تعرضنا على يد النظام المغربي المخزني لظلم واعتداء شنيع، أفضى إلى إفناء زهرة شبابنا في أقبية السجون ظلما وعدوانا، قابلناه بتفويض أمرنا إلى الله تعالى، والرضا بقضائه وقدره، محتسبين، صامدين، ثابتين، غير مبدلين ولا مغيرين. وهو أمر يحمل معاني كثيرة، وينطوي على دلالات عديدة، منها ما يتعلق بالمعتقل وجماعة العدل والإحسان ولطف الله وفضله عليهما، ومنها ما يتعلق أيضا ببشاعة الظلم والظالمين؛ ذلك أن المكوث ثمان عشرة سنة داخل الزنزانة هو حرمان من الحياة، وجريمة مخزنية نكراء، ووصمة عار في جبين المخزن والمتآمرين معه، فضلا على أنه يؤكد أن سياسة القمع لن تجدي في تغيير الناس لمبادئهم، خاصة إذا كانت هذه المبادئ تنبع من روح الإسلام ووسطيتة ورحمته، بعيدة عن مهاوي العنف ومآسيه.

إن هذا المكتوب الذي عنونته بـ”خواطر على درب الصمود” هو مجرد أفكار ومشاعر لاحت لي، فجرى اليراع مقيدا لها، لكنه عجز عن حصرها، لأن قضاء ما يقارب عقدين من الزمن داخل الزنزانة يحوي الكثير من الوقائع، والدروس، والعبر، التي يتعذر اختزالها في سطور وصفحات معدودة.

وفيما يأتي بعض هذه المشاعر والمعاني والدلالات:

سادسا: السجن مدرسة لبناء الذات وتقويمها

لقد كانت السنوات الطويلة التي قضيناها وراء القضبان بمثابة رباط تربوي تعليمي، إذ تحول السجن إلى جامع وجامعة: جامع للعبادة، والإقبال على الله تعالى، وحفظ كتاب الله وتدبر معانيه. وجامعة للتربية والتكوين والتثقيف.

لقد تحدينا العوائق والصعاب، واجتهدنا في الدراسة والتحصيل والمذاكرة، وعقدنا ندوات ومحاضرات، وأنشطة تربوية وثقافية ورياضية متنوعة، مما ساهم في بناء شخصية المعتقل، وتمحيص معارفه وأفكاره. كما كانت هذه المدة فرصة للتأمل ومراجعة الذات والأفكار، ومحاولة التعرف على العيوب وإصلاحها، وتزكية النفس وتطهيرها، وصقل الشخصية وبنائها.

سابعا: ثباتنا برهان على الصبر والصدق والصمود

إن الله تعالى أمر بالصبر، ووعد عليه بأجر عظيم لا نهاية له ولا مقدار، قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ. فنحمد الله تعالى أن وفقنا، وأحسن إلينا، إذ رزقنا القدرة على التحمل والصبر على البلاء، وثبتنا على المبدأ، وأعاننا على الصمود في وجه المغريات، فقضينا ثمان عشرة سنة داخل زنازننا، رغم ما ينطوي عليه السجن من ضغوطات وتعسف ومعاناة، دون أن نندم على سبب التزامنا بمبادئ الإسلام، وانتمائنا للعدل والإحسان، ولا أن نكتب رسالة استعطاف مقابل الإفراج عنا كما طُلب منا ذلك مرارا، مفوضين أمرنا إلى الله تعالى. ولعل هذا يدل على صدق توجهنا، وصدق إيماننا بمبادئنا، وعساه يشفع لنا للانتساب إلى زمرة الصالحين العاملين من أمتنا، نسأل الله تعالى أن نكون منهم، وأن يحشرنا جميعا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ولا شك أن التربية الإحسانية التي يتلقاها ويتشربها رجال ونساء العدل والإحسان لا يمكن لها إلا أن تنشئ مثل هذه المشاهد التي قل نظيرها في زمن الوهن والاستسلام والهزيمة.

ثامنا: اعتراف المخزن بالهوية السياسية

تعامل معنا المخزن داخل السجن تعاملا خاصا، من خلال تدخل أجهزة غير تابعة لوزارة العدل تراقب زوارنا، وتتلقى تقارير دورية عن حياتنا داخل السجن، وتراقب عائلاتنا أحيانا للتجسس وترصد الأخبار. كما أرسل إلينا مرارا ممثلين عن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ليطلبوا منا كتابة استعطاف لإطلاق سراحنا فأبينا. فضلا عن استثنائنا من العفو الذي كان يشمل كل سجناء الحق العام إلا معتقلي العدل والإحسان. فإذا كان النظام يعتبرنا معتقلي حق عام، فلماذا كان يستثنينا في المناسبات التي يطلق فيها سراح عشرات الآلاف من السجناء، ومعظمهم أصحاب سوابق، اتخذوا من السجون مساكن لهم.

فإرسال المخزن لمفاوضيه إلينا مرارا وتكرارا، وتعامله الخاص الاستثنائي معنا طيلة الأعوام الثمانية عشر إقرار من لدنه، واعتراف بأننا معتقلون سياسيون، يحتجزنا لأهداف يرنو إليها، ويسعى لتحقيقها.

تاسعا: اعتقالنا ظلم شديد وجريمة نكراء

استغل المخزن الأحداث الجامعية لسنة 1991، فاعتقل ظلما وعدوانا نشطاء العدل والإحسان في جل الجامعات المغربية، وكان لجامعة وجدة النصيب الأوفر، حيث حكمت المحكمة الموقرة باسم التعليمات المخزنية على 76 طالبا وإطارا بأحكام قاسية متفاوتة، وصلت في مجموعها إلى أزيد من ثلاثة قرون سجنا نافذا، وأحكاما بالسجن المؤبد: ابتداء بسنتين، ومرورا بعشرين سنة سجنا لكل واحد منا نحن الإثني عشر، ووصولا إلى الحكم بالسجن المؤبد غيابيا في حق خمسة طلاب، بعد أن لفقت لنا التهم، فكان المخزن هو الخصم والحكم في نفس الآن، فصفقت لذلك صحف وأقلام مأجورة، وتبنى ذلك بعض الحقوقيين ربما عن حسن نية، ولكن أيضا للأسف دون أي تمحيص ودراسة موضوعية قانونية لملفاتنا. سامح الله الجميع. والغرض من اعتقالنا كان واضحا وضوح الشمس، ولا علاقة له بالأحداث الجامعية التي كانت موجودة قبل سنة 1991، واستمرت، وتكررت كل سنة، ولا تزال بسبب العقلية الإقصائبة المرفوقة باستعمال العنف من بعض الأطراف المحسوبة على الحركة الطلابية. فالهدف كان هو الضغط على الجماعة للاستجابة للإملاءات المخزنية، وترهيب أعضائها، والمتعاطفين معها، والحد من أنشطتها…، والمخزن كما عهدناه لا يتردد في فعل أي قبيح في سبيل الحفاظ على استبداده وسوء أحواله، فماذا سيخسر إن ضحى بزهرة شبابنا وراء القضبان عسى هذه السنوات تروضنا، وتلين من مواقف الجماعة. أليس استرخاص حياة الإنسان إلى هذا الحد ظلم شديد، والظلم ظلمات يوم القيامة، بل أين أولئك الذين حكموا وخططوا؟ أليسوا في القبور؟ ماذا سيقولون لربهم غداة يوم الحساب؟

لقد اعتكف مجموعة من المحامين الفضلاء على دراسة ملفاتنا الجنائية لمعرفة حقيقة هذه التهم الملفقة، فوجدوا أنها والأحكام القاسية التي تلتها لا تستند إلى أي أساس قانوني، بل هي لا تعدو أن تكون تعليمات مخزنية لا تعترف لا بالقانون ولا بأهله، أوليس تواجدنا في الزنزانة مدة ثمان عشرة سنة دون سند قانوني جريمة؟ من هم هؤلاء المجرمون الذين ارتكبوا الجريمة في حقنا؟ هل سيحاكمون؟

إننا لا نطلب ثأرا ولا انتقاما، ولكن لا بد أن تكون الحقيقة واضحة جلية، وهي أن ما أصابنا جريمة مخزنية نكراء ما ينبغي أن تتكرر. وهذه مهمة الفضلاء والأحرار في هذا البلد، وما أكثرهم، سواء كانوا علماء أو حقوقيين، أو قانونيين، أو صحافيين أو غيرهم. أما المتحاملون الذين يرددون تهم المخزن، دون أي تمحيص، وعن سوء نية من أقلام مأجورة وأبواق مصنوعة ارتمت في أحضان المخزن تقتات من فتاته، فتجندت للذب عنه، وتزيين مخالبه وجرائمه، فلتحذر من يقظة الشعب، ولتعلم أنه لا بد لليل أن ينجلي، ولا بد للقيد أن ينكسر، فبماذا ستجيب الأمة إن هي سألتها يوما عن كيدها وعمالتها؟

عاشرا: اعتقالنا حرمان من الحياة

اعتقلنا وأعمارنا في أوائل العشرينات، أما اليوم فقد تجاوزت الأربعينات، وبهذا يكون النظام المخزني قد أفنى زهرة شبابنا داخل الزنازن ظلما وعدوانا، وحرمنا من حياة الفتوة والعطاء، ومن معايشة المجتمع، والنمو فيه نموا طبيعيا، والتفاعل معه بالبناء والإبداع. فالأيادي الآثمة التي خططت في خفاء أبت إلا أن تجهز على كل طموحاتنا وأحلامنا المشروعة، وأن تحرمنا من حقنا في الحياة الطبيعية التي يحياها الناس، فأصبحنا شيبا بعد أن كنا شبابا. لكن الذي يخفف عن النفس، ويهون من أمر فعلة المخزن البشعة هو ارتباطنا بالله تعالى، واحتسابنا أمرنا له، فالدنيا ساعة وتمضي، وما عند الله خير وأبقى. ثم إن طريق الدعوة محفوف بالمخاطر، ولا بد من دفع الثمن في تجارتنا مع الله، لا بد من برهان الصدق، لا بد من التضحية والفداء، والصبر على أذى الناس، وتحمل مكائد الأعداء، إلى أن يحقق الله أمره. نسأل الله العفو والعافية في أمورنا كلها. وقد أحسن الشاعر حين قال:فيا مرحبا بالخطب جاء يدوسنا *** إذا كان بعد الخطب نظفر بالحق