مثال الأخلاق الناطقة

في مثله يقال ما قاله أبو الحسين التهامي رحمه الله: يا كوكباً ما كان أقصر عمره *** وكذاك عمر كواكب الأسحـار
هلال أيام مضى لم يُـستدر *** بدراً ولم يمهل إلى الأسـحار
عجل الخسوف إليه قبل أوانه *** فمحاه قبل مظنة الإبدار
واستُـل من أترابه ولداته *** كالمقلة اسـتُلت من الأشفـار
فكأن قلبي قبره وكأنه *** في طيّـه سر من الأسرار
كان أخونا الدكتور سيدي محمد مرزاق رحمه الله ذا مكانة في قلوب كل من لقيهم وجمعتهم الدنيا به، جامعا لأنوار الفضائل، متحليا بأجمل ما يطلب في الرجال من المروءة والنجدة والكرم وحسن المعاملة.

صاحب قلب كبير يسع المؤالف والمخالف، قريب الدمعة، كثير البكاء بين يدي الله، قد لا يتمالك نفسه إذا صلى، دائم الفكر، قليل الكلام، صاحب تؤدة فيما يحضره من مجالس المومنين، عميق النظر فيما تسرع الألسنة للبت فيه والحكم عليه.

قضى شطرا غير يسير من عمره في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله وسط مدرسة العدل والإحسان، ساق الله على يديه إلى الهداية جموعا من الشباب والرجال، وعصم الله بجهاده الفكري والدعوي ما شاء الله من الطلبة أن تأخذهم يد الباطل والضلال، كان محبا للمومنين ولأهل الله أهل الرباط والجهاد ولشيخه وشيخ الجماعة الولي الصالح والرجل الرباني سيدي عبد السلام ياسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لا يترك وظيفته من ذكره اليومي سفرا أو حضرا، وسبحته رفيقته وصاحبته لا تفارقه.

متواضعا غاية ما يكون التواضع إلى الحد الذي قد تخجل فيه من نفسك حين تعلم أن حياءه وتؤدته هما من كانا وراء صمته ووراء سكونه، وفي بريق عينيه تقرأ على الدوام ذكاء مفرطا مشوبا بحزن لا ينقطع، لعله الحزن على كر الزمان، أو الحزن على جفاء بعض الإخوان، أو الحزن الذي يحمله ما يكون أو كان.

لا يعرف طريق الادعاء، وهو نعم المصحوب في الحل والترحال، مذكر بالله في كل وقت بحاله قبل مقاله، متحمل لهفوات الرفيق، وكم تحمل رحمه الله، صابر على أذى البعيد قبل القريب، محتسب صاحب شفقة ورحمة، ولسان حاله يقول: سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب *** وإن كثرت منه علي الجرائمفيه من كرم البداوة الشيء الكثير، يؤثر على نفسه في مواطن النوال من يعرف ومن لا يعرف، لم أره يوما منذ عرفته يتسابق مع المتسابقين على موائد الدنيا.

العالم المحقق

يعرفه الناس أديبا وناقدا ومحققا قبل أن يشتغل بالمجلس العلمي بفاس، قضى سنوات من عمره، لا يترك الجهاد والدعوة، يحقق نسخة يتيمة من شرح البردة البوصيرية للشيخ عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن مقلاش الوهراني، نال بها شهادة الدكتوراه من جامعة محمد بن عبد الله بفاس بدرجة الامتياز، جاب طوال هذه الرحلة دروب الأدب وسافر خلال دواوين الشعر قديمه وحديثه، وأبحر في كتب التراث القديم، لغة وتفسيرا وبلاغة وأصولا ومنطقا، فكان العارف الخبير بشهادة من ناقشه أو صاحبه أو استمع إليه.

انشغاله بالعلم كان دائما موصولا بمحبة السلف وبالتربية، ولهذا كان ما يدفعه للاشتغال بالبردة هو ما عبر عنه بنفسه في مقدمة أطروحته من الدوافع الذاتية: ما أجده في قلبي من حب أسلافنا، ومن تعلق شديد بآثارهم، ومن رغبة قوية في التعرف على تراث أمتنا الحافل في الغرب الإسلامي، ومن حرص شديد على الإسهام في حركة بعث جانب من جوانبه، ولو بحظ يسير).

كان رحمه الله مهموما بتراث المسلمين، من يخرجه؟ كيف نقرأه؟ وأي سبيل لمواصلة المسيرة المباركة لأولئك الرجال؟

وكان انشغاله بتراث الغرب الإسلامي أشد، ومعرفته به أغنى، وولعه به أمتن، وفخره به أكبر، لأصالة في نفسه واعتزاز بجذوره، وليقين كان عنده أن الغرب الإسلامي كان مشرق الاجتهاد في مناح كثيرة من مناحي الثقافة العربية الإسلامية، وفي تجديد الفكر الديني والفلسفي..

إن اشتغاله، رحمة الله عليه، بهذا الشرح العظيم القيم (شرح ابن مقلاش تحديدا) لم يكن غاية في حد ذاته، ولا مجرد إرضاء لفضول معرفي صرف فحسب، وإنما هو وسيلة لإشباع نهم روحي وتطلع إحساني، وتذوق ديني أولا، وفرصة لصحبة الحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنسم فيض عبير شمائله ثانيا…

ذلكم العبير الذي كان يتنفسه سيدي محمد مرزاق كل لحظة وهو يسافر عبر بردة الإمام البوصيري رحمة الله عليه، أو حين كان يجلس للصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم. وقد طبع الشرح الضخم بحمد الله تعالى ببيروت، لبنان: عن دار ابن حزم؛ بتعاون مع مركز الإمام الثعالبي للدراسات ونشر التراث بالجزائر: 2009.

شامة في وهران

آخر مشاركاته العلمية التي جمعتنا معه هي تلك التي جمعتنا بالشقيقة الجزائر، في إطار نشاط علمي، في وهران بمناسبة مشاركته في الملتقى الدولي الثاني حول وهران الهوية الإسلامية والثقافات المتوسطية، في شهر أبريل من سنة 2009. وكان النشاط مشتركا بين مخبر الأبعاد القيمية الذي يشرف عليه الدكتور الكبير عبد القادر بوعرفة بجامعة وهران مع مشاركة تنظيمية مباشرة من الأخوين الأستاذين الكريمين حمدادو وبوعمامة وتنسيق مع مديرية الشؤون الدينية والأوقاف بولاية وهران.

كانت مشاركة الدكتور سيدي محمد مرزاق رحمه الله بوهران الجميلة متميزة، وهران المدينة المطلة على المتوسط كعروس يهيئها أهلها للزفاف، جميلة بسكانها وغاباتها وشواطئها وأسواقها وبتنوعها الثقافي…

كانت مشاركته عبارة عن تلخيص لجهوده في اكتشاف ابن مقلاش الوهراني وإخراج أول عمل له إلى الوجود محققا، كشف عن واحد من علماء القطرين الجزائر والمغرب، ولما كان الموضوع الذي قدمه سيدي محمد مرزاق رحمه الله للملتقى على جانب من الطرافة والجدة فقد استأثر باهتمام الحاضرين والبحاث، وصار المرحوم عريس الملتقى بامتياز، فرحمه الله رحمة واسعة، وجعل مثواه في أعلى عليين.

في وهران كان رحمه الله مأخوذا بروح الكرم البدوي والتلقائي في الإنسان الجزائري، مأخوذا بروح العفوية والصدق في الحياة الجزائرية البسيطة برمتها، كان يشده التشابه بين الشعبين الجزائري والمغربي في كل التفاصيل، وكان يردد في كل وقت وحين خاصة بعد أن جمعتنا جلسات حميمية مع بعض رجال الجزائر الذين عاشوا ردحا من الزمن في المغرب من مثقفين وساسة، فكان يقول رحمه الله، إن الجزائريين والمغاربة شعب واحد تفرق في دولتين. وهي رؤية معرفية وتاريخية وإنسانية تتجاوز حدود الحسابات السياسية الضيقة أو القراءات القطرية الموجهة برواسب العنصرية.

كان رحمه الله رجل ذوق ورقة وحلم ومحبة، شديد التعلق بأولاده وأهله، يذكرني بقول الشاعر يذكر صبيانه في كل وقت: إني أراهم أينما التفتت *** نفسي وقد سـكنوا وقد وثبوا
وأحس في خلدي تلاعبهم *** وفي الدار ليس ينالهم نصب
إني أراهم حيثما اتجهت *** عيني كأسراب القطا سـربوا
وإن نسي سيدي محمد مرزاق لا ينسى الهدايا يحملها لهم، أذكر أنه لفرط حرصه على أن يمكنهم من هدايا رجوعه آخر سفرنا مجتمعين، كان كل مرة يخرجنا من الفندق الذي أقمنا فيه، مهما كان الجو ومهما كانت الظروف والأحوال ليفتش لهم في الأسواق المجاورة عن هدايا “طيور الجنة”، وكنت أمازحه رحمه الله بأن طيور الجنة هناك عند الله في الفردوس، أما هنا فطيور مشوية وطيور مبخرة وطيور كونتا كينتي على الطريقة الأمريكية، كان حريصا على أن يزرع ابتسامة الفرح بعودته في وجوه صغاره، وبطيور الجنة، جعل الله تعالى الجنة مثواه ومستقره.

ترك يومها رحمه الله أثرا طيبا في نفوس من لقيهم هناك، وقد تفارقنا والأمل أن تكون عودته لتكريمه بمناسبة خروج كتابه عن ابن مقلاش الوهراني إلى الناس بمساهمة بلدية وهران التي يرأسها رجل مثقف وشديد الصلة بالعلم، وها قد خرج الكتاب، وخرجت معه روحه الطيبة، فلعل تكريمه ييسره الله ولو في غيابه هنا أو هناك، ولعل تكريمه الأسمى يكون عند الرب الكريم، سبحانه، لا إله إلا هو رب كل شيء ومليكه.