تقديم

يحار العقل والقلم ويعجزان عن التحدث عن حبيب الله وصفيه وخليله وكليمه صلى الله عليه و سلم، فمن يستطيع أن يحيط بحياة مليئة لحظاتها جميعها بأحداث حار فيها من عايشها وعاشها، وتأثر به كل من رآه، فحاول كفار قريش بكل ما أوتوا من دهاء ومكر أن يوقفوا النار المشع من الذات الشريفة، فمنعوا أزواجهم وأبناءهم وعبيدهم من ملاقاة حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم، بل حتى حجيج مكة، كانوا يتلقونهم ويحذروهم من “سحر محمد”. فقد روى الحاكم بإسناد صححه، أن أبا جهل قال لحبيبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئتَ به، فأنزل الله تعالى فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون. وفي رواية لابن أبي حاتم، قال أبو جهل: والله إني لأعلم أنه لَنبيٌّ، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا؟! وتلا أبو زيد (الراوي) الآية السابقة، فكان يعرف صدق ما جاء به حبيبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه استكثر على نفسه أن يتبعه. وتروي كتب السيرة أنه لما ازداد أمر حبيبي النبي عليه الصلاة والسلام ظهورا زاد شوق الناس لسماع القرءان، حتى أن أشد خصوم حبيبي النبي صلى الله عليه وسلم بدؤوا يسألون أنفسهم: أحقا أنه يدعو إلى الدين القيم وأن ما يعدهم وينذرهم هو الصحيح؟ وحملهم هذا التساؤل على التسلل ليلا لسماع القرءان: خرج أبو سفيان بن حرب, وأبو جهل عمرو بن هشام، والأخنس بن شريق ليلة ليستمعوا إلى حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، فأخذ كل واحد مجلسا يستمع فيه وكل منهم لا يعلم بمكان صاحبه، وكان حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم يقوم الليل إلا قليلا، يرتل القرءان ترتيلا، وهم يسمعون آيات الله، فتأسر قلوبهم ونفوسهم، ويظلون ينصتون حتى الفجر،فتفرقوا عائدين إلى منازلهم، فجمعهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأضعف ذلك من أمركم، ولنصر محمدا عليكم. فلما كانت الليلة الثانية، شعر كل واحد منهم في مثل الموعد الذي ذهب فيه أمس، كأن رجليه تحملانه من غير أن يستطيع امتناعا ليقضى ليله حيث قضاه أمس، وليستمع إلى حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم يتلو كتاب ربه، وتلاقوا عند عودتهم مطلع الفجر وتلاوموا من جديد، فلم يحل تلاومهم دون الذهاب في الليلة الثالثة، فلما أدركوا ما بهم لدعوة حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم من ضعف، تعاهدوا ألا يعودوا لمثل فعلتهم فأقلعوا عن الذهاب لسماع حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ومشهد آخر ممن سبقت له الحسنى، ودخل في سلك السعداء، قال ابن هشام‏:‏ “وحدثني أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح؛ فلما دنا منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أفضالة‏؟‏ قال‏:‏ نعم فضالة يا رسول الله ؛ قال ‏:‏ ماذا كنت تحدث به نفسك‏؟‏

قال‏:‏ لا شيء، كنت أذكر الله؛ قال‏:‏ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال‏:‏ استغفر الله، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه؛ فكان فضالة يقول‏:‏ والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه‏”
.‏

وقد ارتأيت أن أبدأ بهذه الأحاديث الشريفة التي تبين فضله على جميع الخلائق صلى الله عليه و سلم: انسهم وجنهم: أولهم و آخرهم، مؤمنهم و كافرهم؛ بل له فضل على جميع المخلوقات من حيوان ونبات وجماد، بل أكثر من ذلك، ولك أن تعجب أن فضله صلوات ربي وسلامه عليه حتى على الأنبياء المرسلين والملائكة المقربين، عسى أن نوفي بعض حقوقه علينا، ولن نستطيع أن نوفيها، فاللهم أد علينا شكر نعمة حبيبك محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، لأن أفضل نعمة بعد نعمة محبة الله تعالى هي نعمة محمد صلى الله عليه و سلم على الإطلاق وكفى بها من نعمة.

فضل حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الخلق

عن أبي هريرة: “وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقولون: ألا تنظرون من يشفع لكم، فيأتون آدم فيقولون، زاد بعضهم: أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا، ألا ترى ما نحن فيه؟. فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً فيقولون: أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما بلغنا‍‍‍‍‍‍‍! ألا تشفع لنا إلى ربك ؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، نفسي! نفسي! قال ـ في رواية أنس: ويذكر خطيئته التي أصاب: سؤاله ربه بغير علم”.

وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه: “وقد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، اذهبوا إلى غيري. اذهبوا إلى إبراهيم، فإنه خليل الله. فيأتون إبراهيم، فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً، فذكر مثله، ويذكر ثلاث كلمات كذبهن. نفسي نفسي، لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله. وفي رواية: فإنه عبد آتاه الله التوراة، وكلمه وقربه نجياً. قال: فيأتون موسى، فيقول: لست لها، ويذكر خطيئته التي أصاب، وقتله النفس، نفسي، نفسي، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته. فيأتون عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فأُؤْتَى، فأقول: أنا لها. فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجداً. وفي رواية: فآتي تحت العرش، فأخر ساجداً. وفي رواية: فأقوم بين يديه، فأحمد بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيها الله. وفي رواية: فيفتح الله علي من محامده، وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي”.

قال -في رواية أبي هريرة-: “فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل، تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: يا رب، أمتي، يا رب، أمتي. فيقول: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب”. ولم يذكر في رواية أنس هذا الفصل، وقال ـ مكانه: “ثم أخر ساجداً، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعطه. فأقول: يا رب، أمتي، أمتي. فيقال: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه، فأنطلق فأفعل. ثم أرجع إلى ربي، فأحمده بتلك المحامد وذكر مثل الأول، وقال فيه: مثقال حبة من خردل. قال: فأفعل، ثم أرجع…” وذكر مثل ما تقدم، وقال فيه: “من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل، فأفعل. وذكر في المرة الرابعة: فيقال لي: ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه. فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله. قال: ليس ذلك إليك. ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله”. ومن رواية قتادة عنه، قال: “فأقول يا رب، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود”. الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 139.

فضل حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم على الكفار والمنافقين

قال أبو بكر بن طاهر: زين الله تعالى محمداً بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة، وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه، والواصل فيهما إلى كل محبوب، ألا ترى أن الله يقول: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ، فكانت حياته رحمة، ومماته رحمة، كما قال: “حياتي خير لكم وموتي خير لكم وكما قال: إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطاً وسلفاً”.

وقال السمرقندي: رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ: يعني للجن والإنس. وقيل: لجميع الخلق، للمؤمن رحمة بالهداية، ورحمة للمنافق بالأمان من القتل، ورحمة للكافر بتأخير العذاب.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو رحمة للمؤمنين وللكافرين، إذ عوفوا مما أصاب غيرهم من الأمم المكذبة.

ولما اشتد الأذى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبي طالب وخديجة رضي الله عنها، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فدعا قبائل ثقيف إلى الإسلام، فلم يجد منهم إلا العناد والسخرية والأذى، ورموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه، فقرر صلى الله عليه وسلم الرجوع إلى مكة. قال صلى الله عليه وسلم: “انطلقت – يعني من الطائف – وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب – ميقات أهل نجد – فرفعت رأسي فإذا سحابة قد أظلتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد أرسل لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، ثم ناداني ملك الجبال، قد بعثني إليك ربك لتأمرني بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين – جبلان بمكة – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً” [متفق عليه].

جاء في الاكتفاء بما تضمنه من مغازي المصطفى(2/39)، أن العباس قال: مكثت حولاً بعد موت أبي لهب لا أراه في نوم، ثم رأيته في شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين، وذلك أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ولد يوم الاثنين، فبشرت أبا لهب بمولده ثويبة مولاته، فقالت له: أشعرت أن آمنة ولدت غلاماً لأخيك عبد الله فقال: اذهبي، فأنت حرة، فنفعه ذلك، وهو في النار.

فضل حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم على الملائكة

وحكى أن النبي قال لجبريل عليه السلام: “هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله عز وجل علي بقوله: “ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ.

فضل حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم على الأولياء والسالكين

قال ابن القيم في كتابه “جلاء الأفهام” ص 441: قال الجنيد -رحمه الله-: يقول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: “وعزتي وجلالي لو أتوني من كل طريق أو استفتحوا من كل باب لما فتحت لهم حتى يدخلوا خلفك”. وقال أيضا في كتابه “طريق الهجرتين” (1/9): وقد قال شيخ الطريقة وإمام الطائفة الجنيد بن محمد قدس الله روحه: الطرق كلها مسدودة إلا طريق من اقتفى آثار النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل يقول: “وعزتي وجلالي لو أتوني من كل طريق واستفتحوا من كل باب لما فتحت لهم حتى يدخلوا خلفك”.

فضل حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم على الحيوان

روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه “مرَّ على رجل واضعاً رجله على صفحة شاة وهو يحدُّ شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال له: أفلا قبل هذا -أي أفلا حددت شفرتك بعيداً عنها قبل أن تضجعها للذبح- أتريد أن تميتها مرتين”، السلسلة الصحيحة للألباني الحديث رقم /24. وروت زوجه السيدة عائشة قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصغي – يُميل – الإناء للهرة حتى تشرب، ثم يتوضأ بفضلها” رواه الدراقطني. وروي عنه أنه دخل ذات مرة بستاناً لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلما رآه الجمل حنَّ وجرجر وذرّفت عيناه، كأنه يشكو، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ذِفراه -أي ما بين أذنيه- فسكتَ البعير. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من رب –صاحب- هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله. فقال: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إيّاها؟! فإنه شكا إلي أنك تُجيعه وتُدئبه -أي تُتعبه-“ صحيح الترغيب والترهيب للألباني الحديث رقم/2269 ,

وروي عن إبراهيم بن حماد بسنده من كلام الحمار الذي أصابه النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، وقال له: اسمي يزيد بن شهاب. فسماه النبي يعفورا، وأنه كان يوجهه إلى دور أصحابه، فيضرب عليهم الباب برأسه، ويستدعيهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات، تردى في بئر جزعاً وحزناً، فمات. الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 194. وروى أبو داود وأحمد والطبراني والحاكم بأسانيدهم عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: كنا مع رسول الله في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة، فجعلت تفرش فجاء النبي فقال من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها. وهذا غيض من فيض، وهذه قطرة من بحر رحمة حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم وفضله على سائر المخلوقات، فالله نسأل أن نرزق جواره في الدنيا والآخرة، وأن نرزق اتباعه، وأن نكون على قلبه الشريف، وأن نكون من أبنائه البررة وإخوانه الذين بشر بهم، عن أبي هريرة قال: “خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقبرة، فسلم على أهلها، قال: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون؛ وددت أنا قد رأينا إخواننا. قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وأخواني الذين لم يأتوا بعد” مسند الإمام أحمد.