دأبت جماعة العدل والإحسان على الإبداع في أشكال تفاعلها مع قضايا الأمة، من هنا تأتي وقفاتها المسجدية التي تؤطرها مساندة لقضية فلسطين. ترى ماذا بوسع وقفات مهما كانت جماهيريتها ومستوى تأطيرها أن تمنحه من قيمة مضافة للعمل الشعبي في مساندة قضية فلسطين؟! ما الرمزية التي تكتنهها هذه الوقفات؟! ما الدلالات التي تتضمنها؟!!

بدءا تجدر الإشارة إلى أن جماعة العدل والإحسان لها حضورها المعتبر في المشهد التضامني مع قضايا الأمة وتمثل بتنظيمها الجيد وإبداعاتها المتتالية نموذجا فاعلا في هذه الواجهة الجهادية المهمة، وتحظى حركتها التضامنية التفاعلية باحترام وتقدير كبيرين من لدن المنظمات المجتمعية التي تنشط في هذا الإطار، وكذا من طرف قادة الفعل الجهادي الفلسطيني أنفسهم، وماذاك إلا لكون قضية فلسطين وقضايا الأمة عموما هي قضية مركزية في فكر وبرامج وأنشطة الجماعة تمتح مركزيتها من عمقها الديني أساسا.

إن اختيار المسجد لتنظيم هذه الوقفات له رمزيته الدينية العميقة إذ الصراع مع اليهود عمقه المسجد، ولبه المسجد، وكينونته المسجد، هو صراع عقيدة وجودية لا صراع حدود أرضية ترابية، ما ينسى اليهود للمسلمين تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام (بأمر الله) هم الذين كانوا يطمعون أن يميل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مادام يصلي وجهة قبلتهم (كانوا يدعون ويزعمون).

الوقوف بالمسجد تذكير للمسلمين المصلين بالمسجد الأقصى أول قبلة للمسلمين وثاني مسجد تشد إليه الرحال، وتذكير بما يعانيه من تخريب وتهويد من الأنجاس الأرذال قتلة الأنبياء وخونة العهود. وتذكير بأن معركة التحرير لا يمكن أن تنجح إن لم تبدأ من المسجد ومعاني المسجد معاني الصلاة الصلة بالله عز وجل، معاني الأخوة الصادقة التي يجب أن تنسج خيوطها المتينة بين المؤمنين لتمتد خارج المسجد توجه الجهود وتوحدها نحو بناء الأمة على قاعدة الجسد الواحد، معاني الاصطفاف القوي المتماسك إلى جانب المستضعفين المحرومين المقهورين المغلوبين. وغير ذلك من المعاني التي تفتل في حبل توحيد الوجهة والقصد بما يمثله المسجد من محضن إيماني لبناء هذه الغايات وتقويتها وتنميتها لتكون الرافعة القوية نحو جهاد البناء، اللبنة الأساس في جهاد التحرير.

لا يتعلق الأمر إذن باستغلال سياسي يستفيد من الكم الجماهيري الذي يحضر الصلاة خاصة في الجمعة وإنما برؤية عميقة تعي أبعاد قضية فلسطين، وتعي أن تحرير الأرض والعرض لا يكون بغير تحرير النفس وتحرير النفس لا يكون إن لم يبدأ من المسجد.

نحن في حاجة إلى تحرير مساجدنا من “التأميم العام” الذي تفرضه أيدي الجبر الطاغوتية على أماكن أسست في أول الإسلام لتكون محاضن لتجسيد معاني التحرر من عبودية الأفراد والأهواء فتحولت بفعل تحكم السيف إلى “ملحقات” لشرعنة الظلم ومحاربة الحق وتحريف دين الله تحت مسميات هي عين الزور والبهتان.

أين يمكن للمؤمن أن يحرر نفسه من أهوائها ويداويها من أنجاسها وإجلاب خيلها ورجلها إن لم يلذ بمجالس الإيمان في بيوت الله يستمع إلى أهل الله وخاصته يتشرب من معين قلوبهم نور الحق الذي في القرآن وفي سنة النبي العدنان.؟!

هذه بعض من رمزية المكان نأتي الآن لنتحدث عن رمزية الوقفات نفسها، قد يحلو للبعض أن يقول ماذا تجدي وقفات ومسيرات وتظاهرات أمام الآلة الجهنمية الحارقة المحرقة للعدو المسلح… يرموننا بالقنابل ونرميهم بالشعارات والكلام؟!

قد يكون في هذا الاعتراض شيئا من الحقيقة لو لم تكن لهذه الأشكال وضعها الاعتباري في منطومة الفعل النضالي الإنساني العالمي، لو لم يكن لها وقعها الفعال في توجيه سيرورة الصراع فعلا ورد فعل.

فعلها ووقعها ووضعها عناصر تكمن في إبقائها لجذوة الإحساس بالرابطة الإسلامية القوية التي تربط بين قلوب المسلمين في العالم والتي عليها المعول بعد إذن الله وعونه في تحرير الأمة كليا.

إن العدو الصهيوني وحلفاءه من الاستكبار العالمي يعلم جيدا أن الاحتياط الاستراتيجي للفلسطينيين هم المسلمون، ليس لنا إلا بعضنا، وإن حكام الجبر هم المشكلة فمتى زعزعت هذه الأنظمة الخشبية عن كراسيها فالعدو العالمي كله في خطر. فكلما أبقى هذه الشعوب في خوفها ونومها وتفرقتها ووهنها وفردانيتها كلما ضمن العدو سيطرته وقوته.

الوقفات المسجدية أداة يراد بها وجه الله أولا قياما بواجب النصرة لدين الله وللمستضعفين الذين لا يجدون حيلة، ثم هي أداة تأطيرية للشعب حتى تظل جذوة هذه القضية قضية فلسطين بمركزيتها في قلوب المؤمنين ووعيهم ووجدانهم متقدة ملتهبة لتكون بفضل التوجيه والتربية أداة تحرق الظالمين يوم يأذن المولى عز وجل.

إن أعداء الأمة من الخارج والداخل تريد لشعوبنا أن تكون كمًّا مهملا لا رابط يجمعها ولا إحساس يحركها، لقد قتلوا فينا كل شيء جميل وإن لم تكن هذه المحطات بزخمها الإيماني ونيتها الصادقة وتأطيرها الجدي وشعاراتها الملتهبة فرصة لتأكيد حياة الشعوب وبقاء صلاتها قوية متينة فلن تقوم لنا قائمة.

يضاف إلى هذه الأشكال التضامنية بمزيتها هذه ودلالاتها تلك أنها-في حالة العدل والإحسان- جزء من مشروع مجتمعي متكامل واضح الغاية محدد الأهداف مرتب الأولويات، وبهذا المعنى وحده تكتسب هذه الوقفات دلالاتها القوية في بناء وعي جديد قوامه التربية ثم التربية ثم التربية الدائمة الدؤوبة التي لاتكل ولا تمل للدخول من كل باب لنصرة الدين والدعوة إلى الله عز وجل لتحرير العباد والبلاد من أسر الهوى وأغلال القيود البشرية.

إنها تعبئة للمستضعفين من أبناء هذه الأمة غايتها كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين إيقاظ القلب إلى معاني الإيمان، ورفع الهمم إلى نشدان الكرامة الآدمية وكمال الإنسان، ثم إيقاظ الفكر من سبات الزمان، وبث الوعي السياسي ليهتم المستضعفون لما يجري في الحدثان. الهدف تحريك الساكن فينا، الخامل من أحوالنا. إن حديدنا بارد، يحتاج إلى من يحميه على نار الحماس، ثم يصبه في بوتقة الجندية، ليصوغ منه النصال النفاذة، ويطرقه بمطارق التربية، لتستوي زبره على ما نريد من استقامة لله، وصمود للجهاد) 1 .

إذن الأمر أكبر من مجرد أناس وقفوا ورددوا ودعوا وانصرفوا، الأمر أكبر من هذا. والله أكبر من كل شيء.


[1] “إمامة الأمة” ص46.\