في الأسبوع الأول من شهر يناير سنة 2010 مرت ذكرى عزيزة على قلب كل فلسطيني وعربي غيور ألا وهي الذكرى الأولى للحرب الصهيونية الهمجية على سكان غزة الصمود والإباء، ذلك الشعب الذي كتب بتضحيات أبنائه ملاحم وبطولات سجلها العالم أجمع، الشعب الذي أراد المتربصون به أن يركعوه عندما اختار المقاومة والجهاد عنوانا له وصوت في انتخابات نزيهة لحركة المقاومة الإسلامية حماس.

ها هي ذي سنة أخرى تمر وقد رسمت أيامها نكبات وهزات متتالية في جسم الأمة العربية والإسلامية المتمزقة في مواجهة التكالب الدائم على الإسلام والمسلمين من قبل الصهاينة والأمريكان ومن والاهم. ويبقى الحدث الأبرز خلال سنة 2009 الحرب المستمرة على أبناء شعبنا في فلسطين والهجمة الشرسة على سكان غزة التي دامت ثلاثة وعشرون يوما، وكان عنوانها الخالد الصمود الأسطوري في وجه الاحتلال و آلة الدمار التي استعملت شتى أنواع الأسلحة بما فيها المحرمة دوليا، مستهدفة الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء، والتي خلفت وراءها أكثر من 1350 شهيد وأكثر من 4500 جريح ودمرت آلاف المنازل والعديد من المدارس والبنى التحتية.

تلكم إذن هي الحرب التي أعادت الاعتبار لخيار المقاومة وأثبتت أنه الحل الوحيد الذي يمكن المراهنة عليه أمام الفشل المستمر لكل خيارات التسوية العبثية. لقد حاول العدو الصهيوني من خلال حربه على غزة كسر إرادة المقاومة والصمود لدى الشعب الفلسطيني الأبي الذي بيَّنت مقاومته وتضحياته مجموعة من الحقائق والعبر التي ينبغي الاستفادة منها في مواجهة هذا الخطر الدائم:

الحقيقة الأولى: أن الحرب على غزة هي استمرار للحروب المتتالية على شعب فلسطين ومقدساته، وهي استكمال للحرب التي خاضها الصهاينة ضد المقاومة في جنوب لبنان والتي أريد من خلالها تدمير حزب الله وتجريده من سلاحه، لكن الله أراد شيئا آخر حيث انتهت الحرب بالفشل العسكري الصهيوني بالرغم من المعدات العسكرية المتطورة التي استعملها الصهاينة المجرمين، كما أدى الفشل العسكري الصهيوني في جنوب لبنان إلى كسر هيبة وأسطورة الجيش الذي لا يقهر لتخرج “إسرائيل” تجر أذيال الخيبة والذل والهوان.

حيث أريد لحرب غزة أن تكون الفصل الثاني للحرب على لبنان، بعدما عمد الصهاينة إلى حصار سكان غزة لمدة عام ونصف رغبة في تدمير القدرة القتالية لدى المقاومة الفلسطينية، ولكن غزة خرجت منتصرة بإذن الله تعالى على رابع أقوى جيش في العالم.

الحقيقة الثانية: لقد أبانت الحرب التي شنتها القوات الإسرائيلية على القطاع عن مدى اللحمة القوية المتماسكة لأبناء غزة أثناء مواجهتهم للعدو الصهيوني، نتيجة تربية متكاملة لرجال المقاومة وعموم المواطنين، تربية قوامها نكران الذات ولبها الخدمة والوفاء.

الحقيقة الثالثة: أن الحرب الإسرائيلية والأمريكية الامبريالية على غزة أعادت الاعتبار لخيار المقاومة كخيار وحيد يمكن المراهنة عليه لمواجهة أي محتل، أمام الفشل الذريع لخيار المفاوضات الذي جرب لسنوات عديدة وباء بالفشل والخسران، كما أن هذه الحرب بينت أن حركة المقاومة الإسلامية حماس جزء مهم من الشعب الفلسطيني ومن النسيج الاجتماعي والسياسي لا يمكن لأحد تجاهلها كقوة فاعلة ومؤثرة.

الحقيقة الرابعة: بينت الحرب الأخيرة على غزة الحالة المتردية التي وصلت إليها الدول العربية والإسلامية، فأمام واقع التكالب على الإسلام والمسلمين من طرف الدولة الأمريكية ومن والاها، نجد واقع الانقسام والتشرذم لدى الدول العربية، هروبا من جميع مسؤولياتها التاريخية، باستثناء القمم التي تعقد هنا وهناك دون نتيجة تذكر، إن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة عرت حقيقة العرب، مما جعل وسائل إعلام العدو الصهيوني تشير إلى أن “إسرائيل” تفاجأت من موقف الأنظمة العربية تجاه حربها على غزة، والأدهى والأمر أن نرى ونسمع دولا عربية تجيز لإسرائيل حربها على غزة بدعوى القضاء على حركة حماس.

الحقيقة الخامسة: بروز الحركات الإسلامية والدينية كقوى سياسية قوية وفاعلة في الساحة العربية من خلال دعوتها وتأطيرها للتحركات الشعبية المناهضة والمنددة بالعدوان على غزة وحشد عشرات الآلاف في المسيرات والمهرجانات… مما يعني اتساع شعبية هذه الحركات في مجتمعاتها في مقابل ضعف وعجز الأحزاب السياسية الرسمية التي أفل نجمها.

الحقيقة السادسة: أوضحت الحرب الأخيرة على سكان غزة مدى الالتفاف الشعبي الكبير للشعوب العربية والإسلامية مع القضايا العادلة والمشروعة وعلى رأسها القضية المركزية في فلسطين، فقد رأى العالم أجمع المسيرات والفعاليات العارمة اليومية وفي جميع الدول وبدون استثناء، التفاف بيَّن للجميع السخط والرفض الشعبي لسياسات الحكام والحكومات العربية والإسلامية.

إن الشعوب العربية والإسلامية كانت المساند الرئيس للقضية الفلسطينية، منذ إعلان أول طلقة من قبل العدو الصهيوني على قطاع غزة، ولم تقتصر مساندتها على شكل واحد، بل تطورت المساندة وتنوعت آلياتها، من خلال:

– تنظيم المظاهرات والاحتجاجات والمسيرات التي تعتمد التجمهر ورفع الشعارات وإلقاء الكلمات وإحراق الأعلام.

– عقد اللقاءات والندوات والمهرجانات الإشعاعية والتوعوية التي تعرف الأجيال الصاعدة بحقيقة القضية الفلسطينية.

– جمع وإرسال المساعدات الطبية والغذائية من مختلف المناطق التي يوجد فيها المسلمون، ولأول مرة عبر السفن التي قامت بخرق الحصار الذي قد مارسته “إسرائيل” على قطاع غزة قبل القيام بالعدوان.

– تنظيم الاعتصامات والإضرابات الرمزية التضامنية مع سكان غزة.

الحقيقة السابعة: لا توجد دولة في العالم تاريخها ملطخ بالدماء مثل الدولة الصهيونية التي سعت في الأرض فسادا، عبر ارتكاب المجازر التي يندى لها الجبين بحق الأطفال الرضع والنساء والشيوخ.

لقد فشلت “إسرائيل” في العقدين الأخيرين في المجال العسكري سواء في لبنان أو في قطاع غزة، وهو ما يعني ضعف الآلة العسكرية الصهيونية التي لم تصبح قادرة على تحقيق الانتصارات، وانهيار مقولة “الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر”، فالحرب على غزة لم تحقق الأهداف التي أعلنتها “إسرائيل” على الإطلاق، وأصبح أكثر من مليون مواطن إسرائيلي تحت مرمى الصواريخ الفلسطينية حيث لا يوجد مكان آمن داخل “إسرائيل”.

الحقيقة الثامنة: إن الحرب على غزة وقبلها الحرب على لبنان والحرب على العراق وكل الحروب التي تستهدف الدول العربية المستضعفة، بينت بالواضح والملموس أن المؤسسات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي ما هي إلا أدوات تسيطر عليها الدول القوية كوسيلة للضغط والابتزاز السياسي والاقتصادي في وجه الدول النامية.

وختاما نقول، لقد كشفت الحرب على قطاع غزة، كما كشفت سابقاتها من الحروب حقيقة الحكام العرب الذين صموا آذانهم عن صرخات المستضعفين والمظلومين والمنكوبين، بل اصطفوا في صف العدو الصهيوني ووجدوا المبررات لعدوانه وهجماته وألقوا باللوم على حركة حماس وفصائل المقاومة، فصاروا مسخرة لشعوبهم وشعوب غيرهم. فاللهم أعز الإسلام والمسلمين، واهلك اليهود الغاصبين، آمين.