كثيرة هي المفارقات في زمن الهرولة العربي الرديء هذا، ومن أوجهها أن يقوم قضاء مملكة صاحبة الجلالة وبلد المشؤوم “بلفور” بإصدار مذكرة توقيف للمجرمة “ليفني” لاتهامها بجرائم حرب ضد الإنسانية اقترفتها في غزة، في الوقت الذي تستقبل فيه “داعية السلام” بالأحضان في بلد يدعي فيه مسؤولوه الدفاع عن القدس وتجوب المملكة طولا وعرضا ولا من يحرك ساكنا، فنحن في بلد “التسامح والسلام”!!!

مفارقة غريبة أن يملك القضاء العريق الشجاعة والجرأة لإصدار قرار التوقيف، منسجما في ذلك مع ذاته، ومحترما لعراقته وتراثه في خدمة العدالة والحق، رغم أنه يعلم حجم المخاطرة وحجم الضغوطات وحجم الماضي الأسود للحكومات البريطانية في دعم الصهاينة بدءا من وعد بلفور المشؤوم وحتى الآن.

لكن مع ذلك يصدر القرار ليعلن عن استقلاليته وعن حياة الضمير الإنساني في بريطانيا، ولينعش الأمل في نفوس كل أشراف العالم وأحراره بأن الإنسانية ستصحو على حجم الهمجية والنازية الصهيونية وعلى كارثية الإفساد الإسرائيلي في الأرض قريبا، وليكشف مدى الانهزامية العربية الرسمية وفداحة الانبطاح العربي المقيت.

مفارقة أغرب تتمثل في هذا الصلف اليهودي وهذه العنجهية غير المسبوقة، “فإسرائيل الطارئة الصنيعة” لم تتقبل القرار وأحست بالإهانة وتهدد الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وتزبد وترعد، ليعتذر الموظفون البريطانيون أسياد الأمس ويركعوا أمام سطوة لوبيات الضغط الاقتصادية والسياسية والإعلامية.

لكن من الواضح أن حبل مشنقة العدالة بدأ يضيق على “ليفني” و”باراك” و”أولمرت” وغيرهم من مجرمي الحرب الصهاينة الذين باتوا يحسبون لكل خطواتهم خارج الدويلة المصطنعة ألف حساب، إذ إلغاء “ليفني” قدومها إلى بريطانيا، لأنها تعلم أن أمر الاعتقال ومذكرة البحث قد صدرت، مؤشر قوي في هذا الاتجاه.

فشكرا لقضاء صاحبة الجلالة، الذي أقدم على فعل ما لم تستطعه عنتريات أصحاب الفخامة والمعالي والمهابة والسمو، من محيطها إلى خليجها. وسنكون مسرورين إن بقي هذا القضاء ثابتا على موقفه ولم يخضع لضغوط لوبيات المصالح وميزان القوى السائد. حينها سيكون الدرس كاملا. نرجو من صميم القلب ذلك.