مقدمة

في إطار المخطط الاستعجالي والارتجالي الذي تُروج له السلطات المخزنية في قطاع التربية والتكوين وردت على المؤسسات التعليمية مذكرة وزارية تدعو إلى تأسيس جمعية “مخزنية” 1 مِن مهامها صرف بعض الملايين من السنتيمات معتبرين ذلك سيحقق الرفع من نسبة ومعدل النجاح بالمؤسسة وينهض بما فشلت فيه الدولة منذ عشرات السنين. وحتى تكرس الدولة تجاوزها للقانون قررت أن تحرم رجال التعليم (أطر ومُدرسين وتلاميذ وآباء…) من حق اختيار رئيس الجمعية وأمين المال، ففرضت بطريقة إكراهية -وكما تفعل خلسة في أغلب اللجن والأحزاب والنقابات- أن يكون الرئيس هو المدير وأن يكون المقتصد هو أمين المال، وأضافت في بعض المؤسسات شرطا عجيبا تم تمريره عبر وزارة الداخلية وهو منع بعض الأساتذة والأستاذات الذين لا ترغب فيهم السلطات المخزنية -وإن انتخبهم الجمع العام- مِن حقهم في عضوية مكتب الجمعية!! وبدون تقديم أي مبرر قانوني مكتوب!!!

هذا ما وقع معي شخصيا حيث رفض قائد المقاطعة الرابعة وباشا المدينة تسليم ثانوية أولاد احريز وصل الجمعية بحجة أن مكتبها يتضمن شخصا مُنتَخَبًا غير مرغوبٍ فيه اسمه: أحمد الفراك!!! ودليل المنع في نظرهم هو وجود تعليمات!!!. عُذر أكثر من زلة. 2

من الناحية الشرعية: هذا ظلم

حرم الإسلام الظلم وجعله مُحرما بين الناس، وأمر المسلمين ألا يظلم بعضهم بعضا، لكن السلطة في المغرب لا تقوم إلا على الظلم، إذ المواطن المغربي أرخص مواطن في العالم، يُهان ويُضرب ويُمنع ويُقمع ويُسجن ويُعذب ويُطرد ويُنفى ويموت غرقا في البحر أو خنقا في مجاري مياه الصرف الصحي أو حرقا في شركات تمتص جهد المستخدمين بأبخس الأثمان، ولا من يدافع عن هذا الشعب اليتيم المسكين الذي أردته السياسات الفاشلة لمخزنٍ ضالعٍ في الظلم والفساد والإفساد ومحاربة الإسلام واضطهاد المسلمين، بلا كرامة.

وما تقوم به السلطة في حقي –وآلاف المواطنين- هو عين الظلم، وإلا هل يتصور مسلم مبتدئ في الإسلام أن دين الإسلام يجيز لصاحب السلطة أن يعتدي على حقوق الناس التي وُلدت معهم ولم يمنحها لهم أحد غير الله سبحانه وتعالى؟ وهل كانت رسالة المصطفى الخاتم صلى الله عليه وسلم هي تحرير المسلمين والناس أجمعين من ظلم الظالمين أم سوقهم كالنعاج البكماء لتذبح قُربانا عند أقدام الطغاة؟ ثم أليست المعركة مع الظالم تمتد من الدنيا إلى الآخرة؟…

من الناحية القانونية: هذا تعسف

جميع التشريعات والقوانين العالمية والمحلية تؤكد حق الإنسان في التفكير والتعبير والتجمع في إطار القانون، غير أن الذين يمنعونني هم أول من يخرق القانون ويتجاوزه، ففي الفصل الخامس من الدستور المغربي مثلا نجد أن: جميع المغاربة سواء أمام القانون)، وفي الفصل التاسع نجد أن لجميع المواطنين حرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة نقابية وسياسية وحسب اختيارهم ولا يمكن أن يوضع حد لممارسة هذه الحريات إلا بمقتضى القانون). فأين تغيبت هذه المواد الدستورية يوم أجمعوا على منعي من أغلب حقوقي التي تكفلها لي ولغيري جميع القوانين؟ منعوني من الحصول على جواز السفر في حين تستفيد منه البغايا والشواذ وأعداء الوحدة الترابية وتجار المخدرات والمجرمون الكبار… ومنعوني من الانتماء لأية جمعية مدنية وكأنهم أمام تسونامي ساحر سيجرف المخزن وزبانيته في لمحة بصر، ومنعوني من تأطير عشرات المحاضرات والندوات والأنشطة التربوية والعلمية والفكرية والسياسية، حتى ألبسوني ثوبا لا أملأه.

رغم ذلك، وإن كانت السلطة تريد أن تمنعني من هذه الحقوق فعليها أن تبرر هذا المنع قانونيا وأن تقدم المنع كتابيا، وإلا فهي ظالمة وتتستر على فعلتها الشنيعة وراء تبريرات أوهى من بيت العنكبوت… وبالتالي فهي تستغل النفوذ للشطط في استعمال السلطة، وهذا يُثبت بما لا يدع مجالا للشك بأننا في بلد القمع والمنع والظلم والفساد ولسنا في دولة الحق والقانون. فالسلطة المغربية للأسف لا يهمها الشرع ولا القانون ولا الإنسان، لها منطق خاص هو منطق الولاء للمخزن، وتجبر الناس على الاقتناع المَرضي بالمبدأ المشؤوم: “أنا مُتمخزن إذن أنا موجود” وإذا لم تكن فأنت مطرود…

لكن والحمد لله لا يفلح المخزن حيث أتى، والله لا يصلح عمل المفسدين، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

لماذا منعوني؟

– هل لو كنتُ يهوديا كانوا سيمنعونني؟

اليهود والصهاينة يستقبلونهم استقبال الأحباب والأصحاب، ومنهم المستشارون والزبانية والسادة.

– هل لو كنت شاذا جنسيا كانوا سيمنعونني؟

بالطبع لا. وأين يجد الشواذ راحتهم وحمايتهم غير المغرب؟

– هل لو كنت ملحدا كافرا مارقا من الدين كانوا سيمنعونني؟

ليس الإلحاد -أو الشرك أو الكفر أو الزندقة- ممنوعا في دولة المخزن… وإنما الممنوع أن تحمل معك إيمانك دون ترخيص.

– هل لو كنت متمخزنا كذابا على الشعب ركاعا للأصنام كانوا سيمنعونني؟

لو كنت كذلك لكنت من المقربين، كما قال فرعون للسحرة نعم وإنكم لمن المقربين.

لا شماتة

تسعى السلطة جاهدة لنشر الإشاعات الكاذبة عن الذين يُسببون لها حرجا قانونيا وواقعيا وخاصة إذا كانوا “متدينين”، كما تحرص على عزلهم عن الناس ونعتهم بأقدح النعوت، فتراها تصرف، بل تخسر من أجل ذلك جهودا كبيرة وأموالا كثيرة أحرى بها أن تصرفها في وجوهها الحقيقية التي تخدم مصلحة هذا الشعب المُفَقَّر، المستضعف والمُتهم، إلا أنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله حيث غالبا ما يحدث عكس ما يخططون له في الخفاء. فينصر الله عباده ويمكر لهم ويدافع عنهم، وينقلب بإذن الله اضطهادهم انتصارا وتهميشهم انتشارا وعزلهم استمرارا، قال سبحانه: إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خَوانٍ كفور.

وهذا ليس من صناعة البشر وإنما هو صنع الله تعالى الذي أتقن كل شيء، وكتب لنا المحبة بين خلقه، فعلاقتنا ولله الحمد ملؤها المحبة والمودة والاحترام مع الجميع؛ أطر وأساتذة وتلاميذ المؤسسة، بل ومع جميع من يعرفنا ونعرفه -باستثناء الظلمة وأعوان الظلمة-، قال الله تعالى: الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدا. اللهم اجعلنا منهم.

رغم سكوت العلماء والخطباء خوفا وطمعا، ورغم شخير الأحزاب في حِجر السلطة، ورغم نعت المغرب دوليا بالاستبداد والتراجع والتخلف وانتهاك حقوق الإنسان 3 … رغم ذلك لا يزال في المغرب شرفاء وفضلاء من الرجال والنساء يسمون بمسمياتها الأسماء وينكرون على الظالم جرائمه الشنعاء، ويدورون مع الحق ويتحملون الأعباء والعناء، صابرين مبتسمين في السراء والضراء… أولئك هم مِلح البلد ونواة الخير ونجوم الهدى في الفتن الظلماء.

المخزن سلطة فاسدة

ما من فسادٍ في المغرب إلا ووراءه سلطة المخزن تَحرسه وتُشجعه وتُمَوِّله وتَحميه، ولم يتغير منها شيء رغم تلك الشعارات الفضفاضة الكاذبة، وتلك الوعود الملونة البراقة، وتلك الخطب الموسمية المملة… وإلا فمن يحمي المخدرات والخمور والفجور والدعارة والعهارة والشدود الجنسي ومهرجانات الفواحش وتزوير الانتخابات والرشاوى الصغيرة والكبيرة، فضلا عن الاختطافات والاعتقالات التعسفية والتهديدات بالتصفية الجسدية وتلفيق التهم الباطلة واستصدار الأحكام الظالمة؟؟؟

ونِعم قول الحكيم: كلما دخل المخزن إلى بلدٍ إلا وقال له الفساد خُذني معك. لهذا كان أجدادنا وآباؤنا يكثرون من نصيحتنا وتوصيتنا بعدم الثقة في المخزن، قائلين: إياكم والمخزن؛ لا تصحبه ولا تدع حقك عنده!!! إياك ثم إياك ثم إياك.


[1] لأنها لا تخضع لقانون الحريات العامة. وبالتالي فهي مجرد جعجعة بلا طحن…. ولا يمكنها لا هي ولا مخططها الارتجالي أن تنتج إلا الفشل ثم الفشل مادامت الإرادة فاسدة والإدارة كاسدة والقيادة غير راشدة.\
[2] لأن القرارات الإدارية ينبغي أن تكون معللة ومكتوبة، حتى تتحقق الشفافية والعدالة، ويتمكن الطرف المتضرر من مراجعة القرار التعسفي والطعن فيه أمام القضاء…\
[3] أعدت وحدة “الإيكونوميست” البريطانية للمعلومات تقريرا وضع المغرب في الرتبة ال 120 حسب مؤشر الديمقراطية. وجاء تصنيف المغرب ضمن خانة البلدان ذات النظام السلطوي الاستبدادي، وحصل على تنقيط ضعيف جدا في خانة المشاركة السياسية، حيث لم يسجل سوى 2.22 من 10 ونفس الضعف والخجل سجله في مادة الانتخابات والتعددية السياسية 3.50 من 10. أما في ما يخص الأداء الحكومي، فحاز المغرب على تنقيط دون المستوى 3.93 من 10 ونفس الضعف أبان عنه كذلك في مسألة الحريات المدنية.\