بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على نعمة الإسلام والحمد لله على نعمة الإيمان والقرآن، الحمد لله على نعمة الجهاد في سبيله وصحبة أوليائه والتحاب فيه ونصرة دينه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وتابعيه بإحسان إلى يوم الدين.

أيها الإخوة الكرام، أيتها الأخوات الكريمات؛ أعضاء فصيلنا الطلابي المجاهد، بمناسبة انعقاد مؤتمركم، بل مؤتمرنا جميعا، الثالث عشر، أتقدم إليكم باسم جميع إخوانكم في قطاع الشباب بالشكر والتحية سائلين الحق سبحانه وتعالى أن تتكلل أشغال هذا المؤتمر بالنجاح والتوفيق.

إخواني أخواتي، إن مؤتمركم هذا يوقظ في الوجدان والعقل وكل الكيان مسيرة سنوات طويلة من الممارسة والبذل والعطاء، ويختزل الزمن في لحظة ويجمع الأمكنة في نقطة، ليعيد رواية ملاحم الجهاد والتضحيات الجسام لرجال تركوا بصماتهم، جيلا بعد جيل، في درب التأسيس والبناء ثم الإشعاع والعطاء، إنها ليست مجرد حكايات تتردد ولا ذكريات تتجدد، بل هي خلاصة ليال سمت فيها أرواح الرجال الرهبان على تراتيل سورة الأنفال، ونُهُرٍ تزاحمت فيها أجساد الرجال الفرسان في منعرجات الجهاد والعطاء، لينتقل المشعل بين الأيادي المتوضئة الطاهرة الصادقة الأمينة تبدع وتجدد لزمانها ومكانها حتى يظل المشعل وهَّاجاً ينير درب التائهين ويذود عن المستضعفين ويبطل خطط المفسدين. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نُضِيع أجر من أحسن عملااليوم يصل المشعل إلى أياديكم، إرث وأي إرث تتشرفون بحمله، لا تسعه الساعات ولا الدقائق مقياسا، ولا تكفيه الدماء التي سالت ولا العظام التي هُشمت ولا السجون التي نُصِبَت أوصافا، إنما تعطيه حقه النيات الصادقة والقلوب الطاهرة التي تحمل همه في سويداء قلبها، تستشعر عظم المسؤولية، أمانة وأي أمانة، أنتم لها أهل وما وجودكم هنا إلا دليل على ذلك. وقد شكل خروج أحبتنا معتقلي القطاع من السجن، بعدما قضوا عقدين من الزمن، إثباتا حقيقيا على مدى وفاء طلبة العدل والإحسان لخط الجماعة، وشاهدا على أمانتهم، وتصديقا لنضالهم الحقيقي في الجامعة المغربية دفاعا عن حقوق الطلاب.

إن الشباب، والطلبة نخبتهم المثقفة الفاعلة، لا ينظر إليهم في الأنظمة المستبدة، مثل نظامنا المخزني، إلا باعتبارهم مصدرا للخطر، تحاك ضده المؤامرات وتصاغ من أجله المشاريع بغية تدجينه وتطويعه، ومن أكبر المؤسسات استهدافا الجامعات التي يراد لها أن تنتج متعلمين لكن مغتربين، والإنسان المغترب هو الذي لا يدرك حدود هويته وماهيته، فلا يحس بفاعليته ولا أهميته ولا يدرك وظيفته في الحياة، ويزداد اغترابه عن ذاته حين تواجهه حقائق الواقع بجميع تفاصيله، فلا هو قادر على الانخراط فيها ولا هو قادر على تطويعها ولا هو قادر على تغييرها، فلا يجد أمامه إلا خيار الهروب من واقعه كما هرب من ذاته، فيضيع في دهاليز رُسمت له بإتقان فيضيع ومعه تضيع الأمة وتنحصر آمالها. هكذا هي مساقات الشاب مصدر الخطر.

لكن في ذات الوقت إن الشباب، وفي مقدمتهم الطلبة، يمثل الأمل الأكبر في الانعتاق من ربقة الظلم والقهر، فجميع الدعاوى الإصلاحية قامت على جهود الشباب وأنجزت ما أنجزت بفضل تضحياتهم. إلا أن هذا الدور لا يستطيعه إلا الطليعة الشابة المتميزة التي تشبعت بروح المبادرة وتملكتها إرادة التغيير والتحرر واشرأبت آمالها إلى الغد الأفضل الذي تحفظ فيه كرامة الإنسان ودين الإنسان وحق الإنسان. طليعة متصالحة مع ذاتها راضية عنها سعيدة بها، تملك قدرات المواجهة والمدافعة. شباب بهذه النظرة الآفاقية وهذه القوة التنفيذية لا تنتجه مؤسسات منخورة ولا مناهج مبثورة ولا رذيلة منثورة ولا آمال مجرورة ولا قلوب مذعورة ولا إرادات مكسورة، إنما يضطلع بتأهيله وتربيته وإعداده أصحاب النداءات الحليمة والأحضان الرحيمة والمقاصد السليمة والهمم المتهممة واليقين الثابت. أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون.

إنها مهمتكم، مهمة نشر الغاية السامية النبيلة التي من أجلها خلق الإنسان، غاية أقرها الله تعالى في كتابه العزيز وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، فحين تكون صلاة الطالب ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين يكون عبدا لله، حين يخضع خضوعا كاملا لمنهج الله وشرعه يكون عبدا لله، حين يعطي الولاء لله ولرسوله وللمومنين يكون عبدا لله، حين يحمل الأمانة التكليفية والرسالة الإسلامية إلى الناس يكون عبدا لله، حين ينطلق في أرجاء الأرض داعيا يكون عبدا لله، حين يقف في وجه الطاغوت ويقول كلمة حق ويعمل لإحقاقها يكون عبدا لله. فإن لم يقم لتحقيق هذه الغاية على وجهها الأكمل ولم يؤدها خير أداء فإنه مجرد همل ورقم من الأرقام، عبدا للطاغوت وللهوى واليأس والجمود والقنوط وكل شيء إلا الله.

إخواني الكرام أخواتي الكريمات،

قصدي من هذه الجولة معكم خارج أسوار الجامعة، أن يمتد نظركم، ونحن معكم، إلى فضاء أرحب، تعيشون فيه مع مآلات ومسارات كلمتكم الصادقة ودعوتكم الرحيمة ونضالكم القوي وسمتكم الراقي. حتى تدركوا، والأكيد أنكم تدركون ذلك، أنكم بنشاطكم وحيويتكم لا تسعون فقط لتطهير مياه الجامعات الآسن ولإفشال مخططات تدميرها الممنهج، إنما أنتم تصنعون رأيا وتخلفون آثار تعم كل الفضاءات المجتمعية والمواقع الجغرافية.

وأسأل الله الكريم الوهاب أن يكون جزاء كل ذلك بما يجود به سبحانه من وافر عطائه في الدنيا والآخرة لكل من ساهم في رسم هذه المسيرة النورانية بموقف أو كلمة أو شهادة أو دم أو ثبات في سجن أو حضن دافئ أو يد حانية، آمين آمين والحمد لله رب العالمين.