كان للعلماء ولازال دور كبير في توعية الأمة والدفع بها نحو التحرر والانعتاق من جور الحكام وتكالب الغزاة، فقد كان لهم شرف حمل الرسالة وتتمة المهمة التي أناط الله بها الأنبياء والرسل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “العلماء ورثة الأنبياء”.. إلا أن هذا الدور عرف فترات مد وجزر صاحب التصدعات والتحولات التي عرفتها الأمة منذ الانكسار التاريخي الذي قلب نظام الحكم من خلافة راشدة إلى حكم عاض ثم جبري.

وقد كان لهذا التحول (الانقلاب) كبير أثر على الأمة شمل جميع مناحي الحياة، رغم المحاولات العظيمة والاجتهادات الكبيرة للحفاظ على بيضة الإسلام من خلال العض على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليم الناس إياها. إلا أن انتقاض عروة الحكم التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم كأول عرى الإسلام انتقاضا، حيث روى الإمام أحمد بسنده الحسن عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه حيث قال “لينقضن عرى الإسلام عروة عروة كلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. وأولهن نقضا الحكم وأخرهن الصلاة”، جعل حكام العض والجبر يفرغون الإسلام من دوره الرسالي وبعده العدلي من خلال فصل الدين عن السياسة ووضع العلماء في الزاوية.

إذ تحكم الهوى والنزوات في الحكم واجتهد المتسلطون على رقاب الأمة في تضليل العباد، انخرط فيها بعض من أنطت بهم مهمة الحفاظ على الإرث النبوي ألا وهم العلماء. فقد انبرى بعضهم للدفاع وتبرير سلوكيات الحكام إما خوفا من ترهيب أو حبا في عطاء وبذلك ظهر ما اصطلح عليه علماء البلاط، الذين عملوا على لي أعناق الآيات وتفسيرها حسب مصلحة الحكام وهواهم مما ساعد على ظهور طغاة كأمثال اليزيد والوليد ابن معاوية والحجاج وغيرهم من بني أمية الذين سماهم الصادق المصدوق “أغيلمة”. فعن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: “كنت مع مروان وأبي هريرة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعت أبا هريرة يقول: سمعت الصادق المصدوق يقول: “هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش”. فقال مروان غلمة؟ قال أبو هريرة إن شئت أسميهم: بني فلان وبني فلان”. رواه الإمام البخاري. وبعد الأمويين جاء دور العباسيين الذين لم يكونوا أقل سوءا ممن سبقهم كأمثال المعتصم والمأمون الذي بطش بالإمام أحمد وأذاقه الأمرين في قضية خلق القرآن، فقد أذاقوا الأمة الويلات من خلال ظلمهم وفسادهم.

أمام هذا الطغيان انقسم ملح الأمة -العلماء- إلى ثلاث فئات:

فئة اختارت الارتماء في أحضان الحكام وإعداد الفتوى التي تذبح بها الأمة مقابل الحظوة والعطايا، ضاربة عرض الحائط قولة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه الذي قال: أي سماء تظلني، وأي أرض تُقلني إن أنا قلت في كلام الله ما لا أعلم؟)، والتي تحدد السياج الذي يجب على العالم ألا يتجاوزه. وفئة اختارت أن تحافظ على بيضة الإسلام دون أن تصطدم مع الحكام وتعمل على ثنيهم عن جورهم، وأكثر من ذلك دعت إلى عدم الخروج على الحاكم الظالم مخافة انفراط عقد الأمة. وفئة اختارت الصدع بالحق دون أن تخاف في الله لومة لائم وهي الفئة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة”، وهي الفئة التي نجد فيها القائمين من أهل البيت عليهم السلام ومن ساندهم في قومتهم على الظلم من أمثال الإمام مالك وأبي حنيفة و الشافعي وعلماء أجلاء كأمثال سعيد ابن جبير والعز ابن عبد السلام وحسن البصري.

ولم يتغير الحال مع مرور الزمان، إنما تغيرت الأشكال فلم يعد الأمر مقتصرا على فرد بل تعداه إلى جماعة، تجد إحداها إما مؤيدة للحاكم تأييدا مطلقا أو باحثة عن السلامة-سلامة القاعد-أو قائمة ضد الظلم، فظهر المطبلون ومطلقي الفتاوى التي تزين الظلم وتبرزه على شاكلة العدل، كما ظهر ما يسمى بوزراء الأوقاف الذين وقفوا عند أعتاب الحكام يجدُّون في إرضائهم وكسب عطفهم. فأصبحت الاشتراكية -مصر عبد الناصر- وفكر البعث -سوريا والعراق- من الإسلام كما أضحى الإفطار في رمضان من ضرورات الجهاد لبناء الوطن كما فعل بورقيبة في تونس، كل هذا العبث يجد من يبرره ويزكيه من أشباه العلماء.

أخرج أحمد في مسنده: حدثنا يزيد أنبأنا ديلم بن غزوان العبدي ثنا ميمون الكردي عن أبي عثمان النهدي قال: “إني لجالس تحت منبر عمر، رضي الله تعالى عنه، وهو يخطب الناس فقال في خطبته: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: “إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان””.

كما أضحى هؤلاء مثل وزراء الداخلية، فباسمهم شرعت المشانق وفتحت السجون لتكميم الأفواه وترهيب من يقف ضد الظلم ويدعو الناس لعبادة رب العباد، فقد أعدم سيد قطب وأدخل آخرون السجن من إخوان مسلمين وغيرهم بسبب فتاويهم، كما حوربت من خلالهم دعوات تدعو إلى الله ولازالت كدعوة الأستاذ عبد السلام ياسين الذي أرسل رسالته الشهيرة “الإسلام أو الطوفان” إلى ملك البلاد يدعوه فيها إلى توبة عمرية إلا أنها لم تجد آذانا صاغية، وقد ازدادت هذه الحرب شراسة مع “مذكرة إلى من يهمه الأمر” إلى الملك الحالي حيث وظف المخزن جميع أدواته وأزلامه من المستفيدين من موائده والمتاجرين بأخراهم مقابل دنيا زائلة ومناصب فارغة للنيل من الرجل ودعوته بلغت حدا غير مسبوق من الخسة والنذالة إلا أن مكرهم عاد في نحورهم. قال تعالى: ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. فباسم هؤلاء السماسرة وقع السادات اتفاقية “كامب ديفيد” للسلام مع الكيان الصهيوني، ومن خلالهم يبرر الحصار الظالم الذي يفرضه النظام المصري على غزة، وكلنا سمع بالفتوى العجيبة الغريبة للطنطاوي، الذي يظهر ويختفي كغيره من المتربعين على موائد الحكام حسب الحاجة دون أن يلتفت احد حينذاك لمسالة توظيف الدين في السياسة، الذي أجاز بناء الجدار الفولاذي على الحدود المصرية الفلسطينية، بعدما استعصى على الصهاينة إخضاع المقاومة الباسلة التي أبان عنها الشعب الفلسطيني وعلى رأسه “حماس” ورفضها الخضوع لسياسة الخنوع التي يسوقها الحكام العرب لكسب ود أمريكا والحفاظ على كراسيهم ونكاية في المقاومة الفلسطينية التي فضحت جبن الحكام العرب واستطاعت الصمود رغم إمكانياتها المتواضعة عددا والكبيرة مددا بالله سبحانه وتعالى والمتيقنة في موعوده.

روى الطبراني عن معاذ ابن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار. ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يرضون لأنفسهم مالا يرضون لكم، فإن أطعتموهم أضلوكم، وأن عصيتموهم قتلوكم. قالوا: وماذا نفعل يارسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: كما فعل أصحاب موسى حملوا على الخشب ونشروا بالمناشير، فو الذي نفسي بيده لموت في طاعة خير من حياة في معصية”.