حاولت مصر في البداية إخفاء الفضيحة، ونفت المصادر الأمنية المصرية ما أوردته صحيفة هاآرتس “الإسرائيلية” من معلومات عن بناء جدار فولاذي سميك تحت الأرض، على طول الحدود مع غزة المجاهدة. لكن دخول أمريكا على الخط من خلال تصريح مساعد وزير خارجيتها لشؤون الشرق الأوسط جينري فيلتمان بتأكيده الخبر الفاجع بقوله: مصر اتخذت قرار بناء الجدار الفولاذي العازل على الحدود مع قطاع غزة). كان هذا التصريح كافيا في حسم الجدل الحاصل حول حقيقة جدار العار، وكان فاضحا لمصر “الشقيقة الكبرى” التي اضطرت بدورها للدفاع عن “قراراتها الوطنية” من خلال صحيفة الجمهورية في مقالها الافتتاحي ليوم الخميس 17/12/2009: من حق مصر التي تهتم لسيادتها أن تطور الجدار الفاصل بينها وبين غزة، من حقها أن يكون الحائط قويا لا تسقطه جرارات كما حدث في المرة الأولى، وكما حدث مرات أخرى). بارك محمود عباس هذا الإجراء، ولا عجب، وأيد كل الخطوات التي تتخذها مصر على الحدود في حوار أجرته معه صحيفة الأهرام القاهرية.

ليس هذا الإجراء الوحيد الذي تقوم به مصر لأحكام الحصار على قطاع غزة في تعاون قل نظيره مع أعداء الأمة، فالخبراء الأمريكيون موجودون على الحدود المصرية، وبأجهزة جد متطورة، و مراقبة مستمرة لكل ما يحدث على الحدود، وإخبار الجانب الإسرائيلي بأدق الأمور. والحدود بين مصر والقطاع لا تزال مغلقة، وبأحكام، والهدف واضح هو كسر إرادة المقاومة لدى الشعب الفلسطيني، فيسهل بعد ذلك تصفية القضية برمتها.

كانت السيدة كارين أبو زيد المفوض العام لإغاثة وتشغيل اللاجئين –الأونروا- من بين الذين أكدوا خبر بناء مصر للجدار الفولاذي بتموين وإشراف أمريكي، وقد ذكرت في الندوة التي عقدتها يوم الاثنين 14/12/2009م بالجامعة الأمريكية بالقاهرة والتي حضرها عدد من أساتذة الجامعة وطلابها، أن السياج يبنى من الفولاذ القوى وأنه صنع في الولايات المتحدة وقد تم اختبار مقاومته للقنابل، واصفة إياه بأنه أكثر متانة من خط بارليف الذي بني على الضفة الشرقية لقناة السويس قبل حرب أكتوبر 1973. وذكرت أن عملية تشييده تأتي تنفيذًا للاتفاق الأمني بين الحكومة الصهيونية مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش قبل مغادرته البيت الأبيض بساعات. فعن أي سيادة يتحدث القوم؟ وأي كرامة بقيت لهذا الوطن المستباح؟

لقد شق على المؤرخ ابن الأثير أن يمسك القلم، ويسجل صفحات كالحة من تاريخ الأمة الإسلامية بعد الاجتياح المغولي لمشارق العالم الإسلامي، وتدمير جنكيزخان للمملكة الخوارزمية فقال: لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها، كارها لذكرها، فأنا أقدم رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام، والمسلمين؟فيا ليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيا منسيا).

لا أدري بأي مداد سيكتب تاريخ الخيانة والغدر لملوك بني الأحمر الجدد، ولا أدري بأي عبارات سيسجل هذا التحالف الشيطاني من طرف حكام العرب وبني إسرائيل والغرب الصليبي لمحاصرة شعب مسلم من الجهات الستة حتى يعطي الدنية وينسى أن له قضية، وأنه صاحب أرض، وأن كل القوانين تقر له حق الدفاع عن حقه المسلوب. لكن الذي أدريه جيدا وموقن به أن غدر الحكام بشعوبهم، وخيانتهم لقضية أمتهم، حد فاصل، وله ما بعده، فانعدام الثقة بين الحكام والشعوب وبلوغ هذا المستوى من الانحطاط هو إيذان لبداية عهد جديد، وأن استمرار إنتاج الهزائم من طرف أقلية ماسكة بالقوة على مركز القيادة، مع التغييب الكامل للشعوب، وعدم الاكتراث بها، لم يعد مقبولا، وأن ساعة الانفصال قد حان أوانها، وهذا ما عبر عنه المؤرخ أرنود توينبي بقانون “التحدي والاستجابة” ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

يقول المفكر مالك بني نبي: لقد أورد المؤرخ ديوارنت DIORANTE حوارا موجبا للعبرة حول السياسة، دار بين “كنفوشيوس” وأحد أتباعه “تسي كوغ”، الذي كان يسأل أستاذه عن السلطة. فأجاب كنفوشيوس قائلا: على السياسة أن تؤمن أشياء ثلاثة:

1. لقمة العيش الكافية لكل فرد

2. القدر الكافي من التجهيزات العسكرية

3. القدر الكافي من ثقة الناس بحكامهم

سأل تسي كوغ : وإذا كان لا بد من الاستغناء عن أحد من هذه الأشياء الثلاثة فبأيها نضحي؟

أجاب الفيلسوف: بالتجهيزات العسكرية.

سأل تسي كنغ: وإذا كان لا بد أن نستغني عن أحد الشيئين الباقيين فبأيهما نضحي؟

أجاب الفيلسوف: في هذه الحالة نستغني عن القوت، لأن الموت كان دائما هو مصير الناس، ولكنهم إذا فقدوا الثقة لم يبق أي أساس للدولة) 1 .

والسؤال الذي نضيفه ما العمل إذا انعدمت هذه الثلاثية التي تحدث عن الفيلسوف كما هو الشأن عندنا؟

سؤال تجيب عنه الشعوب التي صار الشوق للتغيير مطلبا ملحا عندها، وصارت تدرك كذلك أن التغيير لا يوهب ولا يهدى ولكن ينتزع انتزاعا، ولن تجد لسنة الله تبديلا.


[1] مشكلة الأفكار في العلم الإسلامي ص 132.\