تعريف المحبة

المحبة أصلها من الصفاء، ذلك أن العرب تقول في صفاء بياض الأسنان ونضارتها: (حبب الأسنان). وقيل: أنها مأخوذة من الحباب، وهو الذي يعلو الماء عند المطر الشديد، فكأن غليان القلب وثورته عند الاضطرام والاهتياج إلى لقاء المحبوب يشبه ذلك. وقيل: مشتقه من الثبات والالتزام، ومنه: أحب البعير، إذا برك فلم يقم لأن المحب لزم قلبه محبوبه.

وقيل: النقيض، أي مأخوذة من القلق والاضطراب، ومنه سمي (القرط) حبا لقلقه في الأذن، قال الراعي يصف صائدا:تبيت الحية النضناض منه ** مكان الحب تستمع السرارا

وقيل: مأخوذة من الحب جمع حبه، وهي لباب الشيء وأصله، لأن القلب أصل كيان الإنسان ولبه ومستودع الحب ومكمنه.

وقيل هو: الميل الدائم بالقلب الهائم، وإيثار المحبوب على جميع المصحوب، وموافقة الحبيب حضورا وغيابا وإيثار ما يريده المحبوب على ما عداه، والطواعية الكاملة، والذكر الدائم وعدم السلوان.

قال الشاعر:ومن كان من طول الهوى ذاق سلوه ** فأني من ليلى لها غير ذائق
وأكثر شيء نلته من وصالها ** أماني لم تصدق كلمعة بارق
وقيل هي عمى القلب عن رؤية غير المحبوب، وصممه عن سماع العذل فيه، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد تصديق ذلك، إذ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “حبك الشيء يعمي ويصم”.

وقيل هي الحضور الدائم، كما قال الشاعر:يا مقيما في خاطري وجناني ** وبعيدا عن ناضري وعياني
أنت روحي إن كنت لست أراها ** فهي أدنى إلي من كل دان
أما محبة الله فهي أفضل نعمة على الإطلاق، فهي السبب والنتيجة، وهي أصل كل النعم وما بكم من نعمة فمن الله، وهي قطب رحى الدين، وهي الغاية القصوى من المقامات، والذروة العليا من الدرجات، فما بعد إِدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها، كالشوق والأنس والرضا. ولا قبل المحبة مقام إِلا وهو مقدمة من مقدماتها كالتوبة والصبر والزهد..) 1 . وكل ما قيل وكتب في المحبة إنما هو تبيان لثمارها، إذ التعريفات للعلوم، والمحبة مقام ذوقي يفيض على قلوب الأولياء المحبين، وتعريفاتها لا يزيدها إلا غموضا، وتعريفها هو وجودها. قال ابن الدباغ رحمه الله تعالى: فإن المحبة لا يعبِّر عنها حقيقة إلا مَنْ ذاقها، ومن ذاقها استولى عليه من الذهول على ما هو فيه أمر لا يمكنه معه العبارة).

والحب فطرة في النفس الزكية، تنزع بها إِلى تفهم حقيقتها والشوق إِلى التعرف على خالقها. ويزداد الحب كلما ازداد الإِيمان، وبمقدار كمال النفس يكون الحب، وعلى قدر الحب تكون السعادة ويكون النعيم. وحب الله تعالى يسمو بالذوق الإِنساني؛ إِذ يحوّل صاحبه إِلى لطيفة راضية مطمئنة.

قال أبو بكر الكتاني رحمه الله تعالى: جرتْ مسألةٌ في المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم، فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سناً، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي! فأطرق رأسه، ودمعت عيناه ثم قال: عبدٌ ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إِليه بقلبه، أحرق قلبه أنوارُ هيبته، وصفاء شربه من كأس وُدِّه، وانكشف له الجبار من أستار غيبه، فإِن تكلم فبالله، وإِن نطق فعن الله، وإِن تحرك فبأمر الله، وإِن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله، فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جزاك الله يا تاج العارفين.) 2

دليلها وفضلها

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب الإحسان الجزء الأول ص 170: حب الله الخالق المنعم مغروز في الفطر الكريمة المعدن، تطمره الطوامر وتبرزه من مكامنه صحبة من “ينهض بك حاله، ويدلك على الله مقاله”). لا ينكر حب العبد لربه واستجابة المولى الودود بحب أكبر إلا جاحد معاند، أو معطل فاسد. فكل ما فطرت القلوب على محبته من نعوت الكمال فالله هو المستحق له على الكمال. وكل ما في غيره من محبوب فهو منه سبحانه وتعالى. فهو المستحق لأن يحب على الحقيقة والكمال) 3 .

ويقول أيضا: حب العبد ربه وحب الرب عبده هو قطب رحى الدين. وكلما كان العبد أشد إيمانا كان أشد حبا لله. قال الله تعالى: )والذين آمنوا أشد حبا لله. هذه المحبة بين العبد وربه، منك إليه ومنه إليك، هي: عقد الإيمان الذي لا يدخل فيه الداخل إلا بها، ولا فلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها.. ولهذا كانت أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه، وأهل غضبه ونقمته. فهذه المسألة هي قطب رحى الدين الذي عليه مداره. وإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق. وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله وأحواله وأقواله. ولا حول ولا قوة إلا بالله) 4 .

والأدلة على محبة الله لعبده، ومحبة العبد لربه كثيرة. قال الله تعالى: يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ. وقال تعالى: والذين آمنوا أشَدُّ حُبّاً للهِ. وقال تعالى: قل إنْ كُنْتُم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ ويغفِرْ لكُمْ ذنوبَكُم. ويحببكم الله: دليل على المحبة وفائدتها وفضلها.

وفي السنة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاث مَنْ كنَّ فيه وجد حلاوة الإِيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إِليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إِلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار” 5 .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الله تعالى: مَنْ عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إِليَّ عبدي بشيء أحبَّ إِليَّ من أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإِذا أحببتُه كنتُ سمعُه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإِن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه” 6 . يعلق الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب الإحسان فقرة حب الله قطب رحى الدين)، يقول: هذا الحديث القدسي العظيم سند قوي لزيادة بيان ما أثبته القرآن وأثبتته السنة من أن الله جلت عظمته يحب من عباده خاصة يفردهم عن الناس هم أولياء الله. وحول هذا الحديث نشبت بين طوائف العلماء خلافات وتأويلات. أفرده بعضهم بالتأليف لمزيد العناية به، كما فعل الشوكاني في كتاب “قطر الولي في حديث الولي” وأنكره بعضهم مع ثبوته في أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى لما ضاقت حويصلته عن قبول المعاني الجليلة التي يتضمنها).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إِذا أحب الله العبد دعا جبريلَ فقال: إِني أحب فلاناً فأحبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إِن الله يحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض” 7 .

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “كان من دعاء داود عليه السلام: اللهم إِني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إِلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد” 8 .

والقرآن والسنة مملوءان بذكر مَنْ يحبه الله من عباده، وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم كقوله تعالى: واللهُ يُحِبُّ الصابرينَ. واللهُ يُحِبُّ المحسنينَ. إنَّ اللهَ يُحِبُّ التوابينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرينَ.

قال عليه الصلاة والسلام: “أَحِبُّوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأَحِبّوني بحب الله” 9 .

الأسباب المورثة للمحبة

أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به.

الثاني: التقرب إِلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإِنها توصل إِلى درجة المحبوبية بعد المحبة.

الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا التذكر.

الرابع: إِيثار محابِّه على محابِّك عند غلبة الهوى، والتسنُّمُ إِلى محابِّه وإِنْ صعب المرتقى.

الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتُها ومعرفتها، وتقلبُه في رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبَّه لا محالة.

السادس: مشاهدة بره وإِحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة، فإِنها داعية إِلى محبته.

السابع: انكسار القلب بكليته بين يديه تعالى تذللاً وتواضعاً.

الثامن: الخلوة به وقت التجلي الإِلهي لمناجاته لاسيما في الأسحار، وتلاوةُ كلامه، والوقوفُ بالقلب والتأدبُ بين يديه، ثم ختْمُ ذلك بالاستغفار والتوبة.

التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما ينتقي أطايب الثمر. وهذا هو أعظم باب على الإطلاق للتعرف عليه سبحانه، لا وصول إليه إلا عن طرقه.

العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل 10 .

فمن هذه الأسباب وغيرها وصل المحبون إِلى منازل المحبة.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين كلاما نفيسا في الطريق الموصل لمحبة الله تعالى في وقتنا الحاضر، يعطي إشارات واضحة ومعالم طريق، وخارطة طريق جلية، تسهل السلوك وتبينه، ويقارنه بسلوك الصحابة الكرام وأولياء الله رضي الله عنهم أجمعين، يقول في الإحسان، ج 1 ص173: سُقي القوم من قبلنا رضي الله عنهم شراب المحبة بكاسات دهاقٍ في خلوات المجاهدة والرياضة والتفرغ الدائم لذكر الله. ومطلب المجاهدين المشتاقين إلى ربهم في مستقبل القومة لله، والتحزب لله، وإقامة الخلافة على منهاج رسول الله، ينبغي أن يكون عند مقام من وصفهم الله عز وجل في كتابه العزيز حيث قال: )فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.

هنيئا لأحباب الله أولياء الله رحيقَ المحبة سُقوه قروناً طويلة في ظلال الخلوات، وأهنأُ منه ما سُقِيَه الصحابة تحت ظلال السيوف، وما يوعد به “الإخوان” بعد الصحابة تحت ظلال البنادق وأزيز الصواريخ وعجيج دواليب الدولة الإسلامية، تعْمر الأرض، وتنشر لواء العزة بالله، وتبلغ للعالمين رسالة الله.

علامات المحبة

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في الإحسان ص 174 ادعاء حب الله دون إعطاء براهين الصدق العمليَّة كذب وأمانٍ وأحلام. لستَ هناك حتى يَنقلعَ من قلبك حبُّ ما سوى الله من دنيا مُوثَرة وهوى مُتبع وأنانية طاغية! لستَ هناك حتى يرى اللهُ ورسولُه والمؤمنون عملَك عند الأمر والنهي!) قال الغزالي (الإحياء ج 4 ص 282): لا ينبغي أن يَغْتَرّ الإنسان بتلبيس الشيطان وخِدَعِ النفس مهما ادعت محبة الله تعالى ما لم يمتحنها بالعلامات، وما لم يُطالبها بالبراهين والأدلة. والمحبة شجرة طيبة أصلها ثابت، وفرعها في السماء، وثمارُها تظهر في القلب واللسان والجوارح).

وذكر رحمه الله سبعة أدلة على ثبوت محبة الله في قلب العبد، منها “حب لقاء الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة”، و”أن يكون مُؤْثرا ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه”، و”أن يكون مستهترا بذكر الله”. و”أن يكون أنسُه بالخلوة ومناجاته لله تعالى وتلاوة كتابه”، و”أن لا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله عز وجل”، و”أن يتنعم بالطاعة، ولا يستثقلها”، و”أن يكون مُشْفِقاً على جميع عباد الله، رحيما بهم، شديدا على جميع أعداء الله”).

من الناس من يَزعم أن السلوك إلى الله عن طريق الحب أمر إرادي يتحقق بدون اعتبار الأمر والنهي الوارد بهما الشرع.

ويتحدثون عن المحبة والدنو والقرب والعشق والهُيام وسائر هذه المصطلحات، ثم تجدهم عند الأمر والنهي مُتلَكّئين مُتهاوِنِين. هؤلاء عابثون مستهزئون، لم يحققوا شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله. فإن تحقيق الشهادة بالتوحيد يقتضي أن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله وأن يحبَّ ما يحبه الله، ويبغض ما أبغضه، ويأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه. وأنك لا ترجو إلا الله، ولا تخاف إلا الله، ولا تسأل إلا الله وهذا ملة إبراهيم. وهذا الإسلام الذي بعث الله به جميع المرسلين).

محبة الله عز وجل الصادقة بِبَراهينِها، المُوَفِّية لشروطها من جانب العبد، الفائضة من العزيز الحميد نُزُلا مُباركاً، جنة في الدنيا معجَّلة لأحباب الله. قال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة).

وقيل في علامات حب الله تعالى:

عن أنس بن مالك: “أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يوقد له نار فيقذف فيها”.

وقال عليه الصلاة والسلام: “مَنْ أحب لقاء الله أحب الله لقاءه” 11 .

قال سفيان بن عيينة: والله لا تبلغوا ذروة هذا الأمر حتى لا يكون شيء أحب إليكم من الله عز وجل، ومن أحب القرآن فقد أحب الله عز وجل).

قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: تعصي الإِلهَ وأنتَ تُظهر حبَّه ** هذا لَعمري في القياس بديعُ
لو كان حبُّك صادقاً لأطعتَه ** إِنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ
ينسج الأستاذ عبد السلام ياسين على نفس المنال وينشد:تعصيه ويْحك زاعما بوقاحـة ** حبَّ المهيمـن إن ذا لفظـيــعُ
أبدعت في شرع الوداد وخنْتَه ** إن الـمُحبَّ لمن يُحب مُطـيــعُ
ما أنت مِن رِقّ الهوى مُتحـرِّرٌ ** ولأنت في وَحَل الفُتون صريـعُ
وفي هذا المعنى قيل أيضاً: وأتركُ ما أهوى لما قد هويتَه ** فأرضى بما ترضى وإِن سخطتْ نفسيوقيل: خيالُكَ في قلبي وذِكرُكَ في فمي ** ومثواكَ في قلبي فأين تُغيَّبُ
وبعضهم قال:ومَنْ قلبه مع غيره كيف حاله؟ ** ومَنْ سره في جفنه كيف يكتم؟قال علي كرم الله وجهه في وصف المحبين المستأنسين بالله: هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، واستلانوا بما استوعر المُتْرفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إِلى دينه.

سئل ذو النون المصري رحمه الله تعالى عن المحبة فقال: أن تحب ما أحب الله، وتبغض ما أبغض الله، وتفعل الخير كله، وترفض كل ما يشغل عن الله، وأن لا تخاف في الله لومةَ لائم، مع العطف على المؤمنين، والغلظة على الكافرين، واتِّباعِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين) 12 .

وقال أيضاً: من علامات المحب لله، متابعةُ حبيب الله في أخلاقه وأفعاله وأمره وسنته) 13 .

وقال السيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى: من أحب الله علَّم نفسه التواضع، وقطع عنها علائق الدنيا، وآثر الله تعالى على جميع أحواله، واشتغل بذكره، ولم يترك لنفسه رغبة فيما سوى الله تعالى، وقام بعبادته..) 14 .

وقال محمد بن علي الترمذي الحكيم رحمه الله تعالى: حقيقة محبته دوام الأنس بذكره) 15 .

مقامات المحبين

يقول الأستاذ عبد السلام يس في الإحسان: والمؤمنون في حبهم لله مراتب، فالعامة يحبونه لما يغذوهم به من نعم ومنن، وخاصة أهل الله يحبونه عبودية وإخلاصا وشوقا. وكل هذه العواطف فروع لشجرة المحبة المغروزة في الفطرة الإنسانية، تبرز من داني الفطرة وقاصيها إلى الوجود، فيقذف الله بها، وهي حق، على كل باطل مشكك معطل، فيدمغه فإذا هو زاهق). أما بعد، فإن الله غرس شجرة محبته ومعرفته وتوحيده في قلوب من اختارهم لربوبيته، واختصهم بنعمته، وفضلهم على سائر خليقته. فهي شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها) 16 .

مر عيسى عليه السلام على طائفة من العبَّاد، قد وهنت أبدانهم، وتغيرت ألوانهم من العبادة؛ فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: نحن عباد الله تعالى. فقال: ولأي شيء تعبدتم؟ قالوا: خَوَّفَنا الله من ناره، فخفنا منها. فقال: إِن الله تعالى قد أَمَّنكم مما خفتم منه. ثم جاوزهم لآخرين أشد منهم عبادة، فقال: لأي شيء تعبدتم؟ قالوا: شَوَّقنا الله جنتَه وما أعد فيها لأوليائه، فنحن نرجوها بعبادتنا. فقال: إِن الله أعطاكم ما رجوتم. ثم جاوزهم ومر بآخرين يتعبدون فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المحِبون لله عز وجل، لم نعبده خوفاً من ناره، ولا شوقاً إِلى جنته، ولكن حباً له وتعظيماً لجلاله؛ فقال أنتم أولياء الله حقاً، وقد أُمِرْتُ أن أُقيم معكم، وأقام بين أظهرهم 17 .

يشير هذا الشاهد إِلى أن الناس يتفاوتون باختلاف هممهم؛ فمنهم من يريد الدنيا؛ ومنهم من يريد الآخرة، ومنهم من يريد الله تعالى.

سمع بعض الصوفية قارئاً يقرأ: مِنْكُم مَنْ يريدُ الدُّنيا ومِنْكُم مَنْ يريدُ الآخرة. فقال: وأين من يريد الله؟!..

ولهذا قال الإِمام علي رضي الله عنه: إِن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإِن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإِن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار).

وقيل في وصف الذين أرادوا الله، وأحبوه دون غيره: فما مقصودُهم جناتُ عدنٍ ** ولا الحور الحسانُ ولا الخيامُ
سوى نظرِ الجليلِ وذا مناهم ** وهذا مقصدُ القومِ الكرامُ
لله در أقوام إِذا جن عليهم الليل سمعت لهم أنين الخائف، وإِذا أصبحوا رأيت عليهم تغير ألوان:إِذا ما الليل أقبل كابدوهُ ** ويسفر عنهمُ وهمُ ركوعُ
أطارَ الشوقُ نومَهمُ فقاموا ** وأهلُ الأمنِ في الدنيا خشوعُ
أجسادهم تصبر على التعبد، وأقدامهم ليلَها مقيمة على التهجد، لا يُرَدُّ لهم صوت ولا دعاء، تراهم في ليلهم سجداً ركعاً، وقد ناداهم المنادي، وأطربهم الشادي:يا رجالَ الليل جِدّوا ** رُبَّ صوتٍ لا يُرَدُّ
لا يقوم الليلَ إِلا ** مَنْ له حَزم وجِدُّ
لو أرادوا في ليلتهم ساعة أن يناموا أقلقهم الشوق إِليه فقاموا، وجذبهم الوجد والغرام فهاموا، وأنشدهم مريدُ الحضرة عن لسان الحضرة وبثَّهم، وحملهم على المناجاة وحثَّهم:

حُثُّوا مطاياكم وجِدُّوا ** إِن كان لي في القلوب وَجْدُ
قد آن أن تظهرَ الخبايا ** وتُنشَر الصحف فاستعدُّوا
الفرش مشتاقة إِليهم، والوسائد متأسفة عليهم، النوم قرَّم إِلى عيونهم، والراحة مرتاحة إِلى جنوبهم. الليل عندهم أجلُّ الأوقات في المراتب، ومُسامرهم عند تهجدهم يرعى الكواكب. هجروا المنام في الظلام، وقلدوا بطول المقام، وناجَوْا ربهم بأطيب كلام، وأنِسوا بقرب الملك العلاَّم، لو احتجب عنهم في ليلهم لذابوا، ولو تغيَّب عنهم لحظة لما طابوا، يديمون التهجد إِلى السحر ويتوقعون ثمر اليقظة والسهر.

ولقد جرّد المحسنون الحب عن المطامع والشهوات، وأخلصوا الحب لله تعالى، فليس في حبهم علة، ولا لعشقهم دواء إِلا رضا مولاهم، تقول رابعة العدوية رحمها الله تعالى: كلُّهم يعبدون من خوفِ نارٍ ** ويرون النجاةَ حظاً جزيلا
أوْ لكي يسكنوا الجِنانَ فيحظَوا ** بكؤوسٍ ويشربوا السلسبيلا
أو يقيموا بين القصورِ جميعاً ** أنا لا أبتغي بحِبِّي بديلا
ولبعض المحبين: فليتَك تحلو والحياةُ مريرةٌ ** وليتك ترضى والأنامُ غضابُ
وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ ** وبيني وبين العالمين خرابُ
إِذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هينٌ ** وكلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ
وقيل: قومٌ أَخلصوا في حُبِّه ** فاختارهم ورضي بهم خُدَّاما
قومٌ إِذا جَنَّ الظلامُ عليهمُ ** أبصرْتَ قوماً سجداً وقياما
يتلذذون بذكره في ليلهم ** ويكابدون به النهارَ صياما
فسيغنمون عرائساً بعرائسٍ ** ويُبَوَّؤن من الجِنان خياما
وتَقَرُّ أعينُهم بما أُخفِي لهم ** وسيسمعون من الجليل سلاما

من قصص المحبين

* قال ابن القيم رحمه الله ليس المستغرب أننا نحب الله تبارك وتعالى، ليس بمستغرب أن الفقير يحب الغني وأن الذليل يحب العزيز، فالنفس مجبولة على حب من أنعم عليها وتفضل عليها بالنعم، لكن العجيب من ملك يحب رعيته ويحب عباده ويتفضل عليهم بسائر النعم).

* روي أن ملك الموت جاء إلى إبراهيم عليه السلام ليقبض روحه فقال له إبراهيم عليه السلام: هل رأيت خليلاً يميت خليله؟؟! فأوحى الله إليه: يا إبراهيم، هل رأيت حبيباً يكره لقاء حبيبه؟ فقال إبراهيم عليه السلام: يا ملك الموت اقبضني الآن.

* ولما خُير نبينا صلى الله عليه وسلم بين الحياة الدنيا ولقاء الله عز وجل قال: بل الرفيق الأعلى.

* وهذا أبو عبد الله النباجي اشترى جارية سوداء للخدمة فقال لها: قد اشتريتك، فضحكت فحسبها مجنونة.

فقال: أمجنونة أنتِ؟؟

فقالت: سبحان من يعلم خفيات القلوب، ما بمجنونة أنا.

ثم قالت: هل تقرأ شيئاً من القرآن؟

قال: نعم..

فقالت: اقرأ علي

فقرأ عليها: بسم الله الرحمن الرحيم

فشهقت شهقة وقالت: يا الله هذه لذة الخبر فكيف لذة النظر؟

فلما جن الليل وطأ فراشاً للنوم فقالت له: أما تستحي من مولاك أنه لا ينام وأنت تنام؟!

ثم أنشدت: عجباً للمحب كيف ينام ** جوف الليل وقلبه مستهام
إن قلبي وقلب من كان مثلي ** طائران إلى مليك الأنام
فأرضي مولاك إن أردت نجاة ** وتجافى عن إتباع الحرام
قال النباجي: فقامت ليلتها تصلي فقمت من نومي أبحث عنها فإذا هي تناجي ربها ساجدة وتقول “بحبك إياي لا تعذبني” فلما انتهت قلت لها: كيف عرفت أنه يحبك؟

قالت: أما أقامني بين يديه وأنامك، ولولا سابق محبته لي لم أحبه أما قال “يحبهم ويحبونه”.

* مرض أعرابي فقيل له: إنك تموت، قال: وأين يذهب بي؟

قالوا: إلى الله عز وجل.

قال: فما أجمل الموت وما أجمل لقاء الله.

أليس هو الذي قال: “ورحمتي وسعت كل شيء”؟

* قال أحمد ابن الحواري سمعت أبا سليمان الداراني، ووقفت عليه وهو لا يراني، فسمعته يقول مناجياً ربه لأن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بعفوك، ولأن طالبتني بتوبتي لأطالبنك بسخائك، ولأن أدخلتني النار لأخبرن أهل النار أني أحبك).

* وقال بعض العباد: لما علمت أن ربي عز وجل هو الذي سيحاسبني زال عني حزني، لأنه الكريم الذي إذا حاسب عبده تفضل يا الله، يا الله لو يعلم المدبرون عنه كيف انتظاره لهم ورحمته إياهم وشوقه إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم شوقاً إليه، هذه إرادته في المدبرين عنه فكيف بالمقبلين عليه؟).

* حُكي أنّ ذا النون المصري رحمه الله دخل المسجد الحرام فرأى شاباً عرياناً مطروحاً مريضاً تحت أسطوانة، وله أنين من قلب حزين، قال: فدنوت منه وسلمت عليه وقلت له: من أنت يا غلام؟ قال: أنا غريب عاشق. فقلتُ، وأنا مثلك. فبكى وبكيتُ أنا بِبُكائه. قال: أتبكي أنتَ؟ فقُلتُ أنا مثلك. فبَكى بأعلى صوته وصاح صيحة عظيمة فخَرَجَت روحُهُ من ساعتهِ، فطَرَحتُ عليه ثوبي وخَرَجتُ من عندِه لِطَلَب الكفن، فلمَّا عُدتُ لم أجِدْهُ في مكانه، فقلت: سبحان الله! فسمعتُ هاتفاً يقول: يا ذا النون، إنّ هذا الغريب طلبه الشيطان في الدنيا فما وجده، وطلَبَهُ مالك فلم يرَهُ، وطَلَبهُ رضوان في الجنة فما وجَدَه. قلتُ: فأين هو؟ قال: فسمعتُ هاتفاً يقول: في مقعد صدق عند مليك مقتدر. بسبب محبته وكثرة طاعته وتعجيل توبته.

* مرَّ عيسى عليه السلام بشاب يسقي بستاناً فقال الشاب لعيسى، سل ربّكَ أن يرزُقَني من محبّته مثقال ذرَّة. فقال عيسى: لا تُطيقُ مثقال ذرة. فقال: نصف ذرّة. فقال عيسى عليه السلام: يا رب ارزقهُ نصف ذرَّة من محبَّتِك. فلمّا مرّ عيسى بعد مدة بِمحلّ ذلك الشاب، وسأل عنه فقالوا: جُنَّ وذهب إلى الجبال. فدعا عيسى ربه أن يُرِيهِ إيّاه، فرآهُ بين الجبال، فَوجَدَه قائماً على صخرة شاخِصاً طَرْفَهُ إلى السماء، فسلَّمَ عليه عيسى فلم يرُدَّ عليه، فقال: أنا عيسى، فأوحى الله تعالى إلى عيسى: كيف يسمعُ كلامَ الآدميين من كان في قَلبِهِ مثقال نصفُ ذرَّة من محبَّتي؟ فَوَ عِزّتي وجلالي لو قطَعْتُه بالمنشار لما علم بذلك .

* حُكي أن رجلاً اشترى غلاماً، فقال الغلام: يا مولاي، إن لي معك ثلاثة شروط، أولها: أن لا تمنعني عن الصلاة المكتوبة إذا جاء وقتها، وثانيها: أن تأمرني بالنهار ما شئت ولا تأمرني بالليل، وثالثها: أن تجعل لي منزلا في بيتك لا يدخله غيري .فقال له الرجل: لك هذه الشروط. ثم قال الرجل: انظر في هذه البيوت، فطاف الغلام فوجد فيها بيتاً خرِباً فقال: أخذت هذا البيت. فقال الرجل يا غلام اختَرْتَ بيتاً خرِباً!! فقال الغلام يا مولاي: أما عَلِمتَ أن الخراب مع الله بستان؟ فكان الغلام يخدم مولاه في النهار وفي الليل يتَفَرّغ لعبادة ربه. فبينما هو كذلك إذ طاف مولاه ذات ليلة في الدار فبلغ حُجرة الغلام، فإذا هي مُنوِّرة والغلام ساجد وعلى رأسه قنديل من النور مُعَلَّق بين السماء والأرض، والغلام يناجي ربه ويقول: إلهي أوجَبْتَ عليّ حقَّ مولاي وخدمته بالنهار، ولولا ذلك ما اشتغلت ليلي ولا نهاري إلاّ بخدمتك فاعذرني يا رب، ومولاه ينظر إليه حتى انفجر الصبح ورُدَّ القنديل، وانضمّ سقف البيت، فرجع الرجل وأخبر امرأته بذلك، فلما كانت الليلة الثانية، أخذ بيد امرأته وجاء إلى باب الحجرة، فإذا الغلام في السجود، والقنديل على رأسه، فوقفا على الباب ينظران إليه ويبكيان حتى أصبحا، فدعا الغلام فقال له، أنت عتيق لوجه الله تعالى حتّى تَتَفرَّغ لعبادة من كنت تعتذر إليه. فرفع الغلام يديه إلى السماء وقال: يا صاحب السرّ إن السرَّ قد ظهرا ولا أريدُ حياتي بعدما اشتَهَرا. ثم قال: إلهي أسألك الموت، فخرَّ الغلام ميِّتاً.

اللهم ارزقنا حبك، آمين. والحمد لله رب العالمين.


[1] “الإحياء” للإمام الغزالي كتاب المحبة والشوق ج13. ص2570.\
[2] “مدارج السالكين” ج3. ص11.\
[3] ابن تيمية.\
[4] ابن القيم.\
[5] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان.\
[6] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق باب التواضع.\
[7] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة.\
[8] أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حسن غريب.\
[9] رواه الترمذي في كتاب المناقب وقال: حسن غريب.\
[10] انظر كتاب “مدارج السالكين” ص11 -12.\
[11] رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، ومسلم في صحيحه في كتاب الذكر، باب من أحب لقاء الله.\
[12] “طبقات الصوفية” للسلمي ص18.\
[13] “طبقات الصوفية” للسلمي ص18.\
[14] “البرهان المؤيد” للسيد أحمد الرفاعي ص59.\
[15] “طبقات الصوفية” ص219.\
[16] ابن القيم.\
[17] “نور التحقيق” ص84.\