صدرت المذكرة أواخر شهر دجنبر من سنة 1999، بعد بضعة أشهر من تولي محمد السادس السلطة. وكانت وقتها حدث الموسم بامتياز، ومناسبة للمعلقين والمتحدثين والحزبيين من كل المشارب والتوجهات، للإدلاء بدلوهم في موضوع المذكرة وأسلوبها وحقائقها ومقترحاتها ونوايا صاحبها. وكانت كذلك مناسبة للكثيرين من هؤلاء الخلطاء، المتملقون منهم ولاعقو الأحذية والملكيون أكثر من الملك، لإظهار التودد للملك وصرفه عن الإسلاميين بالاستعداء وتشويه الرأي، في وقت لم يكن الجميع يعلم بوضوح نوايا “الملك الشاب” بعد عهد أبيه […]. ولأن الحال في البلد لم يتغير منذ ذلك الحين، وسنون “العهد الجديد” لم تأت إلا بالجدب والقتامة بعد “سنوات الرصاص” السوداء “للعهد السابق”، و”النخبة” السياسية لم تزدد إلا انبطاحا ونفاقا وتملقا أمام المخزن الفاسد المهيمن، من المفيد بيان بعض ردود الفعل الموجهة آنذاك إلى المذكرة من باب الموعظة والذكرى والمقارنة مع الحاضر:

1- الشعب:

لاقت المذكرة رواجا واستحسانا وثناء على صاحبها، لأنها لامست الحقائق المرة والصادمة للمغرب الذي خلفه الحسن الثاني لابنه “ملك الفقراء”، وسمت الأشياء والأشخاص باسمهم، وأشارت إلى الأطراف الرئيسة في الأزمة، وسبل الحل بجرأة وصراحة كما هو معهود في الأستاذ عبد السلام ياسين. هذا الموقف الشعبي أبرز حاجة المغاربة إلى نخبة سياسية ودينية نزيهة وصادقة ومسؤولة وجريئة في الحق. لكن وإلى الآن، لا يزال مع الأسف صوت العدل والإحسان وحيدا وسط ضجيج المتملقين.

2- اللائكيون والحزبيون:

منذ صدور المذكرة توالت الردود المتشنجة للطعن في شخص الكاتب واتهام نواياه وتسفيه آرائه واستعداء السلطة عليه. وفي الحقيقة لم يكن هذا مستغربا من شرذمة اللائكيين ومن لف لفهم من السفهاء، إذ من حسنات المذكرة أنها عرت عن نواياهم الحقيقية نحو الأستاذ عبد السلام ياسين، وهم كانوا قبلها، طائفة منهم، يتبنون الموقف الداعي للإفراج عن الشيخ المحاصر. دعوة الرجل السلمية وحصاره الظالم كانا ينزعان من أيدي الخصوم، الظاهرين والمتسترين، كل الأدلة لمهاجمته والنيل منه. وزاد من حرجهم مقدم حكومة التناوب التي لم تف بعهودها، وأنى لها، إذ كيف يطلب من مقعد مشلول أن يمشي أو أن يركض!؟ فكانت المذكرة متنفسهم الأخير، وطوق نجاتهم من الحرج، و”حصان طروادة” للتهجم المنافق على الأستاذ المرشد وجماعة العدل والإحسان، حسدا وحقدا ومكرا. ثوريو وتقدميو الأمس، برجوازيو الفتات المخزني اليوم ( بعد التصالح مع “الرجعية” والاستبداد، وبعد أن دفعوا الثمن غاليا من رصيدهم التقدمي النضالي التاريخي، الذي يتباهون به كالطواويس أمام الإسلاميين الطارئين على الساحة في زعمهم) لم يأخذوا العبرة من سنين العهد الجديد العجاف، إذ ما نزال نرى نفس الوجوه التاريخية للنضال اليساري (اختفى بعضها) مستمرة في تحالفها مع “المخزن الرجعي”: وظائف ومناصب مخزنية، طأطأة الرؤوس ببلادة، السير الذليل في ركاب المخزن ورموزه، التصفيق المسرحي للذئاب والثعالب وتمجيدها مع صفاقة وجه وقلة حياء لا يحسدون عليها! أما الشعب المتشبث بإسلامه، فليمت هو وأصوليوه الطارئون على الساحة، الفائزون لا محالة إن عبر عن رأيه بنزاهة.

3- العلماء والحركات الإسلامية:

من حسنات المذكرة أنها كانت سببا في تمييز أصناف العلماء والحركات الإسلامية.

أ- الحركات الإسلامية:

– التوحيد والإصلاح: تنوعت مواقف فعاليات الحركة، غير أنها انتقدت في مجموعها علنية المذكرة وشدتها وكذلك ما ورد فيها من معلومات. إلا أنه من المؤسف أن الحركة أفسحت المجال في صحافتها للمرتزقة من المنتسبين إلى الفقه والعلم لكي يهاجموا المذكرة وصاحبها. كان هذا سلوكا غير لائق من حركة إسلامية في قضية اجتهادية يتراوح فيها الأمر بين الأجر والأجرين.

– البديل الحضاري: اعتبرت أن المذكرة من أهم ما ميز “العهد الجديد”.

ب- العلماء الصادقون: الذين يعتبرون العلم أمانة يجب أداؤها إيمانا بالله وخوفا من عقابه واحتسابا للأجر عنده، وجدوا في المذكرة عبق التاريخ، وبقية الصالحين، وأنموذجا للكلمة الصادقة الموجهة إلى الراعي والرعية، من طرف رجل ليس نكرة، معروف منذ أواسط سبعينات القرن الماضي بنصيحته الصادقة وغيرته على الإسلام وجهاده المتميز.

ج- علماء آثروا الصمت والسلامة.

د- علماء السوء: هذا الصنف نزلت إليه التعليمات والأوامر المخزنية، فأصدروا البيانات، وكتبوا المقالات للطعن في نوايا الأستاذ المرشد وتسفيه آرائه واستعداء السلطة عليه، ربما ضمن خطة لتأليب الرأي العام ضده، تمهيدا للمضايقات والمتابعة القضائية. لكن الله خيب آمالهم.

وفي الأخير ها هي ذي بعض الملاحظات حول هذه الفئات الرديئة التي “تزين” المشهد السياسي المغربي الكئيب:

– تناسى هؤلاء أننا مغاربة نفهم معنى الكلمات، ونميز بالتالي نصيحة الصادقين والعلماء من زيف المتملقين السفهاء.

– بعد هذه السنين “المتميزة” للعهد الجديد، لا تزال دار لقمان على حالها. لكن إذا جادل هؤلاء أو حاولوا التدليس والخداع كما هي عادتهم، فلسان حال المغرب يقول لهم: ها هو ذا المغرب أمامكم بحاضره وتاريخه القريب، شاهد على زوركم وبهتانكم وكذبكم ونفاقكم ودجلكم..وإلا “إن لم تستح فافعل ما شئت”. والمذكرة ومواقفكم المخزية منها خير شاهد عليكم.

– إذا كان فقهاؤنا لا يزالون مصابين بعمى الألوان أو غير قادرين على اكتشاف حقائق المغرب المزعجة لاشتغالهم بهمومهم، فهاهي ذي المذكرة أمامهم ليستنبطوا منها مادة غنية (بعد إضافة “المنجزات الباهرة” للعهد الجديد) لنصيحة صادقة مدعمة ومحلاة بالآيات والأحاديث (وهم الذين عابوا على المذكرة خلوها منها) وموعظة بليغة رقيقة شفيقة متلطفة بالحكام على مذهب ابن الجوزي الذي استشهد به فقهاؤنا في قضية النصيحة النموذجية حينما انتقدوا المذكرة، ضرارا مشوشا وحجاجا عقيما وعنادا بليدا.

– ستبقى المذكرة مع سابقتها (الإسلام أو الطوفان) رغم التشويش نماذج متميزة للنصح الصادق في المغرب وبلاد الإسلام كلها.