30 دجنبر 1989

في خطوة غير محسوبة العواقب، أقدم المخزن على عسكرة حي السلام بمدينة سلا إيذانا بفرض الإقامة الجبرية على الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان في إجراء تحكمي عار من أي سند قانوني عدا منطق التعليمات الفرعوني: “ما أريكم إلا ما أرى”.

هكذا، وانطلاقا من 30 دجنبر 1989 صادر النظام الحاكم أبسط حقوق رجل يدعو للإصلاح بشكل سلمي وقانوني من خلال “عمل تحكمي ماس بالحريات الشخصية والحقوق الوطنية” بلغة القانونيين.

دوافع المخزن لفرض الحصار

قبل تاريخ فرض الإقامة الجبرية على مرشد الجماعة وسجن مجلس إرشادها، تميزت الجماعة بحيوية لافتة:

1. في شتنبر 1987 رفعت الجماعة شعار “العدل والإحسان”، وتحول اسمها من أسرة الجماعة إلى جماعة العدل والإحسان، لتتضح معالم برنامجها وجدية مشروعها التغييري.

2. خلال سنة 1988 تشرع الشرطة في محاصرة بيت الأستاذ ياسين واستفـزاز زائريه وإرهابهم بالتحقيق في هوياتهم، مقابل ذلك يمتنع أعضاء العدل والإحسان عن تسليم بطائق هوياتهم لرجال الأمن المرابطين أمام بيت الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين.

3. شتنبر 1989 دعوة طلبة الجماعة إلى تأسيس فصيل الطلبة المستقلين مقابل الفصائل اليسارية داخل الساحة الجامعية. بموازة مع ذلك تسجل الجماعة اتساعا ملحوظا في صفوف فئات مجتمعية عدة: طلبة، تلاميذ، عمال،…

4. دجنبر 1989: طلبة العدل والإحسان يشاركون في إحياء ذكرى الانتفاضة الفلسطينية في جل الجامعات المغربية؛ مشاركة أشرت لبداية تغلغل الجماعة في الأوساط الطلابية.

“ويمكرون..”

بعد هذا الخرق السافر لأبسط حقوق الإنسان، يتضح بعد أسبوعين أن المخزن يدشن مرحلة جديدة في التضييق على الجماعة وهو يعتقل أعضاء مجلس الإرشاد يوم 13 يناير1990، ويزج بهم في السجن سنتين بعد محاكمة صورية ابتدائيا واستئنافيا.

مرحلة جديدة ارتأى المخزن أن يفصل قيادة الجماعة عن القاعدة عساه يزعزع صفها، ويربك سيرها وينهي أمرها؛ إذ سرعان ما توالت فصول مخطط المخزن الذي حاول إقحام الجماعة من خلال فصيلها الطلابي في المواجهات في مواقع البيضاء وفاس ووجدة لإرغامها على الرضوخ للمساومات. ولما يئس زج بطلبة فصيل الجماعة في غياهب سجونه كان ملف الإثني عشر طالبا الذين أدينوا بجريمة قتل طالب يساري وسجنوا 20 سنة نافذة العنوان البارز لمرحلة الحصار، غير أن رياح الأقدار الإلهية جرت بما لم تتوقعه تكهنات المخزن.

“وعسى أن تكرهوا شيئا..”

إذا كان الحصار من حيث هو تعسف وتضييق محنة، فقد كان في الحقيقة منحة ربانية أفادت الجماعة على مستويات عدة منها:

1. “الشدائد مصنع الرجال”، والظلم والاستبداد يلجئ المستضعفين للمولى الكريم استمطارا لعونه والتماسا لتثبيته. فكان أن عرفت أنشطة الجماعة ومجالسها ربانية عالية فتح بها الكريم الوهاب مغاليق قلوب، ونور بصائر، ويسر صعابا، وثبت الصف ووطد الثقة بقيادته التي لم ولن تبدل أو تغير.

2. “جماعة العدل والإحسان المحاصر مرشدها المعتقل مجلس إرشادها” عنوان مرحلة مفصلية في تاريخ الجماعة، فقد عرفت توافدا قياسيا عليها دفع القيادة بعد خروج مجلس الإرشاد من السجن لتبني شعار: “التكوين المتكامل والتوسع المتزن”.

3. ساعد بل فرض حصار المرشد واعتقال مجلس الإرشاد أن يتولى مهمة تسيير الجماعة جيل من الشباب وفي ظروف حساسة، الشيء الذي أكسب الجماعة قيادات شابة سرعان ما اشتد عود رجولتها الإيمانية لتتبوأ مسؤولية التخطيط والتدبير. ورب ضارة نافعة.

4. لقد أتاحت عشرية الحصار للأخ المرشد فرصة مواتية تفرغ فيها للتبتل والتضرع للمولى الكريم صائما مدة الحصار -كما صرح بذلك في حواره مع قناة “الحوار” الفضائية- سائلا ربه أسباب التوفيق والسداد لمشروع العدل والإحسان. مثلما كان الحصار فرصة للتأليف استكمالا لمنهاج الجماعة وتدقيقا في أساليب عمل الحركة الإسلامية، فالأستاذ المرشد عبد السلام ياسين يتميز بغزارة نادرة في الكتابة والتأليف وبموسوعية وعمق مثاليين.

5. وفر الحصار للجماعة مادة إعلامية جذابة جعلها تتصدر الأحداث، إذ سرعان ما انتقل ملف الحصار إلى ردهات البرلمان وغدا فقرة ثابتة في تقارير المنظمات والهيئات الحقوقية الدولية. كما أن الحصار شكل مادة للتواصل مع مختلف مكونات الشعب بسطا لمظلومية الجماعة وفضحا لزيف الشعارات الرسمية، فقد تزامن قمع الوقفة الاحتجاجية لأعضاء الجماعة ومتعاطفيها على المحاكمة الصورية لمجلس الإرشاد عشية 8 ماي 1990 مع تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الحكومي.

استثمار جيد للحصار وسع دائرة التعاطف مع الجماعة، وأقنع فئات أخرى بجدية مشروعها فانخرطت فيه.

خلاصة

إنه وبقدر ما أفاد الحصار جماعة العدل والإحسان تربويا وتصوريا ودعويا وتواصليا وإعلاميا بقدر ما أضر بالمخزن، فقد خسر كثيرا على المستوى الحقوقي داخليا وخارجيا، وتحولت الجماعة إلى عبء كلفه الكثير من الجهد لتلميع واجهته في المحافل الدولية، مثلما أرقت أجهزته الاستخبارتية، ويعلم الله تعالى كم تكلف الجماعة المخزن لرصد أنشطتها وتحركات أعضائها. كل هذا والجماعة حركة مجتمعية سلمية تعرض مساهمتها لإنقاذ البلاد والعبـاد، وتتفطر منها قيادة وأعضاءً القلوب على ما يتهدد أمن البلد اجتماعيا وسياسيا من أخطار.

وإلى أن يستخلص المخزن من حصاره للجماعة الدروس والعبر، نسأل الله تعالى قول الحق والدعوة للحق والثبات على الحق والعمل بالحق. والحمد لله رب العالمين.