التقويم الهجري يؤرخ لحدث عظيم في تاريخ الإسلام، حدث كان بمثابة انقلاب وانعطاف سيطبع تاريخ البشرية جمعاء.

أراد الله سبحانه وتعالى أن ينقل المؤمنين من ضيق العيش إلى سعته، ومن ظلم وجور القريب إلى بر وإحسان النصير، نقلة من أجواء الحصار إلى محضن الإيواء والجوار.. هجرة من دار أبت أن تحتضن دعوة التوحيد إلى حين، نحو بلدة حنت إليها، فحل بها الأنس وأشرقت أرضها نورا وفاحت أجواؤها طيبا..

هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة أحب أرض الله إلى قلبه، هاجر ملبيا أمر ربه نحو المدينة، نحو قدر الله ولا خيرة له عليه الصلاة والسلام، فقد اختار الله، فصار اختيار الله أحب إليه عليه السلام من كل ما سواه.

“سلنا غيرها..!”

جاء نفر من مشيخة قريش يطلبون أبو طالب ليسألوه أن يمنع بن أخيه من سب آلهتهم وتسفيه أحلامهم على أن يتركوه ويدعوه وإلهه، فكان رد النبي صلى الله عليه وسلم أن قال لعمه: “أي عم، أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها: قال: وإلى ما تدعوهم؟ قال: أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم. قال: فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ لنعطينكها وعشرا أمثالها. قال: تقول: لا إله إلا الله. قال: فنفروا وقالوا: سلنا غيرها.” 1

هذا من قومه.. قريب من عشيرته، يعلم فضله عليه الصلاة والسلام وصدقه، لكنه أبى واستكبر وتمنع، بل إن قريشا كلها لم تنكر صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن كبار القوم ما كانوا ليقبلوا دينا يسوي بينهم وبين الفقير الوضيع، ما كانوا ليعتنقوا عقيدة من شرائعها عتق رقاب العبيد لتخضع لرب العباد، ما كانوا ليومنوا بدين يجعل الفضل والقرب في أتقى الناس وليس في أغناهم أو أحسنهم مظهرا وأكرمهم نسبا.. منعهم كبرهم وكبرياءهم أن يلتفتوا وينتبهوا إلى ما وراء ذلك الإيمان وتلك التلبية لدعوة التوحيد، تولوا فخسروا الدنيا والآخرة..

القريب يتجهمك ويحاصرك ويظلمك وهو يدرك صدقك ويعلم سريرتك وأنك تريد الخير، رغم ذلك يَمْتنع ويَتَمَنع ويأبى أن يَتبِع.. فيَضِيع ويُضَيِع..

هذا كان مع من بعثه الله رحمة للعالمين فما بالنا نحن..؟ ما بالنا نضجر ونغضب إذا نهرنا أحد أو تجهم؟ ما بالنا نضيق ونصخب إذا حاصرنا أحد أو ظلم؟ لا نرضى بالظلم ولا نقبل الحصار ولا نعطي الدنية من أنفسنا.. بدعوى الصبر والرضى بقدر الله، بل نرفض وندافع ونحاول رفع الظلم لكن برفق وبدون تعصب أو تطرف، نهرب من قدر الظلم والحصار والاستبداد طلبا لقدر العدل والشورى والإحسان..

قد لا نقول كل الحق اليوم رفقا بالناس وتدرجا بهم.. لكن لا نقول ولا نُسهم ولا نبرر الباطل أبدا..

بعيد.. “..وإنها لحق!”

وهذا رجل من بني عامر بن صَعْصَعَة يقال له بَحِيرة بن فِراس، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلس إلى قومه يدعوهم إلى الله ويعرض عليهم نفسه، يقول: “والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب. ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ..؟” 2

فبماذا سيملك هذا الرجل من غير قريش رقاب العرب؟ وما هو هذا الأمر الذي يسأل الرسول الكريم أن يكون في قومه بعده؟

ما وعده الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء من أمر الدنيا.. إنما هي الجنة..!

عاد النبي صلى الله عليه وسلم راجعا من الطائف إلى مكة ودخل في جوار المطعم بن عدي وهو من المشركين، ثم واصل دعوته سرا وعلانية، وكان يعرض نفسه على الناس في المواسم، فكان ممن أتاهم من القبائل، قبيلة كِنْدَة وبطن بني عبد الله من قبيلة كلب وبني حنيفة وبني عامر بن صَعْصَعَة، فما أجابه إلى ما يدعوهم إليه أحد إلا ما كان من أمر شيخ بني عامر بن صعصعة، وكان لا يخرج إلى المواسم لعجزه وكبر سنه، فقد أخبره قومه عن أحداث وأخبار الموسم الذي كانوا فيه وعن ما كان من خبر محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، ونبوته فقال لهم وهو يتحسر..: … والذي نفس فلان بيده ما تَقَوَلَهَا إسماعيلي قط ! وإنها لحق ، فأين كان رأيكم عنه!) 3

رجال من غير قومه أدركوا أهمية وفضل ما يدعو إليه عليه الصلاة والسلام، في الدنيا “.. أيكون لنا الأمر بعدك..” وفي الآخرة “.. وإنها لحق ..” علموا أن ما يدعو إليه سيكون لهم فيه النصيب الأوفر والفضل الأكبر، فما أرادوا أن يسبقهم إليه أحد .. حرص على الاستئثار بالخير، ونعم الحرص!

عبرة وعبور

لا هجرة بعد اليوم، لكن نية وجهاد، لا هجرة بعد اليوم لكن عبرة وعبور..!

عبرة نستلهمها من ذلك الحدث الذي غير مجرى حياة البشرية، فنقلها من ظلام وظلم الناس للناس إلى نور وعدل إله الناس، ما كان للبشرية أن تهنأ لولا الإسلام. ما كان لها أن تسعد لولا رحمة ورفق وتؤدة الإسلام. الإسلام علم العالم كيف يكون الجوار وكيف يحسن المرء إلى زوجه وكيف يسالم ويقاتل وكيف يصل ويقطع و كيف يعطي ويمنع .. الإسلام ربى الناس على الخير ونمى فيهم إلى جانب حب الآخرة حب الحياة وعمارة الأرض بالخير..

وهي هجرة وصل وعبور من ذلك العهد إلى عهدنا وما أدراك ما عهدنا! عهدنا يشهد إعادة فتل ما انتقض من عرى الإسلام لتهيئة أجواء استقبال أمر الله.. عهدنا هو نهاية استبداد كل ظالم ونهاية انكماش قوة الإسلام.. عهدنا هو زمان العزة والنصر والمنعة والضفر.. عهدنا نور على نور.. عهدنا يقضة وهمة وقيام من كبوة وعودة..

قدر الله بين أيدينا يدعو وينادينا ويصدع بالخير فينا، يعلن ويبطن ويجهر ويسر بالليل والنهار ويأخذ بحجزنا ويدفعنا في صفه مع ركبه.. والله إنه لحق يأتيه التأييد من الغيب والشهادة، والله انه لصدق برهانه ما يراه الناس وتراه.. أَنُسْبَق إليه وقد نشأ بيننا، أيحتضنه وينصره غيرنا ونحن أولى به وأجدر؟ لا والله لسنا فيه من الزاهدين ولسنا عنه راغبون..

كان الله عز وجل يهيئ الأسباب ويذلل الصعاب، ولما أراد إظهار دينه، خرج الرسول صلى الله عليه وسلم في أحد المواسم وبينما كان يعرض نفسه على قبائل العرب لقي عند العقبة رهطا من الخزرج وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن: فقال بعضهم لبعض: تعلمن والله إنه النبي الذي تُوعِدُكم به يهود، فلا يَسْبِقُنكم إليه) 4 ، فكانت هذه هي أولى الوفود التي آمنت بالدعوة الإسلامية من خارج مكة فتمت بذلك بيعة العقبة الأولى. ثم تلاها لقاءان آخران، لقاء العقبة الثانية وقد حضر فيه إثنا عشر رجلا من الأنصار وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء.

وبعد ذلك، وقد فشا الإسلام في يثرب، خرج مسلمو الأنصار إلى الموسم وتواعدوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، على لقاء آخر، فكانت بيعة الحرب التي حضرها سبعون رجلا وامرأتان، وقد بايعوا على أن يمنعوا الرسول صلى الله عليه وسلم مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم.

شهادة ودلالة

كتب الله على نفسه ليغلبن هو ورسله، وهو سبحانه يعلم حيث يجعل رسالاته، ويجعل لكل أجل كتاب.

دعوة العدل والإحسان بيننا، والرجل الذي جاء بها بين ظهرانينا، يسير على أثر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لا نزكي على الله أحدا، إنما أقول ما شهد له به علماء الأمة في المشرق والمغرب، بل ما شهد له به غير المسلمين، أعرف خير الرجل لأنه كان ولا يزال دليلي إلى الخير، أعرف فضله لأن ديني ينهاني أن أنسى فضل من أحسن إلي ..

الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان ما زال بيننا، وقد كان بيته في يوم من الأيام مفتوحا للجميع، فجاء قدر الحصار ومنع عنه الزوار لفترة.. ثم رفع عنه بعض ذلك الحصار لكن لا يعلم أحد ماذا تخبئه الأقدار؟

من بلغه خبره يغبطنا نحن المغاربة، يقول لنا “إن عندكم رجلا مباركا قد حِيز له الفضل فتشبثوا به واتبعوا دعوته وانصروه..”

من علم فضله من علماء المسلمين يرجو ويتمنى على الله أن يكتب له فرصة زيارته والجلوس إليه ..

من أدرك ما يدعو إليه يود لو أنه بينهم ومعهم ..

الناس يطلبون الرجل من خارج بلدنا، والله إنهم يتشوفون ويرجون رؤيته ومشافهته، ليس تبركا ولا تقديسا ولا تقربا مبتدعا ولا تدليسا، إنما ليقينهم بأن ما يدعو إليه الرجل هو الحق وهو أحق أن يتبع، فالعبرة العبرة، فلا يسبقننا إليه أحد، لا نمانع الأقدار ولا نصانع، بل نوافق ونسابق، ونرجو الله أن يبارك ويجعل ما نريد في ما يريد.. والحمد لله الحميد المجيد.


[1] الطبري، تاريخ الأمم والملوك، بيروت 1987، مجلد 1، ص544.\
[2] نفسه، مجلد 1، ص 548.\
[3] نفسه، مجلد 1، ص 556.\
[4] نفسه، مجلد 1، ص 558،\