لوازم التربية

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا

أصالة التربية وحداثة التنظيم

اشترك الإمام البنا والأستاذ ياسين في تشييد تنظيمين ببنية حديثة يجمعان في ماهيتهما بين التربية السَّنية ومهام التغيير المطلوب إنجازها في واقع الأمة، ووسليتهما الأولى في ذلك بناء أفراد قدوتهم الصحابة الكرام الذين كانوا رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، لاسيما وأن القرآن الكريم ينبه أن التغيير في واقع الناس مقدمته الشرطية تغيير ما بالأنفس. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ توسل البنا وياسين في مهام التغيير وإصلاح واقع الأمة بالبنيات التنظيمية الحزبية الحديثة المستوردة من النسق السياسي الغربي، فأسسا تنظيمين على شاكلة ما هو متعارف عليه في النسق السياسي للدولة الحديثة، لكن سؤال المعنى والجوهر؛ سؤال التربية الذي يجعل المرء في مصاف أهل الإيمان حتى يرى أن النداء القرآني: “يا أيها الذين آمنوا” إنما المعني به هو نفسه، فالأكيد أن التنظيم الحزبي الحديث لا علم ولا خبر له عنه، وإنما يستفاد من القائمين على بوابة التربية، من رجال التصوف الكُمَّل، وعلى خبيرين في الميدان عثرنا، فالبنا وياسين من تربة الزاوية نبت ريشهما، لذلك كان السؤال الجامع بينهما هو كيفية تنزيل التربية الصوفية في بنية تنظيمية حديثة تسعى إلى تحقيق الخلاص الفردي لأبنائها دون تجاهل الخلاص الجماعي لأمتها؟ وما هي مقدمات التربية وشروطها الواجب التزامها حتى تكون المعنى لمن حمل شارة التنظيم واسمه؟

يشترك البنا وياسين مع أعلام التصوف في أن أولى شروط التربية يتمثل في صدق طلب وجه الله عز جل، وإخلاص القصد والنية له. عرف الإمام القشيري الصدق في رسالته بقوله: “والصدق: عماد الأمر، وبه تمامه، وفيه نظامه، وهو تالي درجة النبوة، قال الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. والصادق الاسم اللازم من الصدق، والصدّيق المبالغة منه: وهو الكثير الصدق، الذي الصدق غالبه، كالسكّير والخمّير وبابه. وأقل الصدق: استواء السر والعلانية. والصادق من صدق في أقواله، والصديق من صدق في جميع أقواله وأفعاله وأحواله. قال أحمد بن خضروية: من أراد أن يكون الله تعالى معه فليلزم الصدق؛ فإن الله تعالى مع الصادقين” 1 .

جعل الإمام البنا الإخلاص مرادفا للصدق، ووضعه ركنا ثانيا ضمن أركان البيعة العشرة الواجب على المنتمي إلى صف “الإخوان المسلمين” أن يحفظها، وقال في تحديد مدلوله، وأريد بالإخلاص: أن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله، وابتغاء مرضاته وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر، وبذلك يكون جنديَّ فكرة وعقيدة، لا جندي غرض ومنفعة: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ”، وبذلك يفهم الأخ المسلم معنى هتافه الدائم: [الله غايتنا] و[الله أكبر، ولله الحمد]) 2 .

الأستاذ عبد السلام ياسين في بحثه عن حركية المنهاج النبوي في واقع مغاير لواقع التنزيل، جعل كمال الإيمان كمال التحقق بشعبه التي وردت في الحديث النبوي الشريف، قال صلى الله عليه وسلم: “الإيمان بضع وسبعون – عند البخاري: بضع وستون – شُعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان” 3 ، ولمقاصد تربوية وتنظيمية أدرج الشعب في خصال عشر، وجاءت خَصلة الصدق الثالثة في الترتيب، ومن الشروح التي قدمها للكمة قوله: أعني بكلمة صدق: استعداد الوارد ليتحلى بشعب الإيمان، ويندمج في الجماعة ويكون له من قوة الإرادة وطول النفس ما يمكنه من إنجاز المهمات حتى النهاية. لا فائدة من ضرب الحديد البارد، ولا فائدة من محاولة تربية من ليس له استعداد.) 4

سبق المفردون

بعد هذا الشرط المرتبط بالوارد على التنظيم، يتفق البنا وياسين مع رجال التصوف أن الذكر ركن ثان في صحة السلوك والتزكية.

ترك البنا للإخوان المسلمين وغيرهم “المأثورات” رسالة قيد فيها فضل الذكر وآدابه، وعين ما على العضو المنتسب للإخوان أن يحافظ عليه من أوراد، ومن ذلك “الوظيفة الكبرى” أو “الوظيفة الصغرى”، وورد الدعاء. قال في تقديمه لرسالته: وبعد: فإلى الإخوان المسلمين نتوجه بهذه الوظيفة، وما هي بخاصة بهم ولكنها للمسلمين عامة، لعل فيها إعانةً لهم على طاعة الله تبارك وتعالى، وهي تقرأ صباحا من الفجر إلى الظهر، ومساء من العصر إلى ما بعد العشاء فرادى وجماعة. ومن فاتته كلها فلا يفوتنه بعضها حتى لا يعتاد إهمالها وتضييعها. والورد القرآني في الوقت المناسب ليلا أو نهارا، وما بعدهما من الأدعية والأذكار يقرأ عند مناسباته) 5 .

وجعل الأستاذ عبد السلام ياسين الذكر من أمهات الخصال في نسقه التربوي التنظيمي، وأشار بأنه لا يعني به ذكر اللسان وحده ولا الأوراد والمراقبة، بل نقصد به كل الأعمال العبادية الروحية) 6 ، وإن كان يندب أعضاء التنظيم وغيرهم أن يحافظوا على أورادهم ويتنافسوا في الذكر، فما جاء من أذكار وعبادات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم محدودة بالعدد فلا مكان لتجاوزها، وما ترك فيه لنا الخيار أو ندبنا فيه إلى الإكثار أكثرنا. تحديد العدد ورفعه بالتدريج سياسة للنفوس الكالة الكسول وليس تشريعا، وبعضهم يندد بمن يعين لنفسه عددا من النوافل والأذكار والدعوات والقرآن أو يحدده له غيره، يعتبر ذلك اقتياتا على الشارع. وما هو إلا سياسة. المحذور أن يتقدم أحد بين يدي الله ورسوله فيما جاء منصوصا على عدده، والمكروه أن تتعدى دائرة السنة، كأن تختم القرآن في أكثر من شهر أو أقل من ثلاث. وليس مذهبنا أن نحدد لأحد وردا. وللورد، تحديدا ودواما، سند في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: “أحب الأعمال إلى الله أدومها ولو قل”، الدوام معناه تكرار عدد العبادة يوميا. وهذا معنى الورد) 7 .

لكن الرجلين اختلفا في شرط الصحبة الذي يعد القطب الأعظم في السلوك عند الصوفية، صمت عنه البنا في كتبه، وجعل ياسين ديدنه التذكير به في كل مكتوباته ومجالس وعظه وإرشاده، قال: إن الصحبة لكامل من الأولياء المرشدين شرط مفروغ من أهميته الحيوية عند السادة الصوفية أهل المعرفة بما هي الطريق. وإن شئتَ قلت باختصار: الطريق هي الشيخ الواصل الموصل الحبل بالسند المتصل. فما يبقى إلا شرطُ الصدق عند الطالب، وشرط الصبر مع المرشد، وشرط الاستقامة على السنة، وشرط الاجتهاد حتى يأذن الله سبحانه لمن يشاء بما يشاء، مع دوام الذكر والدعاء) 8 .

يذكر ياسين في كل حين أن الشروط الثلاثة الأساسية في السلوك هي الصحبة والذكر والصدق، ويثبت تلازمها وتساندها وبناء بعضها على بعض، وانتقاض بعضها بانتقاض بعض. ولا تجد دالا على الله من أهل التربية إلا ونظام هذه الشروط عنده قار، وإن تنوعت الفروع والتطبيقات. والصحبة هي الباب والمفتاح).

فما سبب غياب هذا الشرط المفتاح في الفقه التربوي للإمام البنا؟ وكيف كان اجتهاد العلماء من تنظيمه من أجل استدراك هذا النقص؟ وهل الصحبة أصلا مدخل شرطي لتحقيق “الكمال” التربوي؟


[1] الإمام القشيري: الرسالة القشيرية. ص 210 ـ 211.\
[2] حسن البنا: مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا ـ رسالة التعاليم. ص 271\
[3] صحيح مسلم. كتاب الإيمان. باب بيان عدد شعب الإيمان وأدناها وأفضلها.\
[4] عبد السلام ياسين: المنهاج النبوي. ص 53.\
[5] حسن البنا: مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا ـ المأثورات. ص 342.\
[6] عبد السلام ياسين: الإسلام غدا.ص 62.\
[7] عبد السلام ياسين: المنهاج النبوي. ص 149.\
[8] عبد السلام ياسين: الإحسان 2/441.\