احتفلت جماعة العدل والإحسان بمدينة سلا بمناسبة الإفراج عن أعضائها الإحدى عشر من سجن الظلم والاستبداد مساء الاثنين 26 محرم 1431 الموافق لـ11 يناير 2010 بعد أن قضوا 18 سنة وراء القضبان.

وقد تخلل الحفل مجموعة من الفقرات المتنوعة راقت الحضور الكرام من أعضاء الجماعة والمتعاطفين معها وبعض الفاعلين السياسيين والحركات الإسلامية. ابتدأت بكلمة للمدينة ألقاها الأستاذ عبد اللطيف دريوش، وتلتها كلمة الإخوة المفرج عنهم ألقاها الدكتور محمد بهادي عبر من خلالها عن اليقين في موعود الله ومواصلة مسيرة الجهاد في كنف الصحبة المباركة رغم كيد الظلم والطغيان، بعدها تناول الكلمة الأستاذ المحامي إدريس واعلي عن رابطة المحامين حيث بيَّن ملابسات الاعتقال وخلص بأن المحاكمة كانت سياسية بامتياز وأن المستهدف هو دعوة العدل والإحسان الرافضة للظلم والاستبداد.

وبعده تقدم الشاعر توفيق بهاج بإلقاء قصيدتين بالمناسبة، وتخلل الحفل وصلات إنشادية لمجموعة الفرقان. وكان مسك الختام عرض كلمة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله للإخوة المفرج عنهم قبيل خروجهم.

وبعد الختم والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء تتوج هذا العرس البهيج بحفل شاي على شرف المدعوين.

وفيما يلي كلمة الجماعة بمدينة سلا بمناسبة هذا الاحتفال:

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه

كلمة مدينة سلا بمناسبة الاحتفال بالإخوة المفرج عنهم

الحمد لله الذي جعل الأيام دُوَلا، وجعل لكل كتاب أجلا، وكان سبحانه من كل فائت عوضا وبدلا. والصلاة والسلام الطيبان الزكيان على خير من ابتلي في الله فصبر، وخير من أُنعِم عليه فشكر، وخير من صدع بما الله به أمر.

وبعد،

فإن جماعة العدل والإحسان بمدينة سلا إذ تقيم هذا الحفل اليوم فرحا بخروج أبنائها من ظلام السجن وظُلامة الاعتقال تشكر الحضور الكرام على إجابة دعوتها، وتذكر لهم قدومهم إلى مقرها لزيارتها، وتهنئتها في بيتها.

منذ ثمانية عشر عاما، طالت يد المخزن الآثمة الحرم الجامعي لتختطف منه اثني عشر طالبا من أبناء جماعة العدل والإحسان، ولتلفق لهم التهم الباطلة، ثم لتودعهم في سجونها بعد محاكمات هزلية لا علاقة لها بالمحاكمات العادلة كما هو متعارف عليها في القانون ومواثيق حقوق الإنسان. منذئذ بدأت معاناة عوائل الشباب المعتقلين من ظلم صارخ، لم تنفع لرفعه النداءات الإنسانية ولا الإجراءات القانونية.

ومنذئذ فتح ملف من ملفات ظُلامات المخزن في حق الجماعة بغير جريرة اجترحتها، ولا جناية اقترفتها. ولم يكن المقصود من تلك الخروقات القانونية والممارسات التعسفية التي مَرَدت عليها السلطة البوليسية من اعتقال الطلبة إلى سجنهم إلا الجماعة. فقد دبر المدبرون، والله من ورائهم محيط، لضرب العمل الإسلامي في الجامعة قصد اغتياله في مهده، ولإضعاف دعوة العدل والإحسان التي بدأت مع بداية التسعينات، رغم فرض الحصار على المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين، واعتقال مجلس إرشاد الجماعة، تسبب للسلطة البوليسية قلقا كبيرا وصداعا مريرا. كان الذين مكروا يودون الضغط على جماعة العدل والإحسان ولَيَّ ذراعها لتُلَيِّن من مواقفها وتغير من مبادئها، لكن الله مُوَهِّنَََ كيدِ الكائدين أخزى المخزن ورَدَّ الذين ظلموا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المومنين الخبال، وكان الله قويا عزيزا.

لقد ثبّت الله الجماعة على مبادئها، وأرسخها في مواقفها، وكفاها بفضله شر أعدائها. وما كان ذلك ليكون لولا اعتزازها بكتاب ربها، واتباعها لسنة نبيها عليه الصلاة والسلام، وسيرها على منهاج النبوة صابرة على لأوائه، محتسبة ما يصيبها من جراء اقتفائه، وكل هذا من فضل الله ومن فيض عطائه. واحتضنت هذه الجماعة كالأم الرؤوم أبناءها، وأبلاها الله بمَنِِّه في ذلك بلاء حسنا.

وبعد هذه السنينَ الطويلةِ التي استغرقت شباب أولئك الفتية، واستوعبت زهرة أعمارهم، خرج أولئك الرجال -الذين صبروا على ما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا- من سجن الجور رافعين رؤوسهم، وانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم. لقد برزوا من زنازين البغي رجالا رُسِّخَت بحول الله في العلم أقدامُهم، وثبَّت الوهاب الإيمان في قلوبهم، وأنار المنان بالمعرفة عقولهم. لم يضرهم ظلم المخزن، ولم يَفُلَّ من عزمهم خِذلان بعض من يدعي الدفاع عن المظلومين والمستضعفين. نعم، لقد خرجوا خروجا مظفرا أغاظ الظالمين، وأثلج صدور المومنين، وباءت بالخزي شِرذمة الحاقدين، ورجعت بالعار زمرة المستبدين.

أيها الحضور الكرام،

إن الجماعة اليوم، بفضل الله عز وجل ومنته، ثابتة على مبادئها، وراسخة في مواقفها، لا يزحزحها عن ذلك قِيد أُنْمُلة بغيُ السلطة البوليسية، ولا إعراض من أعرض عن كلمة الحق رَهَبًا أو رَغَبًا. فالجماعة قالت وتقول منذ أكثر من ثلاثة عقود:

• لا للعنف بكل أشكاله، ولو مورس ضدها بغير وجهٍ حق كما يفعل المخزن دائما.

• لا للسرية؛ فهي تعمل جهارا ونهارا، وتقول كلمتها علانية دون أن تخاف في قول الحق والتزام الصدق لومة لائم.

• لا للتعامل مع الأجنبي، فهي تعتمد على قدرات وبذل أعضائها، وعلى دعم المتعاطفين معها، وهم كثر والحمد الله.

وهي تدعو منذ عقود، بالحكمة والموعظة الحسنة التي أمر الله بهما، إلى الحوار البنّاء على أرضية الإسلام دين المغاربة، تدعو إلى كلمة سواء جامعةٍ كلَّ الحريصين على مصلحة البلاد، وكل الغيورين على جلب الخير للعباد، من أجل العمل مجتمعين يدا في يد لتطهير المغرب العزيز من الفساد، وفتح أوراش البناء من جديد لتشييد مستقبل الأجيال الصاعدة. والجماعة تعبر، من خلال ناطقها الرسمي، ومن خلال تصريحات مسؤوليها، وعبر أدبياتها ومواقعها الإلكترونية، عن مواقفها بكل وضوح، وتتحمل في ذلك المسؤولية كاملة، وتؤدي ثمن الصدع بكلمة الحق حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، وإلى الله ترجع الأمور.

أيها الحضور الكرام،

جماعة العدل والإحسان تشكركم مرة أخرى على حضوركم معها، وتدعوكم إلى السعي من جانبكم لبناء جسور التواصل، والدعوة إلى الحوار البناء حرصا على مصلحة البلاد والعباد، عملا بقوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

سلا في 26 محرم 1431 الموافق لـ11 يناير 2010