بالاجتهاد فيها، وإلا لجعل الله تعالى فيها من قواطع الأدلة، ومحكمات النصوص: ما يرفع التشابه، ويغني عن النظر، ويمنع الاختلاف) 4 .

لكن يبقى هناك مجال واسع لم يتطرق إليه الشيخ القرضاوي وغيره من العلماء، هو مجال الاجتهاد في تجديد الإيمان وما يرتبط به من وسائل وأساليب. ومجال الاجتهاد في تأسيس العمل الجماعي المنظم، ومجال الاجتهاد في تحقيق مطالب الجهاد. ومجال الاجتهاد في تحقيق مطالب الشريعة من وحدة المسلمين وعدل وإحسان وشورى، ذلك أن الأمة وما تعيشه من غثائية، والإسلام وما يعيشه من غربة ثانية، والإيمان وما أصابه من بلى وخولقان كفيل بأن يجعل هذا النوع من الاجتهاد في هذه المجالات من أولى الأولويات. ولذلك ما عجز الاجتهاد الشرعي من التطرق إليه نتيجة عوامل تاريخية أو ضغوطات سياسية، هو المجال الذي طاله الاجتهاد المنهاجي بالتنظير والعمل متحررا من جميع هذه العوامل والضغوطات.

فكان من مجالات الاجتهاد المنهاجي:

* المجال التربوي وذلك بالبحث في التربية الإيمانية وشروطها ووسائلها وأساليبها، تلك التربية التي تصيغ من الإنسان شخصية مؤمنة مجاهدة وتسمو به في درجات الدين من إسلام لإيمان لإحسان.

* المجال التنظيمي وذلك بالبحث في تأسيس التنظيم الإسلامي بأجهزته وبرامجه، ذلك التنظيم الذي يؤلف المؤمنين في جماعة، ويشق لهم الطريق نحو الحكم.

* المجال الجهادي وذلك بالبحث في الجهاد ومطالبه وأهدافه، الجهاد الذي يفتح الباب للأمة نحو دولة القرآن دولة الخلافة على منهاج النبوة.

إن الاجتهاد الذي نحتاج إليه ونحن في العمل الهامشي، غير معترف بوجودنا، ملاحقون، مضطهدون، هو الاجتهاد في كيفية تربية جند الله، وفي كيفية تنظيمهم، ثم في وسائل وأساليب زحفهم لتسلم إمامة الأمة فالوصول إلى الحكم. والاجتهاد اللازم بعدئذ هو الاجتهاد في تطويع الواقع المعاشي، والسلوكي، والاجتماعي، وخاصة السياسي، لمعايير الإسلام وأحكامه) 5

شروطه

تحدث العلماء عن شروط الاجتهاد الشرعي فأجملوها اتفاقا في العلم بالقرآن الكريم بمعرفة أسباب نزوله وناسخه ومنسوخه…، وفي العلم بالسنة النبوية بمعرفة علم دراية الحديث ومعرفة ناسخ الحديث ومنسوخه وأسباب ورود الحديث…، وفي العلم بالعربية، وفي العلم بمواضع الإجماع، وفي العلم بأصول الفقه بمعرفة القياس، وفي العلم بمقاصد الشريعة، وفي معرفة الناس والحياة، وفي العدالة والتقوى. واختلفوا في شروط العلم بأصول الدين، ومعرفة المنطق، ومعرفة فروع الفقه. هذه الشروط المتفق عليها والمختلف فيها يأخذها الاجتهاد المنهاجي بعين الاعتبار، لكنه يضيف إليها شروطا أخرى غابت عند علمائنا قصورا منهم أم نتيجة تاريخ ضيق فيه عن علماء الاجتهاد. من هذه الشروط:

الحرية: بما تعنيه من حرية المجتهد من وصاية الحاكم الذي يجعل المجتهد أحد ركائز شرعيته، وتعصب المذهب الذي يضيق عليه مجالات الاجتهاد، وسجن القطر الذي يحد من رحابة فكره، وبما تعنيه من حرية الاجتهاد بحيث أن لا يقتصر عن مجال دون مجال بل في مجالات الحياة كلها، الشرعية منها والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

يجب أن يتحرر المجتهد من الخوف بكل ألوانه، الخوف من سلطان المتسلطين من الحكام، الذين يريدون فتاوى جاهزة دائما تبرر تصرفاتهم، وتضفي الشرعية على أعمالهم… والخوف من سلطان الجامدين المقلدين من العلماء، الذين يشنون الغارة على كل اجتهاد جديد… وأن يتحرر من الخوف من سلطان الجماهير والعوام الذين يستطيع هؤلاء المقلدون أن يثيروهم على كل رأي مخالف لما ألفوه) 6 .

فقه الواقع: بما يعنيه من معرفة الواقع الذي نجتهد فيه ومن خلاله، هل هو مجتمع جاهلي؟ أم هو مجتمع إسلامي؟ لحد الآن لم نجد إشارة في كتب الاجتهاد حددت نوع الواقع الذي ينطلق منه المجتهد في اجتهاده. فإن كان المجتمع جاهليا فله اجتهاده، وهذا ليس من تصورنا، لأننا نكون قد كفرنا الكل وادعينا لأنفسنا الهداية من دون الناس، وابتعدنا كثيرا عن حكم رسول الله الذي يوصينا بالرفق وعدم العنف خاصة في زمن الفتنة والهرج. وإن كان المجتمع مسلما فله اجتهاده الخاص كذلك، وهذا قد يتصوره الكثير، وبهذا التصور نكون قد تهنا عن الطريق وطمسنا معالمها بفكر مفتون لا ينظر بالمنظار النبوي. إذا فما هو الواقع الذي نعيشه؟

يسمي الإسلام بلسان نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أمر الأمة إذا اختلط حتى ينطوي الحق ويمتد الباطل، ويحل العنف محل القوة، والتطاحن محل التعاون، والكراهية محل المحبة، يسمي الإسلام هذا: فتنة. ومن تجليات الفتنة ومعانيها هذه الأزمة الخانقة والتخلف وعدم الاستقرار والفوضى والإلحاد والضعف والتشتت وتكالب قوى الشر على المسلمين. فنحن نعيش وسط مجتمع مفتون اختلط فيه الحق والباطل، وعلى ضوء هذا الفهم للواقع بالمنظار النبوي يكون الاجتهاد.

الربانية: بما تعنيه من الجمع بين القوة الإيمانية والإرادة الجهادية عند المجتهد، ليس المجتهد في المجال المنهاجي هو ذلك المجتهد الذي يؤلف الكتب فقط، أو ذلك الذي ينتظر الأسئلة من الناس، أو تخصص له حلقات للتعليم، أو برامج على الشاشات التلفزيونية، إنما هو ذلك المربي للأمة والمجاهد لإقامة دينها. فلم يكن المجتهد في عهد النبوة والخلافة الراشدة يوما رجل تأمل وفكر، إنما كان رجل عمل وتربية وجهاد. ولم يكن الاجتهاد في ذلك العهد اجتهاد علم فقط بل مع الاجتهاد العلمي جهاد عملي. اجتهاد علمي يتشاور فيه المتقون العلماء الخبراء، ومعه جهاد عملي يعبىء قوى الأمة لتتقدم متوكلة على الله، معتمدة على عونه، لتشق طريقها في الأرض نحو الكفاية والقوة، ولتحمل رسالة الله إلى الإنسان.) 7

مقاصد الشريعة

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله في أول كتاب المقاصد: والمقاصد التي ينظر فيها قسمان: أحدهما يرجع إلى قصد الشارع، والآخر يرجع إلى قصد المكلف). وفي مقدمة تفصيله لهذه الجملة ذكر المؤلف رحمه الله بمسلمة جعلها بساطا لكل مناقشاته في الكتاب وهي: أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا) أي في الدنيا والآخرة معا. وذكر الإمام أيضا أن أركان مصالح الدنيا والدين تقوم، وأن قواعد المقاصد الشرعية تثبت: بمراعاتها (من جانب الوجود)، وذلك بالمحافظة على العبادات مثل: النطق بالشهادتين والصلاة وسائر الفرائض، وبالمحافظة على النفس والعقل بما يحقق لهما الضروريات من عادات، مثل: المأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات، وبالمحافظة على النسل والمال من خلال المحافظة على المعاملات التي تلتقي في شروطها وأهدافها مع العادات.

ويذكر الإمام رحمه الله أصلا رابعا من أصول المقاصد هو أصل الجنايات، إلى جانب العبادات والعادات والمعاملات التي تحفظ المقاصد من جانب الوجود، تأتي الجنايات التي تحفظها (من جانب العدم). يعني حفظها من الاختلال الواقع أو المتوقع فيها. ويجمع تحت الجنايات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقد جعل العلماء العلم بمقاصد الشريعة شرطا من شروط الاجتهاد الشرعي. فإذا حاولنا أن نقارن الواقع الذي كتب فيه الإمام الشاطبي هذه المقاصد مع الواقع الحالي نجد فرقا شاسعا. كان الإيمان بالبعث والنشور في عصره وازعا قويا مشتركا عاصما من الانفلات إلى مثل ما نرى في عصرنا. كان الجو العام جو إيمان، وكان الرأي العام رأي إيمان، وكان للآخرة وحقائقها وجود في حياة الناس اليومية، في عباداتهم ومعاملاتهم. كانت مقاصد الشريعة تفهم فهما ضمنيا. حق لعلماء ذلك العصر أن يتحدثوا عنها من جانب الحفظ، لأنه كان معهم رحمهم الله شيء يستحق في نظرهم أن يحفظ.

نحن في عصرنا ما ضاع منا كثير، وما بقي آيل إلى الضياع إن لم نفهم أن الواقع تغير وأن ما كان في وقت الشاطبي مقاصد أصبح في وقتنا اليوم مطالب. وأن ما كان العلماء ومنهم الشاطبي يتحدثون عنه من جانب الحفظ يجب أن نتحدث عنه من جانب العدم.

الاجتهاد المنهاجي من هذه الزاوية يتحدث عن مقاصد الشريعة أنها أصبحت مطالب، إلى جانب مطالب أخرى لم تكن خطرت على بال عالمنا الجليل. كمطلب توحيد الأمة مثلا.

الاجتهاد المنهاجي يبحث في كيفية النهوض لتحقيق هذه المطالب: طلب الإسلام كله، طلب الإيمان بشعبه، طلب الشورى والعدل والإحسان، طلب الخلافة على منهاج النبوة. وأن هذه المطالب لا يمكن أن تتحقق إلا بتأسيس جماعة منظمة باعتبارها أبي المقاصد والشرط الأول لتنفيذها. ذلك أن الفرد الواحد لا يستطيع في مجتمع مفتون في دينه ونفسه وعقله ونسله وماله حفظ شيء من تلك المقاصد لا من جانب الوجود ولا من جانب العدم.

الاجتهاد الجماعي

بعد ما كان الاجتهاد فيما مضى قضية فردية، يختص بإسلام المكلفين فرديا بعيدا عن دائرة الأمر العام، دائرة الحكم وتدبير السياسة.

أصبحنا نسمع في الآونة الأخيرة أصواتا تنادي بالاجتهاد الجماعي، علما بأن واقع المسلمين اليوم استفحل، وتفاقمت مشاكله، وتجاوزت كل ما ورثناه من فقه أصبح مناط التكليف فيه لا يكاد يبين. الأمر الذي يستدعي أن يكون الاجتهاد قضية جماعية شورية.

فمن تلك الأصوات الشيخ يوسف القرضاوي يقول في أحد كتبه: الاجتهاد الذي نحتاج إليه في عصرنا هو الاجتهاد الجماعي الذي يقوم في صورة مجمع فقهي عالمي، يضم الكفايات العلمية العالية، ويصدر أحكامه بعد دراسة وفحص، بشجاعة وحرية بعيدا عن ضغط الحكومات، وضغط العوام) 8 .

ومنهم الدكتور شعبان محمد إسماعيل الذي خصص للحديث عن الاجتهاد الجماعي كتابا كاملا عنونه بـ(الاجتهاد الجماعي)، يقول تحت عنوان: (أهمية الاجتهاد الجماعي في هذا العصر): وإذا كان الاجتهاد بصفة عامة في هذا العصر ضرورة ملحة، فإن الاجتهاد الجماعي أشد حاجة، وأكثر إلحاحا للأسباب التالية:

أولا: ظهور العديد من القضايا التي صاحبت النمو وتطوير الحياة. مثل: التعامل مع المصارف، والتسليف لأغراض تجارية وزراعية وعقارية،(…).

ثانيا: نشوء التخصص المنفرد. فمن الملاحظ في العصر الحاضر وجود هذه التخصصات المختلفة، بحيث يتخصص الباحث في فرع من فروع العلم، مثل التخصص في اللغة العربية، أو التفسير والحديث،(…). فمن النادر بل من المستحيل أن يوجد الفقيه المجتهد الذي تتحقق فيه شروط الاجتهاد السابق ذكرها. ولا مخرج لذلك إلا بالاجتهاد الجماعي الذي يجمع شتات هذه العلوم بجمع عدد من التخصصات المختلفة، بحيث يكمل بعضها بعضا).

واستجابة لهذه الأصوات تم إنشاء المؤسسات الفقهية من أمثال:

* مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف.

* المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة.

* المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة.

وللاجتهاد المنهاجي نفس النداء إلى ضرورة الاجتهاد الجماعي فالمطلوب اجتهاد جماعي ينكب عليه العلماء الصالحون من هذه الأمة ليقربوا ما كان متباعدا بين المذاهب الفقهية، وليلتمسوا من اجتهادات سلفنا الصالح ما يستجيب لحاجاتنا(…). تحتاج الأمة لاجتهاد جماعي عبر الحدود القفصية القومية… اجتهاد يعلمنا البديل الإسلامي لكل كبيرة وصغيرة في حياة الناس كان يغطيها القانون الوضعي) 9 .

إلا أن الإضافة النوعية التي يضيفها الاجتهاد المنهاجي ولم يتوصل إليها بعد الاجتهاد الشرعي هو إشراك ذوي التخصصات المطلعون على ما يجري في العالم، من أطباء واقتصاديين ومهندسين… لعصرنا نحتاج اجتهادا جماعيا تحشد له العقول المتخصصة، والنيات التقية، والوسائل المالية الاتصالية، ويحشد مع المدربين المتقين أصحاب التخصصات المطلعون على ما يجري في العالم، وعلى القوى المسيطرة في العالم، وعلى حدود ما هو ممكن حالا، وما لا يمكن إلا بسعي وتهييء وتدرج، على الضروريات التي تبيح المحظورات. فقد لا تجتمع في المجتهد التقي المؤهل العالم المعرفة المزدوجة بما هو المطلوب شرعا في المطلق، وما هو الممكن في واقع متحرك مشتبك معقد) 10 .

لا بد إذا من اجتهاد جماعي تتكامل فيه الخبرات العملية مع العلم بالنصوص، والتخصص الفقهي، وبعد النظر الأصولي. وللإمام رأس الأمة تبني ما يرى من أحكام تعم مصلحتها الأمة.) 11

الخاتمة

إن ما أوردناه في هذا الموضوع من حديث عن الاجتهاد المنهاجي ما هو إلا بسط لأرضية عساها تفتح بإذن الله بابا بل أبوابا لأقلام أخرى تثري الموضوع أكثر فأكثر، من حيث التأصيل والأهداف والضوابط…

إن مسؤولية الاجتهاد المنهاجي لهذا الزمان وهذه الظروف لا يمكن أن يتحمله إلا جماعة المسلمين، تلك الجماعة الداعية إلى الله الساعية لبناء مجتمع إسلامي موحد وحكم شوري وعدل وإحسان، بها يناط الجهاد لتحقيق المقاصد الشرعية، تؤمن بها الجماعة وتحملها وتقاتل من أجلها وتطلب بالمال والنفس تحقيقها. ويأتي الاجتهاد حيا مواكبا لحركة حية، ممهدا في المجال الفقهي لتقدم الركب الإيماني الذي رباه الإحسان، وحركة الغضب لله، الذي لا يتخلف بالخلافة على منهاج النبوة وبالسعادة في دار البقاء) 12 .

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين.


[1] مقدمات لمستقبل الإسلام، للأستاذ عبد السلام ياسين، ص:26.ط1. مطبعة الخليج العربي.\
[2] نفس المرجع السابق، ص: 25.\
[3] إمامة الأمة، للأستاذ عبد السلام ياسين: ص:213.ط1. دار لبنان للطباعة والنشر.\
[4] الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، للشيخ يوسف القرضاوي، ص:86. ط3. دار القلم للنشر والتوزيع. \
[5] إمامة الأمة، للأستاذ عبد السلام ياسين ص: 211 و212.\
[6] من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا، د. يوسف القرضاوي ص: 47.\
[7] الشورى والديمقراطية، للأستاذ عبد السلام ياسين ص: 78.\
[8] من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا، ص: 49.\
[9] الشورى والديمقراطية للأستاذ عبد السلام ياسين، ص: 76.ط1. مطبوعات الأفق.\
[10] نفس المصدر السابق، ص: 75.\
[11] إمامة الأمة، للأستاذ عبد السلام ياسين، ص: 239.\
[12] نظرات في الفقه والتاريخ، للأستاذ عبد السلام ياسين، ص: 75. ط1. دار الخطابي للطباعة والنشر.\