توطئة

يحاول هذا المقال أن يثير الانتباه إلى مكون مهم، من مكونات كتب المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين وهو الفهرس، لن يدعي الغوص في تفاصيله وكشف مدلولاته وأسراره، ولكنه يروم بالأساس الوقوف عند عتباته واستفساره ورصد بعض إشاراته، علها تخرج ببنات أفكار وخرائد أبكار.

نشير، بدء، أن هذا المقال لا يعدو أن يكون مجرد خواطر وانطباعات، أما القراءة النقدية تبقى بعيدة المنال لقصورنا النظري في الفعل النقدي من جهة، ولأهمية وقيمة وعمق الكتاب من جهة أخرى. لهذا سنقتصر في قراءتنا للكتاب على الفهرس باعتباره مفتاحا وموجها يقود القارئ للدخول إلى ردهات النص ودهاليزه وذلك عبر مستويين:

مستوى أفقي سنتكهن من خلاله بالبنية الموضوعية للفهرس.

مستوى عمودي سنقترب عبره من منطقه الداخلي.

وسنحاول عبر هذين المستويين اقتناص بعض الدلالات ما استطعنا إلى ذلك سبيلا!!!

وما تحتويه هذه المقالة ما هو إلا محاولة بسيطة في حاجة إلى تعمق وروية، ذلك أن أية قراءة في كتاب الإحسان تبقى قراءة مفتوحة ومتعددة فلا تكاد تصل إلى معنى، حتى تجد نفسك أمام معاني عديدة أخرى..

نسأل الله أن تكون قراءتنا لكتاب الإحسان قراءة “سماع وقبول وتربية”.

مفتاح كل كتاب فهرس جامع

كلمة “فهرس” ليست عربية بل هي معربة عن كلمة “فهرست” الفارسية وتعني “قائمة كتب” أو “قائمة مواضيع” وتعني أيضا “قائمة محتويات كتاب”. وقد استخدم ابن النديم هذا اللفظ عام 377 للهجرة عندما أطلقه على كتابه “الفهرست” واليوم أصبح الفهرس يحتل مكانة هامة في أي كتاب فهو المفتاح الذي يضئ الطريق الذي ستسلكه القراءة، حتى إن الأستاذ محمود شاكر وضع على غلاف كتابه “المتنبي” العبارة التالية: مفتاح كل كتاب فهرس جامع، فأقرأ الفهرس قبل كل شئ).

وإذا كان الفهرس مفتاحا لكل كتاب فإن قراءة فهارس كتب المرشد، عموما، تربك القارئ العادي الذي يخالهاعناوينا “متناثرة” عكس ما يقتضيه البناء الأكاديمي الكلاسيكي المعتاد مما يشكك في الارتباط الدلالي الذي يلم شتات عناوين الفصول والفقرات.؟؟؟

إلا أنه لا مندوحة من تأكيد أن فهارس كتب المرشد تترابط وحداتها برباط معنوي واحد هو وحدة الموضوع الذي تدور حوله.بيد أن التماس تلك الوحدة التي من شأنها أن تحيل عناوين الفصول والفقرات التي تبدو متنافرة، أول وهلة، إلى نسيج في غاية التالف و الائتلاف قد لا تتحقق إلا عبر ربطها بالحقل المعجمي الذي ما فتئ المرشد يؤسسه عبر كتبه وخصوصا كتاب “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا” ولذلك قال الأستاذ المرشد وأرى أنا العبد العاجز أن التفاهم بيني وبين قرائي الأعزاء أزداد عنه عجزا إن لم أقدم المفاهيم الرئيسية التي تشكل الحبل المنهاجي الحامل لمضمون ما أريد تبليغه بحول الله.) 1

فهرس بطول وايقاع خاص

صدر الكتاب في جزأين عن مطبوعات الأفق بالدار البيضاء – الطبعة الأولى سنة 1998، يقع الجزء الأول في 523 صفحة ويقع الجزء الثاني الذي صدر سنة 1999 في 530 صفحة موزعة بشكل متوازن على مقدمة وستة فصول: من خلال الجدول يتضح الإيقاع الذي يتمفصل عبره الكتاب ويتطور: 6 فصول للجزء الأول و6 فصول للجزء الثاني و11 فقرة لكل فصل بشكل متوازن.

ومن عجائب الكتاب، والعجائب جمة، أن كل هذه الفصول تصب في شعب الإيمان كفقرة أخيرة!! وهذا لب الكتابة المنهاجية من حيث هي علم يفضي إلى عمل مباشرة؛ فشعب الإيمان السبعة والسبعين التي هي قوام المنهاج النبوي تشكل روافد علمية وسلوكية متعددة الأبعاد لبناء الفرد والجماعة و الأمة وخدمة الإنسانية. وهنا تتضح جليا القدرة العلمية المنهاجية الكبيرة التي جعلت الرجل يخرج بمفهوم الإحسان من المعنى الفردي العادي ليصبح أصلا كليا حاكما له تجلياته المباشرة على حياة الأمة والإنسانية..

يقول الأستاذ المرشد: وإن كنا نلح كثيرا في هذا الكتاب وغيره على الجلوس في تربيتنا وسلوكنا وجهادنا وفقهنا إزاء القرآن، عند أقدام المنبر النبوي. فإننا نقصد تربية واجتهاد وجهادا مقدمته اللازمة أن نخرق كل سقف يحول بيننا وبين النبوة).

والتربية النبوية، كما يقول المرشد حفظه الله، تفضي إلى أن لا ينفك ولا ينفصل في وعي وفهم الفرد مصيره الفردي عند الله تعالى عن مصير أمته التاريخي. وبهذا يكون الكاتب قد جمع بين الغاية الإحسانية وأهداف العدل في الأرض بحيث تتكامل الوسائل وتتداخل لتحقيق الاستخلاف في الأرض بالاستجابة للنداء الإلهي، استجابة مؤسسة على علم إمام للعمل.

وبالنظر لفهرس الكتاب من زاوية أخرى، فإن الجدول الآتي أسفله يوضح إيقاعا داخليا آخر للفقرات فيما بينها سنكتفي بمثالين اثنين نظرا لحيز المقال من فصل “الذكر” و”البذل”..

يبين هذان المثالان أن عدد صفحات كل فقرات الكتاب، تقريبا، لاتقل عن سبع صفحات ولا تتجاوز التسع وتستقر غالبية الفقرات في ثماني صفحات!!إن إسبار النظر في هذا الفهرس، عبر إيقاعاته وعدد الصفحات المخصصة بدقة لفقراته، من شأنه أن يحيلنا إلى منهجية الرجل الدقيقة والمركزة في الكتابة المنهاجية المبدعة المجددة من حيث هي كتابة نبوية المصدر والمنبع والروح والهدف والمقاصد والغاية والوسيلة. وربما هذا ما يشير إليه المرشد حفظه الله في مقدمة الكتاب بقوله واحد أمضى بحول الله وتوفيقه تسعا وعشرين سنة في رحاب عمل الليل والنهار، وجهد العقل والجسد والقلب…)

كل كلمة أمر ذو بال

يتكون فهرس كتاب الإحسان من 12 عنوانا كبيرا لفصوله ومن 192 عنوانا فرعيا للفقرات، تشكل هذه العناوين الركائز المحورية التي ينهض ويتكئ عليها الكتاب بجزأيه، وعبر هذا التجاور الإيقاعي والمقصود يتمكن الفهرس من رسم خارطة للقراءة.

لقد امتلكت هذه العناوين قوة دلالية جعلها تنبثق من المفهوم الكلي للإحسان وتكمل معناه في ذات الوقت، وتدور في فلكه ومداره. بل إنها تعزز معنى “الاحسان” من خلال ترابط بعضها ببعض، وتفاعلها فيما بينها فالكلمة تحيا بين أخواتها كما يقول عبد القاهر الجرجاني.

استمدت الفصول أسماء عناوينها من الخصال العشر التي رتبها المرشد في المنهاج النبوي يقول المرشد في الصفحة 118 من المنهاج: “شعب الإيمان بضع وسبعون. فلكثرة العدد نقسم الشعب في تصنيفها إلى عشر فئات، تكون كل فئة منها خصلة لتقارب موضوعها ومغزاها الإيماني و مرماها السلوكي… عشر صوى على الطريق، عشر خطى،عشر مجموعات من الشعب… الخصال العشر -وتحت كل منها عدة شعب من شعب الإيمان- منهاج تربية، وتنظيم، وحكم، وسلوك إلى الله…

إن المطلع على كتابات المرشد سيكتشف محورية الخصال العشر في كل كتبه ابتداء من كتاب “الإسلام بين الدعوة والدولة” و”الإسلام غدا” ورسالة “الإسلام أو الطوفان”، وما تلاها من مؤلفات: “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا”، و”تنوير المؤمنات” و”العدل: الإسلاميون والحكم”، وهي أصول كلية لفهم كل مؤلفات وأعمال المرشد مهما كان حجمها وسياقها ومناسبتها.

أما عناوين الفقرات 192 المستمدة من التعاليم والبيان والبلاغ والوعظ والنصح الرباني النبوي، فقد اختار لها المرشد ايقاعها الخاص يقول في “الاحسان”: وفي كتابي هذا أبدأ كل فقرة بالبسملة فكل كلمة ذو بال، وأرصع كل فقرة في البداية بدعاء قراني أو نبوي أو هما معا، وأوشيها في آخرها بشعر يرقق الشعور).

حاولنا عبر هذه المقالة أن نبين أن فهرس كتاب الإحسان ليس اعتباطيا ولا عاديا فالمرشد جزاه الله عنا كل خير لمح في مواضيع كثيرة من الكتاب أنه أحيى معاني ما أكتب بلحمي ودمي وروحي وعقلي) وهذا درس بليغ لكل الأقلام السائرة على منهاج النبوة فالرجل لا ينظر فقط لقضية السلوك إلى الله بل يعيشه و يحياه حتى في حروف كتاباته إنه السلوك بالكتابة. يقول في “مقدمات لمستقبل الإسلام” (ص12): مطمحنا الأول والأساس أن تكون كل كلمة نخطها ونقرؤها تذكرنا بالله).

إن قراءة كتاب الإحسان تستنهضك أخي القارئ: )


[1] مقدمات في المنهاج، ص 15.\