يمر عالمنا العربي المتخلف بتحولات ساهمت فيها عدة عوامل دولية وإقليمية ومحلية، فرياح الانفتاح والعولمة والتطورات التكنولوجية، وخاصة في مجال الإعلام، فتحت نوافذ عديدة أمام شعوب المنطقة جعلتها تتوق إلى القطع مع الاستبداد بكل تجلياته، والضغوط الدولية تتزايد على هذه البلدان حتى تندمج أكثر في المنظومة الدولية بملاءمة تشريعاتها مع المواثيق الدولية أو بفتح مجالها للشركات متعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية التي يتزايد عددها ويتوسع حجم نشاطها ودرجة فعاليتها بشكل بات يهدد سيادة هذه الدول ويرهن قرارها الداخلي للخارج.

هذا دون أن ننسى الدينامية الداخلية للعديد من القوى الوطنية بمختلف أطيافها وانتماءاتها، حيث أخذت الأشكال النضالية والتحركات الاحتجاجية صيغا جديدة على مستوى الشكل والمضمون.

فمثلا، على مستوى المضمون هناك اتجاه نحو رفع سقف المطالب السياسية وجنوح نحو التخصص.

وعلى مستوى الشكل هناك اتجاه نحو العمل الوحدوي والتنسيقي، وإن كانت تعترض ذلك صعوبات البداية ومخلفات عقود من الصراع بين فرقاء ظلوا إلى الأمس القريب أعداء.

ولا ننسى أن هذه البلدان ظلت أسيرة عوامل عديدة كبلت كل خطوات التغيير، وشكلت إكراهات في وجه كل الراغبين فيه، ومنها طول مدة الاستبداد الذي عشش قرونا جعلته يترسخ في الأذهان والنفوس ويولد مجتمعات رضيت به وتعايشت معه وطبّعت مع مقتضياته، بل إن هناك من اجتهد في تبريره وتسويغ سطوته. وبديهي أن الأنظمة الاستبدادية محافظة ومقاومة لأي تحديث أو تغيير أو تطوير أو إصلاح.

ويمكن أن نؤرخ لهذا الاستبداد بالانكسار التاريخي الذي تسبب في انتقال الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض، حيث انتقضت أول عروة من عرى الدين، وهي نظام الحكم الذي كان مؤسسا على الشورى بما تعنيه من حق الأمة في اختيار من يحكمها ومحاسبته وعزله إن حاد، أو انحرف، عن العقد الرابط بين الحاكم والمحكوم.

ثم هناك العادات والتقاليد التي صار لها ثقل كبير جعلها تشكل عائقا في وجه التحديث، وكما يقول المثل «تزول الجبال عن قاعدتها ولا تزول الناس عن عاداتها»، والمجتمعات العربية على هذا المستوى محافظة بامتياز، بل ومقاومة لكل خروج عن المألوف، حتى إن العديد من هذه التقاليد صار يكتسب، بفعل الترسخ، قدسية أكبر من الدين.

ثم هناك الفهم السيئ للدين، الذي عطل الاجتهاد والتجديد وفتح الباب للتقليد والجمود والتحجر. وأخطر ما تعانيه الأمة العربية هو تغليف العادات والاستبداد بغطاء ديني، حيث استغل ذلك المنتفعون من الأوضاع القائمة لتخدير حس الأمة تجاه أي سلوك تغييري أو نهضوي.

وللأسف، أفرزت كل هذه العوامل نسقا سياسيا مغلقا وجامدا يمكن تجلية أهم مظاهره في:

1 – تعددية سياسية غائبة: حيث التمثيلية السياسية لا تعكس الخريطة المجتمعية بتنوعها الثقافي وتناقضاتها المصلحية وصراعاتها السياسية، وحيث هناك هيمنة للرأي الواحد والحزب الواحد والشخص الواحد الذي يعتبر نفسه فريد عصره ووحيد دهره وعبقري زمانه، وحتى إن أحس الحاكم، المتحكم في زمام الأمور، بالحرج فإنه يلجأ إلى فتح الباب بمقدار يبقيه متحكما في قواعد اللعب السياسية وموجها للصراع السياسي ومستفيدا من الهامش الذي منحه لغيره إما لتحسين صورته أو لإضعاف خصومه أو للاستفادة من تجاربهم وكفاءاتهم.

وأخطر ما تعانيه دولنا، للأسف، هو استيراد الشكل بهدف التسويق وتغييب الجوهر والمضمون، فالتعددية السياسية فقدت مضمونها الذي هو الانفتاح على كل الحساسيات المجتمعية لضمان تمثيلية حقيقية للجميع، أو بالأحرى فتح الباب للجميع على قدم المساواة بما يؤدي إلى مشهد سياسي قادر على استيعاب الكل.

ولا نحتاج إلى التذكير بأن التعددية السياسية مؤشر أساس على انفتاح النسق السياسي وآلية لمشاركة أوسع للمواطنين والتفاعل الإيجابي مع قضاياهم وعنوان لسيادة الديمقراطية وضمانة للتنوع الثقافي والفكري والسياسي داخل المجتمع وانصهار كل مكوناته تحت سقف واحد تجسده إرادة العيش المشترك في وطن مشترك يتمتع فيه الجميع بنفس الحقوق والواجبات.

2 – سيادة برنامج واحد: ويترتب عما سبق غياب برامج سياسية حقيقية في مجال التنافس السياسي، حيث هناك برنامج واحد وأوحد هو برنامج الدولة، وباقي المشاركين يتنافسون في شرحه والبحث عن أحسن الطرق لتنفيذ بنوده.

3 – انتخابات مزورة: فالانتخابات مؤشر على مدى انفتاح أو انغلاق النسق السياسي، لأن هذه الأخيرة مناسبة يسترجع فيها الشعب زمام الأمور بين يديه ليحاسب هذا الحزب ويختار من يستحق تمثيله لولاية قادمة.

ولكن اللعبة الانتخابية في العالم العربي مغلقة ومتحكم في نتائجها مسبقا لأن عملية الضبط و«الفلترة» تشتغل طيلة مراحل الإعداد للانتخابات، سواء أثناء التقسيم الانتخابي أو لحظة وضع اللوائح الانتخابية أو عند اختيار نمط الاقتراع أو إبان تحديد طبيعة المرشحين.. أو التزوير الفاضح للنتائج أحيانا إن عجزت الوسائل السابقة جميعها.

ولعل تجربة الانقلاب على نتائج الانتخابات في الجزائر، في بداية التسعينيات، خير مثال على حدة الانغلاق السياسي.

وهناك تجربة الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة، حيث استعملت كل وسائل البلطجة على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي في فترة حرجة كانت النداءات كلها تصب لفائدة دمقرطة المنطقة.. والسبب الوحيد لهذه البلطجة هو الحيلولة دون حصول المعارضة على نصاب يمكنها من أن تشكل أقلية سياسية حقيقية تملك زمام المبادرة السياسية.

ولا يخفى أن هذا التحكم يفقد الانتخابات جدواها: تحقيق التداول على السلطة.

4 – مؤسسات صورية: وهذا مؤشر آخر على انغلاق النسق السياسي حيث المؤسسات الموجودة (الحكومة – القضاء – البرلمان – الإدارة) صورية، ولا فصل للسلط، ولا احترام للاختصاصات.

فالقضاء غير مستقل، والإدارة غير محايدة وتشكل، في الغالب، جيبا من جيوب مناهضة التغيير ووكرا للمحافظة والانغلاق، والبرلمان مجرد غرفة تسجيل لأنه بدون اختصاصات، أو اختصاصاته محدودة، وأعضاؤه بدون كفاءة ولا قوة لأنهم مختارون على المقاس وفاقدون للتمثيلية الشعبية التي تكسبهم قوة مضادة في وجه قوة السلطة، وأعضاء الحكومة مجرد أعوان تنفيذ لدى الحاكم، بل إن العديد من اختصاصات هذه المؤسسات تتولاها مؤسسات موازية يختارها الحاكم ويعين أعضاءها ويمكنها من وسائل العمل بما يجعلها ذات جدوى أكثر من المؤسسات الأصلية المنتخبة.

5 – تعطيل القانون: حتى إذا تجاوزنا حالة الضعف التي تطبع الحكومات المتعاقبة وفقدان الشرعية الشعبية التي تتخبط فيها البرلمانات المشرّعة في البلدان العربية، مما يجعل القوانين الصادرة لا تنطبق عليها صفة القانون، فإن ما نعيشه في بلداننا أخطر لأن هذا القانون، على علاته، لا يطبق بشكل سليم.

ولا شك أن هذا الانغلاق والجمود هو أكبر عقبة في وجه أي فعل تغييري.