من لا وازع له من نفسه يثير فيه حب السبق إلى الله ورسوله ويذكره بمن سلف من الأمة ليتخذ السبيل والمسلك، يغريه ويعزيه فيما فات الأمة من خير، ويزجره عن ملذات نفسه واتباع هواه، يحركه ويؤنبه ويرفعه لأن يكون عنصرا محركا لذاته وأمته، فاعلا مؤثرا محفزا، فذاك عنصر مريض قد ابتليت به الأمةُ وأصيبت إلا أن تتداركه عناية المولى أو يقيض له الله وليا مرشدا يبصره بنفسه ويشده من ضنك الغفلة إلى سعة الذكر والحب والشوق.

لا ينتفع من لا همة له من نفسه وذاته، وما تنفعه رسالة سيد الأولين والآخرين وما تثير في نفسه وما تحرك، ولا تزجره آيات الله في كتابه العزيز ولا ترفعه إلا إذا ألقى السمع وهو شهيد، لا يكون الحديث عن سببية القرآن في التغيير واتباع المنهج النبوي عنده وفضل الأصحاب ومزية صفوة أهل التغيير إلا نافلة من القول، إذ من لم ينتفع لذاته لا ينتظر منه أن ينفع أمته.

من انطمست بصيرته وعمي بصره وصمت آذانه عن الاستماع لكتاب الله تعالى والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقتد بمن سلف من الأصحاب، فذاك شخص لا يرجى منه فلاح ولا تنتظر منه الأمة مغنما ولا شرفا.

عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا أحب الله عبداً جعل له واعظاً من نفسه، وزاجراً من قلبه، يأمره وينهاه” 1 ، ذاك المؤمن الذي تتعظ جوارحه ويخشع قلبه وتقوى إرادته وتُشحذ عزيمته ما ذُكر بالله وبرسله وبأهل الفضل، ذاك الذي يستقيم أمره ويُرجى منه أن يكون من أهل السبق والفوز والفلاح، من مثل أولئك يكون عظماء الأمة وأملها وعزها، ولمثل هؤلاء تضرب الأمثال وتساق.

أما من انطمست منه الهمة وخنس إلى تراب الأرض لا هم له إلا أن يجمع من الدنيا الحطام، لا تعنيه الأمة في شيء ولا غيرة له إلا حرصه على شهوة نفسه أو سطوة عقله أو نفاذ حكمه، فالحديث معه عن النهوض والتمكين والتغيير ضرب من الجدل والخرافة، وفي أحسن أحواله ذلك زمن قد انقضى وولى، فلا مطمح ولا أماني.

كيف تحولت همة الأمة الساعية الداعية المربية الحانية، من أمة ترجو الله واليوم الآخر وتأمل وتعمل لتمكين دين الله تعالى دين الخلاص والعدل والمساواة، إلى همة أسكتها ظلم جور بني الاستكبار، وأفحمها وأدهشها ما فتح الله على بني البشر من خوارق العلوم الكونية وما لاح في الآفاق.

أم أن القلوب اعتلاها هوس الدنيا وحرصها على عيش ولقمة ومسكن وسط عالم يموج بحمى الاستهلاك والاكتناز حتى لم يعد لها بكتاب ربها وسنة نبيها اتصال، وأضحى الحديث عن اللقاء والشوق والمحبة والتغيير والتجديد والنهوض والتمكين ضربا من الخرافة بين الناس أو حديث أبكم لأخرس، أي ران هذا الذي طرأ على عزائم القوم وعلى واعظهم الذاتي؟.

ثم أي موعظة هاته التي يرجى منها أن ترفع همم المسلمين وتوقظ فيهم الوازع وتذكر بموعود الله المرتقب المنتظر في النهوض بالأمة والاستخلاف الحق، وأي قلب ذاك الذي يجمع حوله ويؤلف ويربي أفراد الأمة و ينظم، وأي تجديد هذا الذي يُسلك لمخاطبة هذه القلوب ويرفعها لهمة اللقاء والفوز والفلاح والجهاد في زمن طال فيه الأمد وقست فيه القلوب وغلب أهل الأهواء؟.

من يظن أن نصر الأمة وفوزها وفلاحها رهين بمجيء المهدي عليه السلام أو نزول المسيح عيسى عليه السلام دون أن تكون الأمةُ على مستوى الموعد وعلى قدر رفعة المطلوب والمرغوب، دون أن تكون لها همة في الجهاد، فذاك امرؤ حالم هائم، بل النصر والفلاح والفوز حينما يكتمل للأمة النضج وتهتبل بذكر موعود الله تعالى، وانظر إلى أهل التغيير في زمان الأمة السالفين ما كان الأمر مقتصرا على رجل جاء الأمة بضربة لازب، بل انظر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ربى وكون وعلم واعتنى ودعا وصبر حتى تكون الجيل الفذ العظيم الذي حمل رسالة الله إلى خلق الله.

عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه أتي بطعام وكان صائما فقال “قتل مصعب بن عمير وهو خير مني كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطي رجلاه بدا رأسه وأراه، قال وقتل حمزة وهو خير مني ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام” 2 .

هل تكفي في أمة الزمان المواعظ لينبعث الوازع والإرادة…؟

قال الله تعالى مذكرا واعظا ممتنا منبها: قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ.


[1] رواه الديلمي.\
[2] رواه البخاري.\