نظمتُ هذه الأبيات في أثناء العدوان الصهيوني الهمجي الغاشم على غزة في نهاية سنة 2008. وأرى أن مناسبة هذه الأبيات ما تزال قائمة باستمرار العدوان والحصار والتآمر والإجرام اللاإنساني المنظم ضد شعبنا الفلسطيني عامة، وإخوتنا في غزة بصفة خاصة. اللهم نصرك الذي وعدت عبادك المؤمنين المجاهدين الصابرين. اللهم إنا مغلوبون فانتصر، آمين.جُرمٌ بغزّة خارقُ الأعيان *** وضحيةٌ قد سُويت بالجاني
هو عالم، هو غابةٌ همجيّة *** الظلم فيها وارف الأغصان
دَمُنا يسيل “على الهواء”1 نُحسّه *** متفرجين على مدى العدوان
ينعَى على القربى قساوةَ قلبهم *** ظلمُ القريب أشد في الوجدان
يشكو، ولاَ أُذُنٌ تبلّغ شكْوَه *** يشكو إلى الأحباب والجيران
أشلاءُ إخوتنا تُعرّي عجزَنا *** وسكوتُنا يفضي إلى الخِذلان
في قمّة2 الجبناء قمةُ دائنا *** وخواؤها يُقرَاْ من العنوان
سلبَ اليهودُ حقوقنا، وتوحدّوا *** وتخاصم “الأعراب” كالصبيان
بل ساوموا، وتصالحوا، وتواطؤوا *** حتى استقتْ دولةُ الشيطان
ضاعت فِلَسْطينُ الحبيبة بعدما *** تركوا الجهاد لصَفْقة الخُسران
جيش العدو بأرضنا مستأسد *** وجيوشنا في قبضة الغلمان
باعُوا القضية في مَواكبِ ذلِّة *** لم يحصدوا منها سوى الكُفران
كَفرَ اليهودُ بكل عَقد مُلزم *** وسعى الذليلُ لمجلسٍ “عِبْرانِي”3
تركوا الضحية للعدو غنيمة *** وتنافسوا في الإثم والعصيان
وعقيدةُ التوحيد أنْهوا أمرَها *** وتوجّهوا لعبادة الأوثان
هذا يُشرّق، والغريمُ مُغرّبٌ *** وعدوّنا يندسّ في الأوطان
بل كلهُمْ متأمركٌ متصهين *** يتهافتون على الحطام الفاني
هجروا السلاحَ وأخلدوا لعروشهم *** وتفرغ السلطانُ للسلطان
وتفرّغ السلطانُ يقمع شعبه *** ويرضّع التسليمَ في الألبان
ويجرّم التشكيك في جَبروته *** ويُحفّظ “التطبيعَ” كالقرآن
ويحرّمُ الأقوال والأفعالَ تدعو المسلمين لنُصرة الإخوان
ويكمّم الأفواه خشية كِلْمة *** قد تُنهض المقموع كالبركان
ويحاصر الأحْلامَ في قنواته *** ويقيّد الأحرار في القضبان
ويعلم الإخذاء للفتيان *** ويلقّن الإحجامَ للشجعان
غلب الهوانُ على الرعية ساقها *** جبرُ القرون لوهدة الإذعان
إنّا بسِجن قد ترسّخ رُكنُه *** إنا مع الأحياء في الأكفان
ونظامُنا السجّان يُعمل سوطَه *** لا يستَحي، في السرّ والإعلان
دمُنا ثمينٌ، والعدو يبيحه *** قد حَق ردُّ الفعل بالأسنان
وبشاعةُ الإجرام يصعب وصفها *** وقذائفُ الأعداء بالأطنان
ودماؤنا رخُصت، ولم يرَ حاكمٌ *** شلاّلها في غزّةِ الفرقان
فرقانُ ما بين اليهود وضدِّهم *** أبدا، أخي، لا يستوي الضدّان
ففريقهمْ كفر بواح بيّن *** ولواؤنا هوَ راية الإيمان
قتلاهمُ بهمُ جهنمُ سُعّرت *** وشهيدنا أبدا إلى الرضوان
النصر حقٌّ للمقاوم صامدا *** ومُثبَّتا في الثّغر والميدان
أما الهزيمة للعدو فواقع *** قد لا يراه الناس في الحسبان
في غزةَ الأشلاءُ تغسل عارَنا *** في غزةَ الأحرارُ من كنعان
في غزةَ الشهداءُ قد أحيوننا *** في غزةَ الأمواتُ كالتيجان
اَليوم في أرض الرّباط شرارة *** تُنبي بأن الحق في النيران4
ودم الشهيد اليوم يُذكي نارنا *** وغدا ستعلن ثورةُ الغضبان
ونظامنا البالي يقارب حتفَه *** وصمودُ غزةَ مولدُ الطوفان
1- الإشارة هنا إلى فظاعات الجرائم الصهيونية التي كانت تبثها القنوات الفضائية عبر العالم.

2- المقصود هنا قمة حكام العرب.

3- كناية عن مجلس الأمن الدولي الذي تتحكم فيه الدول المستكبرة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا معناه أن هذا المجلس، الذي يعارض أي حكم أو قرار أو أية مبادرة، كيفما كانت، يشتم منها رائحة المس بإسرائيل وإدانة جرائمها، هو مجلس “عبراني” أي صهيوني.

4- المقصود نيرانُ مقاومة العدوّ ومجاهدته.

مراكش: 10 يناير 2009