ماذا يعني انتمائي إلى الريف؟ ما معنى أنا ريفي؟

ريفيتي تعني الانتماء إلى بلد مسلم أهله، ورثوا الدين كابرا عن كابر.. تعني انتسابي إلى من حملوني في أحشاءهم فولدوني من نكاح شرعي إسلامي لو لم يكن للدين فيه شأن ولا قبس من بركة ما كان لي أن أعتز وأباهي بريفيتي.. ريفيتي تعني انتمائي إلى بلاد، الإسلامُ من أنقذها وأخرجها من ظلمات ماقبل التاريخ إلى نور المعرفة والتاريخ والحضارة والمدنية الزاهرة، وهل كان هناك “ريف” قائم بذاته قبل الإسلام؟ يا من يتحذلق بمعرفة التاريخ. كان ذلك على يد “صالح بن منصور” باني النكور لولاه ولولا بنوه الفقهاء الخطباء ناشروا الإسلام في الآفاق ما كان ليكون لنا تاريخ ولا ذكر وقد حمى الله بلادنا من البدع والتشيع أن تسري وتنتشر فخرب النكور ابن تاشفين المسلم الأمازيغي لذلك..

ريفيتي اعتزازي ببيئتي التي حماها الله أن تدنسها حضارات ماقبل الإسلام فحافظت على فطرتي سليمة من كل لوثة فصهرتني بعواملها المتفاعلة في خانة “المتدين المحافظ” وتلك ميزة لا عيب، شرف لا تهمة، كانت الحرية شعاري وديدني وجزء ماهيتي فريفيتي تعني إذن استقلاليتي أن أخضع لشريعة غير شريعة الله، وكيف أخضع لقانون من هو مثلي مخلوق مصنوع وأنا عاشق الحرية المتفاني؟

انتمائي إلى الريف معناه انتمائي إلى بلاد الزوايا ورباطات الجهاد والمساجد والذكر على الحصير وتعظيم الصالحين ومحبتهم بما لاحت عليهم لوائح القرب من ربهم عز وجل.. معناه انتسابي إلى بلد الإيمان، بلد الخطابي المجاهد وأمزيان الصوفي المجاهد وسلام أمزيان تلميذ المعهد الديني المجاهد.. بلد الولي الصالح أبي داود معلم الناس دينهم في تمسمان وغيرها، وللا ميمونة مربية الرجال وما كانت المرأة إلا عارفة زاهدة سالكة الطريق إلى رضا الله وتحفظ الأجيال قولتها “ميمونة تعرف ربي، وربي يعرف ميمونة”، كلام صاحبة حال مع الله مستغرقة في مرضاته سبحانه.. بلد عبد العزيز الورياغلي خطيب القرويين قاهر السلاطين واليهود المعتدين… ريفيتي تعني انتمائي إلى مداشر كثيرة بناها صلحاء صوفية لولاهم وهم صنع الإسلام ما كان لنا تاريخ ولا معالم عمران تشدنا إليها انتسابا وانتماء.. تعني انتسابي وتحدري من المجتمع المسلم الأخوي البديع بنظامه الرفيع بأخلاقياته العزيز بإسلامياته الذي أسسه الأمير الخطابي فدام خمس سنوات حتى أجهز عليه الاستعمار بتواطؤ مع خونة الداخل…

أفنحتاج ونحن أبناء الريف الأصلاء إلى بليغ العبارة وجميل الإشارة في كلامنا نخاطب به الناس ونذكرهم كي نلفت الأنظار وتصيخ الأسماع لندائنا؟ وما النداء وما الرسالة إلا الإسلام وصوت الإسلام.. أنحتاج في خطابنا إلى طيب الأحدوثة مما تهواه النفس نزين به الكلام ونختار له دقيق اللفظ ورقيق الكلمة كي نثير عطف الإنسانية ومراحم القلوب ورثاءها على ماض مذهل تنكر له البعض وصُرف عنه آخرون؟ أنحتاج إلى ذلك كي نصف حالا تردى من سامق شموخه وعلياء مجد تسامى إليه أسلافنا بالإيمان والإيمان وحده شعار، أميرنا وبطلنا الخطابي، إلى مهاوي الفتنة ومأساة الإنسلاخ التدريجي عن الدين والاغتراب الإيديولوجي عن الإسلام والقرآن والسنة والإيمان والتعبد لله وحده؟

هذه بلادنا تستصرخ ضمائركم الحية يا بني أمي وأبي لما يكاد لها من مخدري الأمة عن دينها.. هذه أرضكم تنادي على لسان أحرارها: هبوا ولبوا النداء وأجمعوا أمركم فالخطر آت.. تنادي على لسان الزمان ويا لغربة الزمان: يا مسلمي الريف اتحدوا.. تنادينا أرضنا الملغومة بقنابل التشكيك والهزء بالدين كما تنادي القدس من يحررها.. وعهدها بكم رجالا فهل من مجيب؟ تناديكم غيرة وشفقة على الأجيال الصاعدة أن تمسخ فطرتها وتنتكس فهل منكم رجل رشيد؟ بلاد كانت منبت الأحرار ومعقل المجاهدين ومنجبة الرجال الأبطال، إلام آل أمرها بعد الاستقلال وهبوب رياح التغريب والهجرة إلى الخارج وتغيير ملامح الحياة العامة ومرافقها؟

عهد المسنين بالريف مفعما أهله بالإيمان، يحسونه في كل ما وقعت عليه عيونهم، يستنشقون عبيره بالغدوة والروحة فحييت نفوسهم وتزكت أرواحهم وما وهى الدين في قلوبهم رغم أعاصير الاستعمار وويلاته وما ضعفوا وما استكانوا وما لان دينهم أمام صروف الدهر وشظف المعاش… ما كانت مجاعات القرن التاسع عشر وفواجع القرن العشرين وأوبئته باعثا على التنكر للدين والتبرء من الإسلام.. ما خطر ذلك ببالهم ساعة من نهار… فأي ماض هذا الذي زيف في ذاكرة المناضلين الريفيين المعاصرين؟ أي حال هذا الذي تغير في الذهنيات المطالبة بإحياء التراث والولاء للتراث؟ وأي تراث هذا الذي يفصلني عن ديني وشرفي وتاريخي الحق؟ أي تراث هذا الذي يفرق ولا يجمع ولا يربطني إلا بقيم الأرض مفصولة عن بعدها السماوي الرباني؟ أو ليس لي دين أعتز به وأدين به كباقي الناس؟ لم هذا الجنوح والميل إذن؟

يرفع المناضل الريفي بل الأمازيغي عموما من قيمة الإنسان بما هو إنسان، ولا اعتبار عنده في ذلك للدين، يستوي عنده المسلم بغير المسلم، البعد الوحيد المسيطر على ذهنه هو البعد الإنساني الإنتمائي العرقي الجغرافي، ومع ذلك يزعم أن ذلك لا يخدش في إسلامه. من أدرى هذا المسكين أن الفرق بين المسلم وغيره فرق جوهري. فرق بين نموذجين لكل منهما تركيبته الذهنية والنفسية، كأن هذا غير ذاك لولا أن جمعتهما الخاصية الإنسانية المشتركة (وسنرجئ الحديث عن هذا إلى مقال مستقل إن أذن الله)، يعتز بذكر أمجاد ما قبل الإسلام ولو علم هذا ما اعتز بالانتساب لمن شخصيته ونموذجه النفسي والتكويني غير النموذج الأرقى والأسمى الذي لم يجرؤ يوما على التمظهر بغيره جهارا نهارا: نموذج المسلم المؤمن كما كان أبوه وجده وأسلافه منذ أربعة عشر قرنا. أي نفاق هذا؟

قضية الدين منبوذة عند من يصفون أنفسهم بالمثقفين وصوت أحدهم إن هم بالنطق عنه فلا يتجاوز الهمس، صوتُ ُ خجول على مائدة المناضلين إن أعلن أحدهم أنه إسلامي في نزعته وتحليله أو بالأحرى أن يذكرهم بالمصير الجاثم وراء سجاف الموت بين يدي خالقهم، من يقتحم الهالة المضروبة والهيبة الوهمية المصطنعة على الأذهان والأفكار فيجهر بدين هو عندهم المشوش الأول على مفاهيمهم المقدسة من تراث وأصالة وهوية وتنمية وحداثة وعلمانية وثورة…الخ.. وآخرين من دونهم يعلنونها حربا لا هوادة فيها على الإسلام وأهله والقرآن وعربيته.. هاهم أولاء من شمال أوربا يبثون سمومهم على الشبكة الدولية ولا من رادع أو زاجر لهم.. لهف نفسي على مقام الصحابة يتجرأ عليه الناعقون السفلة يسيئون الأدب. تتملك هؤلاء وأمثالهم كما قال باحث عربي حالة نفسية عنيفة تهزهم ليجدوا العزاء في تراث ولغة الآباء يفاخرون به العرب المسلمين، العرب الذين حكموهم وظلموهم باسم العروبة والإسلام، ليجدوا متنفسا وملاذا وإرضاء لنزعتهم القبلية الضيقة في ذلك لأنهم لا يستطيعون نقد الدولة جهارا نهارا.

لكن مالنا ومال هؤلاء؟ فالريف في مجموعه مسلم معتز بدينه. وفيهم نجد أنفسنا وهم من يمثل الريفية الأصيلة. فليكن كلامي معهم وأتجاوز أولئك إلا أن يتوبوا، إلى كلام من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم. قال في حديث رواه الإمام أحمد والطبراني: “إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، فتن كقطع الدخان، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه”. نضع الحديث الذي يشير إلى جفاف الإيمان يخلف في القلوب بعد وفاة الرجال الأخيار، كما يفسره أستاذنا عبد السلام ياسين (ص39 من” سنة الله”)، بإزاء تاريخنا وواقعنا فيتراءى لنا أصل الداء الذي أصاب البلاد وحاق بالعباد. فبنفي الأمير الخطابي وفناء جيله المجاهد في الحروب وإجهاز المستعمر على المجتمع الأخلاقي الذي أسسه الأمير وأرساه على دعائم الإيمان، بدأ نور الإيمان ووازعه يضعف في القلوب، فكان لذلك أبلغ الأثر في نقص تربية الجيل اللاحق، وسرى الإيمان ضئيلا ضعيفا في الجيل الموالي وإلى اليوم، فضعف اهتمامنا بالأخلاق والسلوكيات، لم تتلق الأجيال اللاحقة من تربية الأوائل ما يقوي إيمانها ويشحذ عزمها ويعمق وازع الدين في نفوسها بقدر ما كانت على موعد مع التربية الحديثة التي كرستها الدولة عبر مختلف القنوات إعلاما وصحافة ومدرسة تنتشل الفطرة من حضنها الإيماني الدافئ وتطبع في القلوب والأذهان إسلاما رسميا جافا لا يربي الإيمان ولا يحيي نوره في النفوس، تربية رسمية زادتنا فتنة على وهن. فانهار الوازع الإيماني فتصدعت الوحدة وتباغضت القلوب وطردت معاني الإيمان وحل الولاء للقبيلة محل الولاء للدين وصاحب تغيير ملامح المجتمع الريفي تغيير في صفات ومعالم الشخصية الريفية هبوطا وانحطاطا من ذلك الأفق الإيماني الجهادي الذي كانت عليه زمن الخطابي وجيله الفريد رحمهم الله. تهيأت النفوس لقبول كل دعوة عصبية دنيوية إذن. هذا حال الريف كما هو حال الأمة جمعاء. ولا نقرأ تاريخنا وواقعنا بمعزل عن محيط الأمة العام. معاني “الريفية” انهارت مع انهيار المعنويات الإيمانية. فما العمل لتدارك الأمر بل لتجاوزه إلى ماهو أفضل حالا وأجَلّ؟ وهل هناك أمل؟ الحديثان التاليان يفتحان لنا أملا كبيرا إن نحن حققنا الشرط.

الحديث الأول رواه الإمام مسلم وهذه روايته الأصلية في المخطوطات كما يخبرنا العارفون بعلم الحديث.

“لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة” وسواء كانت إشارة إلى مغربنا الأقصى أم إلى غيره، فإنه مشمول بالبشارة داخل فيها وقد عودنا الكرم الإلهي على مر التاريخ ظهور طوائف دكوا حصون الباطل وجددوا الخير والإيمان بعد اندراس معالمهما. حتى ذهب رجاء البعض إلى أن المهدي المنتظر سيخرج من المغرب الأقصى وإن ضعف ذلك العلماء. فقد دفعهم إلى قول ذلك ما يرونه من أهل الحق يتسلسل ظهورهم بالمغرب. الحديث يعطينا أملا في حيازة بشارة المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يقوم من المغرب رجال يحملون هم الدين لتجديده وهم مصير الأمة لإحياءها. والريف بما هو جزء من موطن البشارة وموضع الإشارة وبما ظهر في تاريخه من أولياء وقيادات جهادية كان لها شرف الذود عن الدين أمام جوائح الاستعمار منذ القرن السابع وإمداده لمن بعدهم خليق بأهل المروءات فيه أن يشمروا عن ساعد الجد ليكونوا من هؤلاء ومع هؤلاء. يعينهم في ذلك سراية حال أسلافهم وراثة كريمة لصفاء الفطرة فيهم والدر يخرج من معدنه، هم في ذلك على موعد مع النصر لن يُخلفوه إن صدقوا النية وأخلصوا الوجهة بعد وقبل ومع الإعداد والتخطيط، وذاك هو الشرط.

الحديث الثاني هو الذي يبشر الأمة بالظهور وتحقق الخلافة الثانية على منهاج النبوة وهو عند الإمام أحمد ومثله مع زيادة عند مسلم والترمذي وابن ماجة بصيغ مختلفة ذكرها الشاطبي وهذا لفظه: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): “إن أول دينكم نبوة ورحمة وتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله جل جلاله، ثم يكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعه الله جل جلاله، ثم يكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله جل جلاله، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض يرضى عنها ساكن السماء والأرض لا تدع السماء من قطر إلا صبته مدرارا ولا تدع الأرض من نباتها وبركاتها شيئا إلا أخرجته”. ذكره الأستاذ المرشد في “الإسلام غدا ص480”. ودون ذلك جهود أجيال لتعيد ما انتقض من عرى الإسلام وتتدرج ارتقاء واقتحاما للعقبة التي انحدرت عليها الأمة منذ قرون. ولنحن أولى بالجهد والعمل نبذل فيهما الوسع رجاء أن نكون من الجيل البادئ في التحويل… وتوجيه الجهود وجهة البناء العميق) بعبارة أستاذنا عبد السلام ياسين في “سنة الله” ص292. نحن أشبه أن ننال ذلك الشرف لما عودنا الكرم الإلهي من مزيد ما اختصنا به من عناية في اصطفاء أهل الصلاح يتسلسل ظهورهم وتزكية لمبادراتهم دفاعا عن الدين وكأن أصبع العناية الربانية تشير إلى المغرب الأقصى ونحن جزء منه أن أمل الخير والنجاح معقود بنواصي أهله الأخيار. الحديث الثاني يبشر بالنصر والحديث الأول يشير إلى دوام النصر لطائفة مخصوصة حتى قيام الساعة.

هذه الطائفة ولا شك هي حاملة مشعل البناء لدولة القرآن المستقبلية تمهيدا للخلافة الثانية. المستقبل إذن للإسلام، ما عندنا ذرة شك في ذلك، ومستقبل الريف ينبغي أن يقرأ في ضوء النبأ النبوي وبلاغه المبين، ينبغي أن ندخل مع الأمة في التاريخ دورانا مع مطالب ديننا المفضية إلى البشارة الموعودة لا العزوف على هامش التاريخ دفاعا عن قبلية ضيقة ونعرة دنيوية تحرمنا من المواعدة مع قدر الله. وماهو إلا خرص وهرص تلك التحليلات السطحية التي تعلق حبل نجاة المغرب بالتبعية للغرب وحداثته أو عقلانيته النابذة الساخطة على كل دين. حداثة نقدها الغرب نفسه ويسعى عقلاؤه لتجاوزها لما أماتت فيه إنسانيته، وعقلانية لم تنجدنا بعدما بلغت قمتها مع ابن رشد وآلاف المدارس العقلانية ونحن نُطرد من الأندلس..

ريفيتنا أيها الأحباب تعني إحياء الأسس التي قام عليها الريف قرونا وبعث الروح الإسلامية التي سرت في أهله. تعني تجديد الإيمان في القلوب وتخليصها من الفتنة وعواملها ليتجدد نشاطها فنضاعف العزم على البناء ومغالبة العوائق لإعادة السلوك الريفي الإيماني إلى مكانه كما كان. وكل تلك الجهود ضائعة إن لم توجه وجهة التهييئ والإعداد لدولة القرآن والخلافة الموعودة لأنها ستسير على غير هدى ينير الطريق إلى ما قُدر لنا، وعمل وفق ماهو مقدر من مستقبل موعود جاءنا على لسان الصادق المصدوق هو وحده ضمانة النجاح ووسيلة الفلاح.