تذكيـر

قبل سنتين بالضبط، وفي مثل هذا اليوم -08 دجنبر2007- أصدر المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان خلال دورته الثانية عشرة وثيقة تحت عنوان: “جميعا من أجل الخلاص”. ضمنها تشخيصا مرقما لأوضاع البلاد في شتى الميادين تميزت –كالعادة- بالوضوح في المواقف والصدق في النصيحة. خصائص ومميزات لم يفت الوثيقة التصريح بها: إن جماعة العدل والإحسان تتوجه في هذه الظروف بهذه الرسالة إلى الشعب المغربي المسلم وإلى مختلف قواه الحية، ترسيخا لمبدأ الجماعة في الصدق والوضوح والصدع بالحق مهما كانت تبعاته -لأن من ديننا أن نقول كلمة الحق لا تأخذنا في الله لومة لائم- وتحديدا مباشرا للمسؤوليات فيما جرى ويجري، وتسليطا للأضواء على بؤر الانحرافات الكبرى التي تنخر كيان هذا الوطن، وتريد أن تهده هدا..) 1

سياق ومساق

جاء صدور الوثيقة بعد حدثين اثنين. أولهما: تسونامي 7شتنبر2007 الذي حكمه مساق إفلاس الرهان على الانتخابات، التي تأكد لمن “أحسن الظن”، بما يؤسس لكل مهرجان انتخابي من شعارات “تبشر” بالشفافية وحياد السلطة وتوفير شروط المنافسة الشريفة، أن المخزن يطور أساليب التحكم في العملية برمتها ويحدد معالم الخريطة السياسية سلفا، وهو بذلك يمارس “التزوير النزيه” على حد تعبير الفكاهي الساخر المحاصر. لكن الذي لم يكن يتوقعه المخزن هو تلك اليقظة الشعبية متمثلة في مقاطعة صارخة لملهاة “تسويق الوهم”.

وثانيهما: انعقاد المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، خلال دورته الثانية عشرة، الذي انبثقت عنه الوثيقة في سياق عام انتهجته جماعة العدل والإحسان طوال مسيرتها… ففي كل عشرية من العشريات الثلاث الماضية، كانت كلمة الحق تعلو لتقول بجلاء وصدق أين الخلل وتقترح بقوة ومسؤولية الحل: الإسلام أو الطوفان، رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام، مذكرة إلى من يهمه الأمر.) 2

أضواء كاشفة وأرقام فاضحة

لقد أماطت الوثيقة اللثام عن واقع مرير، وكشفت حجم الكارثة التي تتهدد العباد والبلاد، ولم يسع المطلعين على الوثيقة إلا الإقرار بنتائج التشخيص، لا سيما والأرقام المستشهد بها والحقائق المدلى بها مستقاة من مصادر رسمية، فاتضح بما لا يدع مجالا للشك أن الخطر كبير والخطب جسيم، يتطلب استنفار جهود الغيورين وذوي المروءات من فضلاء البلد للاصطفاف ضد الفساد والإفساد الممنهجين في سائر المجالات:

1. تعليم لا يجارى في حصد المراتب الذيلية رغم ما ينفق عليه من أموال الشعب، فالمجلس الأعلى الذي “بشر” بتجاوز إخفاقات المنظومة التعليمية غدا جزءً من الكارثة، فالهدر الدراسي آخذ في التفاقم، والمدرسة العمومية المسكينة لا يثق في فعاليتها مصدروا القرارت وصانعوا شعارات الدخول المدرسي، فكيف بمن اكتوى بلسعها من أهالي حملة الشهادات العليا المرابطين أمام مجلس ممثلي الشعب تنهش جسومهم الهزيلة وتكسر عظامهم هروات المخزن المستوردة بالعملة الصعبة.

سياسة تعليمية فشلت حتى في جدولة العطل وغاب عن مهندسي الوزارة أن عيد الأضحى لا تفصله إلا أيام عن عطلة بينية يهل هلال شهر محرم بعدها مباشرة، فعلى أي تخطيط وبرمجة وتحكم في الإيقاعات المدرسية يتحدث المسؤولون عن الشأن التعليمي؟

2. وارتباطا بالتعليم تناولت الوثيقة الشأن الشبابي ووقفت عند ما يستهدف هذه الشريحة الحيوية في كل مجتمع، شباب حرم من حقه في التعليم النافع والتربية السليمة رصدت لطمس فطرته إمكانيات مهولة: مهرجانات ميوعة ومخدرات وكحول ومهلوسات غزت المدارس وبأثمان زهيدة، وحرب ممنهجة أجهزت على ما بقي من مسكة حياء اقتحمت البيوت والأسر، وتشجيع باسم الحريات الفردية على الشذوذ والفواحش. واقع حذرت منه الوثيقة: والأخطر من كل ما سبق الانهيار الخطير للمستوى التعليمي والخلقي للتلميذ في كل الأسلاك،.. جحافل من الأطفال المشردين الذين أصبحوا يؤرقون كل من له أدنى حس أو أبسط تطلع لمستقبل البلاد: شرود خطير، وانحراف أخطر، وإجرام لا يتوقف. وثالثة الأثافي المخدرات في صفوف أطفالنا وشبابنا، ذكورا وإناثا، في صفوف المتمدرسين وغيرهم..) 3يتزامن ذلك مع حملة… لم يسبق لها مثيل في تاريخ المغرب…من أجل التطبيع مع الفاحشة على نطاق واسع، خصوصا في مدينتي مراكش وأكادير القلاع التاريخية للعلم والرباط والعفة، حيث تحولتا إلى أوكار دولية سيئة الذكر في ممارسة الفاحشة… وترويج للفساد على الهواء مباشرة في غارة جديدة من الإعلام “الوطني” في نذالة وسوء حياء غير مسبوقة.) 4 .

إنذارات لم تجد منذ سنتين وأكثر آذانا صاغية فاستشرى الوباء وأضحى يهدد الأمن العام وتفتقت العبقرية المخزنية فأحدثت خلايا لليقظة سمتها “شرطة القرب” لتطويق واقع متفلت وأنى لها ذلك؟

3. ومن بوار التعليم إلى كساد الرياضة وأفول نجمها الذي كان يوظفه المخزن لتسويق صورة عن حيوية نظامه السياسي. كساد رياضي أعاد طرح سؤال المحاسبة والمساءلة عن أموال خيالية تصرف ولا من يراقب، وأجور وتعويضات تفوق ميزانية دول تبزنا رياضيا تبذر ولا من يستفسر. كساد رياضي دفع عشاق كرة القدم “ليتجنسوا” رياضيا بجنسيات أوروبية تكتظ بهم المقاهي ذات الشاشات العملاقة عند كل نزال، وتزدحم بهم الشوارع فرحا وتهليلا بانتصار فريقهم العتيد عكس فريق وطني يخيب الآمال ويولد ضغط الأعصاب.

4. أما في الشأنين الاجتماعي والاقتصادي فقد استنكرت الوثيقة الواقع المرير للبلاد: إن مغربنا الحبيب يتعرض لحملة غاية في الضراوة والوحشية، تضرب في كل اتجاه من نهب للمال العام والتضييق على القوت اليومي لعموم الشعب، ومن تفويت للمؤسسات العمومية خاصة الاستراتيجية منها، وتفويت للأراضي، واستنزاف للفرشة المائية، وتهريب للأموال..) 5

أوضاع اجتماعية بعناوين كارثية: بطالة مستشرية وارتفاع صاروخي للأسعار مقابل استحواذ بشع لثروات الشعب يغذيه نظام الامتيازات. وهذا ما كان ليحدث لولا انعدام العدل، والحيف الكبير في توزيع الثروة الوطنية… ملايين كثيرة من المغاربة يعيشون تحت عتبة الفقر، والعدد في تصاعد…) 6

وضع اجتماعي واقتصادي هش استلزم إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي يجري في الكواليس توزيع كراسيه ومناصبه لينضاف إلى المجالس العليا للماء والقضاء والتعليم والبيئة التي تكلف ميزانياتها ثروات هائلة، حبذا إنفاقها لتوفير مناصب الشغل للألوف المؤلفة من العاطلين.

5. أما المشهد السياسي فقد بلغ أرذل العمر، ووهن منه العظم وشاخت رموزه، واستسلم لداء المخزن العضال، وبعد تسونامي 7 شتنبر2007 جاء زلزال 12 يونيو 2009 ليدق في نعشه المسمار الأخير: عزوف شعبي عن التصويت ومهازل التحالفات والتحالفات المضادة لتكوين مجالس الجماعات تعطي البرهان القاطع على أن المصلحة العامة آخر ما يمكن أن يفكر فيه.

لقد اتضح الأمر بكل قتامته للجميع في الداخل والخارج: لأصحاب القرار، وللجماهير المغلوبة على أمرها، ولقواها وضمائرها الحية، و”للفاعلين السياسيين”. وكم يؤسفنا أن نضع هؤلاء الفاعلين بين مزدوجتين، لا تشفيا ولا ازدراء، لكن لنحاول أن نصف بعض جوانب الحقيقة المرة التي تَكََشَّفَتْ في أبشع الصور: فلا فاعلية ولا سياسة، وإنما هو الاستبداد المطلق..) 7

دعـوات للنجاة

إن جماعة العدل والإحسان من خلال الوثيقة بقدر ما شخصت واقع البلد المأزوم تقترح البدائل وتطمح إلى أن يكون المغرب مغربا حرا وديمقراطيا وناميا وآمنا وحقوقيا ومتصالحا مع ذاته وكل مكوناته.. في مصلحة الجميع، في الداخل والخارج ضد التوترات الإقليمية وضد التطرف… وإن جماعة العدل والإحسان لمع الشعب ومع مختلف فاعليه على العهد الدائم بحول الله، عهد الثبات على المبادئ المشروعة دون استكانة أو جبن أو ركون إلى ظالم، وعهد الوفاء لدين الإسلام وللمطالب المشروعة لهذا الشعب في إقرار مجتمع العدل والحريات العامة والأخلاق الفاضلة وحقوق الإنسان والديمقراطية الفعلية، والتنمية الاقتصادية الحقيقية والكرامة الوطنية، والانتفاع الإيجابي والشراكة المنصفة والشريفة وذات المصالح المتبادلة وتأمين الحاجات الأساسية في الأمن والغذاء والاستقرار والصحة والمعرفة، وعهد التواصل الوطني والاستعداد الصادق والجدي للعمل إلى جانب كل المكونات المخلصة في هذا البلد من أجل تحقيق هذا المجتمع الذي نتطلع إليه جميعا.) 8

وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” قبل سنتين جاءت لتدق ناقوس الخطر وتنبه إلى أخطار محدقة بالبلاد توشك أن تهدد أمنها واستقرارها ما لم تتضافر جهود الصادقين لتكوين جبهة ممانعة لأخطبوط الفساد وشراء الذمم توسيعا لقاعدة الملإ المخزني، وإلا ستتسع الهوة وتستفحل الأزمة وتستعصي عن الحل؛ عندها لا يفيد الصياح والنياح.

اللهم إنا نعوذ بك من الفتن والمحن. ونسألك اللطف فيما جرت المقادر. آمين. والحمد لله رب العالمين.


[1] (ص:2،1).\
[2] (ص:2).\
[3] (ص:5،4).\
[4] (ص:7).\
[5] (ص:9).\
[6] (ص:7).\
[7] (ص:1).\
[8] (ص:10).\