من أهم التعديلات التي أدخلت على القانون المنظم لمهنة المحاماة بمقتضى القانون 08-28 الصادر بتاريخ 20/10/2008 المادة 57 التي نصت على تأسيس حساب ودائع وأداءات المحامي: يؤسس على صعيد كل هيئة حساب ودائع وأداءات المحامين يديره مجلس هيئتها تودع به لزوما المبالغ المسلمة للمحامين المسجلين بجدول هذه الهيئة على سبيل الوديعة، وتتم بواسطة كل الأداءات المهنية التي يقوم بها المحامي لفائدة موكليه أو الغير.

تودع بالحساب كل المبالغ الناتجة عن تنفيذ مقرر قضائي من لدن مصالح التنفيذ والمفوضين القضائيين.

يتعين على كل الإدارات العمومية وشبه العمومية والمؤسسات والشركات إيداع المبالغ العائدة لموكلي المحامي بحساب الودائع والأداءات التابع لهيئتهم.

كل أداء تم خلافا لهذه المقتضيات لا تكون له أيه قوة إبرائية في مواجهة الموكل أو المحامي ويتحمل مرتكب المخالفة عند الاقتضاء مسؤولية أداء المبالغ العائدة للموكل أو مصاريف وأتعاب المحامي.

يحدد طريقة تنظيم الحساب نظامه الداخلي طبقا للفقرة الثامنة من المادة 91 بعده.

تدخل هذه المادة حيز التنفيد خلال سنة من تاريخ نشر القانون بالجريدة الرسمية).

ومع اقتراب أجل السنة المشار إليه في المادة أعلاه الذي يصادف تاسع نونبر 2009 اشتد النقاش حول التدابير الواجب اتخادها لتنزيل مقتضيات هذه المادة إلى حيز التنفيذ.

ونظرا لكون مضامين هذه المادة قد مست مباشرة الجانب المادي للمهنة فإن المحامين وعلى صعيد المغرب قد قابلوها بكثير من التخوف.

ولقد ساهم، أيضا، في الشعور تلك الحملة الصاخبة التي صاحبت إعداد مشروع التعديل والتي صورت الأمر على أنه مشكل ذاتي يتعلق بالمحامي وتصرفاته، وانصبت كل الجهود في محاولة إيجاد حلول وقائية بما في ذلك إبعاد المحامي عن الودائع والحسابات، في حين كانت عارضت فئة واسعة من المحاميين التوجه مدافعين عن قدسية علاقة المحامي بزبونه ومثيرين أن أية محاولة للحد من استقلالية المحامي ستنال من كرامته وتحط من ثمة من عظمة المهنة برمتها.

إن النقاش لم ينته عند هذا الحد؛ بل امتد حتى ما بعد صدور القانون إلى مجالس هيئات المحامين. فلحد كتابة هذه السطور وعلى بعد أقل من عشرة أيام على دخول المادة 57 حيز التنفيد ما تزال بعض المجالس لم تخرج بأي قرار في الموضوع، ولم تتخذ أي تدبير من التدابير التي تمليها المادة المذكورة.

ولم يعد خافيا أن السبب في حدة النقاش هو تباين التصورات حول طريقة تأسيس حساب ودائع وأداءات المحامي وكيفية تسييره، ومدى مساهمة المحامي في هذا التسيير، وكذا التخوف الكبير من إمكانية إعطاء الفرصة لجهات أجنبية للتدخل في شؤون المهنة.

فهل تتضمن المقتضيات الجديدة فعلا ما يبرر هذه التخوفات؟

وقبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، وذلك بمقاربة المادة 57 من قانون المحاماة ومحاولة استكشاف مدلولها، نتساءل بشيء من الاستغراب:

لماذا كل هذه الضجة حول حسابات وأداءات المحامي؟ هل باعتها حقا الحرص عن ودائع المواطنين هل تعاظمت المسألة فعلا إلى حد بدا فيه التفكير في تكبيل يد المحامي وتحييده عن كل ماله علاقة بودائع الزبناء؟

ولماذا كل هذا الحرص الشديد لإرضاء الزبناء على حساب كرامة واستقلالية المحامي؟ وماذا عن الأبناك والمؤسسات المالية المشابهة والتي هي مؤسسات مالية بالأساس، هل تحتاج هي أيضا لحساب الودائع والأداءات؟

ثم ماذا عن ودائع الشعب التي تهدر في الصفقات المشبوهة والعمليات غير المحسوبة للمؤسسات البنكية، والبرامج التي تصرف فيها الأموال الطائلة التي يعلن فشلها قبل انتهائها، هل لا بدَّ لها من حساب الودائع والأداءات للتمكن من ضبطها وحمايتها؟ ألم تعد السياسة الجنائية للدولة وقوانينها المدنية والجنائية كافية لحماية الحقوق وتحقيق العدالة؟

وكي نبقى قريبين أكثر من أصحاب الودائع والذين يعتقد أن هذه التعديلات جاءت لمصلحتهم وهم فئة ضحايا حوادث السير وحوادث الشغل والمكتريين والمحكوم لهم بالنفقة، فلماذا لا توضع مصالح هذه الفئات من ضمن الأولويات ويفكر في تغيير القوانين المنشئة لحقوقهم والضامنة لتعويضهم تعويضا عادلا بدلا من الهروب إلى الأمام؟.

فظهير 02/10/84 المتعلق بتعويض ضحايا حودث السير لم يعرف أي تغيير لمصلحة الضحايا منذ أكثر من عقدين، وظهير 1963 المتعلق بضحايا حوادث الشغل أقدم منه بأزيد من عقدين، وبين الظهيرين تناقضات واضحة أقل ما يقال عنها أنها غير عادلة.

وعندما تم إعلان إفلاس شركات التأمين الأربعة المعروفة في بداية التسعينات لم يفكر أحد آنذاك في ودائع الضحايا، ولم يفكر أحد في المحامين ولا في حساباتهم، وهم الذين أدوا الكثير من رصيد سمعتهم وكرامتهم لأن أغلب الزبناء لم يصدقوا أن الشركات فعلا أفلست، يومها كانت النعوت موجهة للمحامين وحدهم ولم يفكر أحد في محو آثار هده المعضلة التي إن كان الزبناء قد تناسوها فإن المحامين مازالوا يعانون من آثارها على مهنتهم حتى الآن.

وعندما فكرت الدولة في مصلحة المواطنين ضحايا حوادث السير وحوادث الشغل اتخذت قرارا أقل ما يقال عنه أنه شمل جميع ظلمات الظلم مفاده تمكين الضحايا من نصف التعويض المحكوم لهم به، وكان هذا يتم عن طريق المحامي وبواسطة حساب مكتبه ليكون -بوعي أو بدون وعي- شماعة تعلق عليه أخطاء الآخرين.

إن التفكير في مصالح المواطنين يجب أن يكون شموليا، باعته المسؤولية الأخلاقية والواجب الوطني والاخلاص في العمل، ولا ينبغي أن يكون بدافع الاستجابة لضغوطات فوقية أو بدافع إكراهات ظرفية توجهها حسابات ضيقة…

ورجوعا إلى السؤال أعلاه، وإلى مقتضيات المادة 57 من قانون مهنة المحاماة التي أصبحت واقعا قانونيا يجب الامتثال إليه، نقول: إنه رغم النقاشات الحادة التي صاحبت الأعمال التحضيرية لتعديل قانون المحاماة ورغم التخوفات المشروعة لكثير من المحامين؛ فإن المقتضيات الجديدة لم تكن كما تصورها البعض ظالمة للمحامي منتقصة من شأنه. وسيكون مخطأ من يعتقد أن مقتضيات المادة المذكورة ستؤدي إلى إبعاد المحامي عن الودائع والأداءات، وستساهم بذلك في تقزيم دور المحامي وإضعاف سلطته على مكتبه التي هي قوام كرامته.

ولكي تتضح الصورة أكثر نسرد بعض الأدلة:

إن حسابات المحامي التي خصص لها الفرع الخامس من القانون المنضم لمهنة المحاماة تنظمها المواد 54, 55, 56. 57، هي منظومة واحدة متكاملة؛ فالودائع التي تتحدث عنها المادة 57 هي نفسها التي تتحدث عنها المواد 54، 55، 56.

وإذا كان المشرع يتوخى من وراء هذه التعديلات تحييد المحامي عن مسألة الودائع وتركيزها بين يدي مجلس الهيئة لإدارتها ومن تم تمكين الزبون من مستحقاته والمحامي من أتعابه -كما قد يعتقد البعض- إذا كان هذا هو المقصود لماذا أبقى على المواد 54، 55، 56، فالمادة 54 تلزم المحامي أن يضمن دفتره اليومي جميع العمليات الحسابية من مداخيل ومصاريف وودائع، والمادة 56 تنص على أن النقيب نفسه أو من ينتدبه من أعضاء الهيئة يقوم بتحقيق حسابات المحامين وبالتحقق من وضعية الودائع لديهم.

فما هي إذن هذه الحسابات والودائع التي يجب أن يضمنها المحامي في دفتره حسب الفصل 55، والتي يقوم النقيب أو من ينتدبه لذلك بالتحقق من وضعيتها لدى المحامين حسب المادة 66، إن لم تكن هي الودائع نفسها المشار اليها في المادة 57 والتي سيقوم المحامي بأدائها لموكليه بواسطة حساب الودائع والاداءات الجديد.

إضافة إلى ذلك فالمادة 57 نفسها لا تفيد أبدا أن المحامي سيرفع يده عن حسابه وأداءاته فهي تنص بكل وضوح على ما يلي: يؤسس على صعيد كل هيئة حساب ودائع وأداءات المحامين يديره مجلس هيئتها تودع به لزوما المبالغ المسلمة للمحامين المسجلين بجدول هده الهيئة على سبيل الوديعة وتتم بواسطته كل الأداءات المهنية التي يقوم بها المحامي لفائدة موكليه أو الغير). بمعنى أنها تعطي للمحامي وحده دون غيره أن يقوم بالأداءات المهنية لموكله والغير، ولا تُسند هذه المهمة لا لمجلس الهيئة ولا لأي مؤسسة أخرى من مؤسسات الهيئة.

فلنعد قراءة الجملة التالية وتتم بواسطته كل الأداءات المهنية التي يقوم بها المحامي لفائدة موكليه والغير)، فمن السهل أن تكون العبارة كما يلي “وتتم بواسطته كل أداءات المحامي” غير أن المشرع استعمل جملة: الأداءات التي يقوم بها المحامي للدلالة على أنه في إطار حساب ودائع وأداءات المحامي فإن هذا الأخير هو الذي سيقوم بهذه الأداءات. فلو كان للمشرع يقصد خلاف هذه الغاية لجاءت مواد القانون صريحة بإسناد تسيير حسابات المحامي والقيام بأداءاته لجهة معينة. وليس صعب على المشرع أن يسمي الأمور بمسمياتها.

إن المادة 57 من القانون الجديد المنضم لقانون المحاماة وضعت أمر حسابات وأداءات المحامي بيده يقوم بها وحده بواسطة الحساب العام الذي يؤسسه مجلس الهيئة ويقوم بإدارته.

وختاما أفضل أن لا أطرح أي تصور في الموضوع كي لا أتدخل في اختصاصات السادة نقباء الهيئات وأعضاء مجالسها المحترمين. لكن الذي لا أبخل به هو التالي:

لا داعي لتحميل المادة 57 ما لا تحتمل.

لا تحملوا مجالسكم ما لا يريد لها المشرع أن تحمله.

لا تزيدوا أثقالا إلى أثقالكم.

وفقكم الله والسلام عليكم.

*ذ. عبد العلي الهذاجي: محام بهيئة مراكش.