بسم الله الرحمن الرحيم

جماعة العدل والإحسان

بتوفيق منه تعالى، وتحت شعار “طلبة العدل والإحسان: فعل في التاريخ متجدد، روحه الوفاء وقوامه العطاء” عقد القطاع الطلابي لجماعة العدل والإحسان بمدينة سلا أيام 26،27 و28 ذي الحجة 1430هـ الموافق لـ14، 15 و16 دجنبر 2009، المؤتمر الوطني الثالث عشر تحت اسم “دورة المعتقلين الإثني عشر”، وقد كان اختيار هذا الشعار وهذا العنوان فرحا بخروج معتقلي فصيل طلبة العدل والإحسان، معتقلي الحركة الطلابية، معتقلي الكرامة والعزة والرجولة، من سجون الجبر، كما تم اختيار الشعار وفاءا لهؤلاء الأبطال الأشاوس الذي سجل التاريخ بمداد الفخر ثباتهم وصمودهم وتقديمهم برهان صدق طلبة العدل والإحسان، بل أعطوا مثالا لكل أحرار العالم، إذ لم تفلح سنوات الاعتقال العجاف، رغم طول السنين وقساوة السجان، في أن تخضع إراداتهم المتوثبة أو أن تنال من هممهم السامقة، فعادوا، بفضل من الله تعالى، بقرآن يملأ صدورهم وعلم يشع نوره من عقولهم وشواهد تشهد علو رايتهم.. وخاب سعي الظالمين وباءوا بالخسران المبين.

تزيت قاعة المؤتمر التي نزل بها مؤتمرون عن كل المدن الجامعية بحضور جل معتقلي العدل والإحسان الاثنى عشر المفرج عنهم باستثناء الأخ بلقاسم التنوري -عجل الله بالإفراج عنه- الذي مازال في السجن شاهدا على ظلم المخزن وجوره، وكذا بحضور نخبة من قيادات الجماعة على رأسهم الأستاذ فتح الله أرسلان والأستاذ عبد الواحد المتوكل الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان والأستاذ عبد الكريم العلمي ممثلين عن مجلس الإرشاد، والأستاذان عبد الصمد فتحي وعبد الله الشيباني عن الأمانة العامة للدائرة السياسية وكذا الأستاذ حسن بناجح الكاتب الوطني لشبيبة العدل والإحسان وعضو الأمانة العامة، إضافة إلى ممثلين عن مختلف مؤسسات الجماعة و قيادات طلابية سابقة، أشادوا في كلماتهم بالدور الريادي لفصيل طلبة العدل والإحسان بالساحة الجامعية وبما قدمه أعضاؤه من تضحيات جسام خدمة لقضايا الطلاب والجامعة، كما عرضوا لجملة من القضايا الراهنة على كافة المستويات السياسية الوطنية والدولية مذكرين بمجموعة من الثوابت المنهاجية في التربية والدعوة والسياسة.

لتنطلق بعد ذلك في أجواء تملؤها المحبة في الله والتناصح والتشاور أشغال المؤتمر، حيث انكب الحاضرون على مدارسة مشاريع الأوراق والقرارات المعروضة للنقاش والتصويت والتي شملت مختلف القضايا الطلابية والجامعية والوطنية، من أهمها:

التقرير العام لأداء القطاع، الورقة السياسية، الورقة النقابية، الورقة التنظيمية، الورقة التعليمية، ورقة العلاقات العامة إضافة إلى جملة من الملتمسات شملت قضايا دعوية وتربوية وتكوينية.

وفي مستهل الأشغال وجه المؤتمر رسالة محبة ووفاء إلى الوالد الكريم والمرشد الحبيب الأستاذ عبد السلام ياسين وإلى الأحبة في مجلس الإرشاد شاكرين لهم حسن صنيعهم و دفئ احتضانهم و جميل نصحهم وإرشادهم.

وبعد نقاشات معمقة لواقع العمل الطلابي ودراسات مستفيضة لآفاقه المستقبلية كان من بين ما خلص إليه المؤتمر:

على المستوى الدولي:

تظل دواليب الإنتاج والاستهلاك و دواليب تسيير أمر العالم تدور في دائرة الاستكبار العالمي، تستعبد الإنسانية وتلتهم وجودها وخيرات أرضها لتوشم ثلاثة أرباع المعمور بالفقر و الفساد و الجهل و المرض والظلم وسلب الأرض و الحياة. واقع يرخي بظلاله القاتمة على أمة الإسلام التي هي جزء من مستضعفي العالم ليستمر فيها نزيف جراح العقود و تعاد في أطرافها كرات الكيد والحروب، فمن فلسطين العزة، قدسها وغزتها والضفة، وشهدائها و الأسرى و العودة، إلى عراق العراقة فأفغانستان والصومال والسودان وباقي البلدان الإسلامية المتكالب عليها، ومن سلم منها من الاحتلال العسكري والعقوبات الدولية فليس بمنأى عن الاستعمار بوساطة القائد الأوحد والحزب الأوحد والرأي الأوحد، ولا عن الغزو الثقافي، ولا عن مرمى حراب السلعة والصورة والإملاءات. لتطلع علينا عاصمة الديمقراطية الدولية سويسرا في شهر حقوق الإنسان باستفتاء شعبي لحظر المآذن، ما يفتح إجراؤه و نتائجه الباب على مصراعيه أمام استفحال التضييق والميز العنصري ضد المسلمين بأوروبا، لتضاف هذه الهجمة إلى مسلسل محاربة الوجود الإسلامي بالغرب التي كان من أبرزها في السنوات الأخيرة الإساءات إلى الشخص الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وحظر الحجاب…

في ظل هذا الاستعراض وجه جموع المؤتمرين تحياتهم الحارة إلى أبطال المقاومة و الممانعة، شهداء وأسرى ومرابطين، وإلى كافة القوى التحررية. كما استنكروا العدوان على الأمم المستضعفة وتواطؤ المنتظم الدولي وتخاذل النظم العربية والإسلامية وتهافتها على التطبيع مع الكيان الصهيوني، والذي سجل بكل أسف وبكل شجب في هذا السياق، جريمة استقبال مجرمة الحرب تسيبي ليفني من طرف السلطات المغربية.

على المستوى الوطني:

سجل المؤتمر بأسف شديد حالة التردي الخطيرة التي وصلت إليها الأوضاع السياسية والحقوقية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية في المغرب بفعل السياسات المخزنية والحلول الترقيعية وما يصاحبهما من بهرجة إعلامية و انكباب على إطفاء جذوة الوعي لدى الشعب المغربي، ما يزيد من ألم ومعاناة وانسداد الأفق لمختلف فئات الشعب.

وقد اتضح الأمر بكل قتامته للجميع في الداخل والخارج، وأصبح المغرب يتبوأ صدارة التقارير الدولية التي ترصد تخلف الشعوب وتصف فسادها في مختلف المجالات من تفش للرشوة وقمع للحريات ومصادرة للرأي، وما الاستهداف الخطير للصحافة في الآونة الأخيرة إلا علامة من علامات الخراب السياسي، بل وطالت حالة الانحطاط حتى المجالات الفنية والإعلامية والرياضية في غياب تام لمساءلة المسؤولين ومحاسبة المفسدين.

وخلاصة القول أن الاستبداد السياسي والجشع الاقتصادي إضافة إلى خراب الذمم -إلا من رحم الله- شكلت ثلاثية مهلكة أتت على أخضر هذا الوطن الحبيب ويابسه، هذا ليس مبالغة ولا امتهانا لتهويل الأمور فلسنا من هواة رسم اللوحات السوداء، بل هي المعطيات صادمة والمؤشرات والنتائج و مآلات الأمور.

أمام هذه الأوضاع دعا المؤتمر كما القوى السياسية وكل الضمائر الحية بهذا البلد الحبيب إلى الدخول في حوار حقيقي والتوافق على أرضية مشتركة لإخراج البلد من حالة الانحطاط والتردي التي تتفاقم يوما عن يوم، كما طالب المؤتمر بضرورة وقف مسلسل القمع والحصار ووضع حد نهائي لملف الاعتقال السياسي عموما ولملف الأستاذ عمر محب بصفة خاصة.

على المستوى الجامعي:

1- حيى المؤتمر كل أبناء وبنات القطاع الطلابي لجماعة العدل والإحسان على مجهوداتهم الجبارة وتفانيهم في خدمة الطلاب والدفاع عن مصالحهم ووقوفهم الصامد في طليعة المناهضين للظلم المسلط على الطلاب والجامعة.

2ـ ثمن المؤتمر عمل هياكل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وعلى رأسها لجنة التنسيق الوطني، وعبر عن استعداده الكامل لمواصلة دعم حركتها لخدمة المصلحة الطلابية العليا.

3ـ استنكر المؤتمر أحداث العنف التي شهدتها عدد من الجامعات مؤكدا على رفض كل أشكاله مهما تنوعت دواعيه ومسبباته ومحملا المسؤولية الأخلاقية والسياسية لكل طرف يساهم في إشعال فتيل الصراعات الطلابية-الطلابية.

وفي هذا السياق نوه المؤتمر بمبادرة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في شخص الكتابة العامة للتنسيق الوطني الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار في الجامعة وأكد استعداد الفصيل الكامل للانخراط في كل مبادرة جادة من هذا القبيل، داعيا الفصائل الطلابية إلى الترفع عن الحسابات الضيقة وتدشين حوار حقيقي لإخراج الجامعة من أثون العنف وتأسيس جبهة طلابية لمناهضة الإفساد المخزني للجامعة.

4 – إدانتنا للتدهور الخطير الذي تعرفه الوضعية الاجتماعية التي يعيشها الطالب المغربي لاسيما في ظل: محدودية الطلبة المستفيدين من المنحة، وجمود قدرها رغم الوعود المتكررة بالزيادة فيها، ثم التأخر الممنهج في صرفها. إضافة إلى تنامي مشكل النقل الجامعي بشكل ملفت للنظر، ومشاكل السكن الجامعي الذي لا يغطي سوى 12 في المائة من الطلبة الآفاقيين، مما يجعل من عشرات الآلاف منهم لقمة سائغة للمضاربين وسماسرة الكراء.

5- استنكرنا الشديد سياسات القمع والحصار التي تستهدف النضال الطلابي و إدانتنا طرد المناضلين و التضييق على أنشطة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، و تأكيدنا أن مقاربة المخزن الجامعة والحركة الطلابية بالمنطق الأمني لن يوقف زحف النضال الطلابي ولن يثنينا عن الاستمرار في الفعل والوفاء والعطاء الذي رفعناه شعارا لمؤتمرنا.

وفي الشأن التعليمي:

تفصح مجموعة من الأرقام الرسمية و غير الرسمية و مجموعة من التصنيفات الدولية و الواقع الذي يخبرك أن ما تعيشه لا ما تسمعه عن الوضع المتأزم للشأن التعليمي.

– نسبة الاكتظاظ مرتفعة في المؤسسات الجامعية ذات الولوج المفتوح؛ إذ تصل نسبة استعمال القدرة الاستيعابية 167 % في مؤسسات الآداب (يشكل طلابها 31.51 % من العدد الإجمالي للطلاب)، وتصل 143% في مؤسسات الحقوق والاقتصاد (يشكل طلابها 42.83 % من العدد الإجمالي للطلاب).

– خصاص كبير في التأطير البيداغوجي لاسيما بعد عملية المغادرة الطوعية الأخيرة.

– ضعف البنية التحتية وغياب الشروط المادية لتنزيل الإصلاح على علاته، وفشل الجامعة في الانفتاح على محيطها.

أزمة أقر الخاص والعام بها وبما أنتجته من تدهور للجودة والإنتاجية في كل أسلاك التعليم وانسداد الأفق للمتخرجين، لتطلع علينا الدولة بعد الاعترافات بالفشل التي لم يتلوها أبسط ما يتلو عامة المشاريع من التقييم والتقويم و المساءلة، -فما الحال بورشة عليها بناء الأمة و الدولة- بالمخطط الاستعجالي، برنامج جاء كسابقه في سياق نجمل القول عنه في تأسيسه على غير إرادة حقيقية للتغيير وعلى غير مقومات شعبنا الوطنية والعربية والإسلامية، وفي مضمون يحمل إلى جانب مشاريع طموحة أهداف خطيرة للإجهاز على المنظومة التعليمة.

إن النصر للحق مهما بلغت سطوة الباطل، وإن مبادئ العدل والكرامة والحرية تعلو خفاقة يبلج صبحها مهما غاص ليلها في دلج الظلم، ولن تحجبها غشاوة المخزن مهما بلغت وحشيته. وإن للرجولة والرشد في زمن الاستخفاف ثمنا باهظا عرفنا قدره واسترخصناه في سبيل الله، وفي سبيل إحقاق الحقوق الطلابية والدفاع عنها شعارنا في ذلك وفاء وعطاء.

والحمد لله رب العالمين.