في مطلع شهر ماي من عام 1998، أصدر الأستاذ عبد السلام ياسين كتابا في غاية الأهمية يحمل عنوان (الإحسان)، يندرج هذا الإصدار في إطار المشروع التغييري المتكامل الذي يحمل لواءه مرشد جماعة العدل والإحسان منذ أزيد من ربع قرن ولا يزال متواصلا. ويأتي هذا الإصدار بعد سلسلة من الكتب الحوارية الموجهة إلى مختلف الهيئات السياسية بحتا عن أرضية مشتركة في إطار ما يجمع كل أفراد المجتمع ألا وهو الإسلام.

فبعد كتب: ”حوار مع الفضلاء الديمقراطيين”، و”حوار الماضي والمستقبل”، و”الشورى والديمقراطية”، و”حوار مع صديق أمازيغي”، التي خاطبت العقول ولامست الجانب السياسي والفكري، يأتي كتاب ”الإحسان” ليخاطب القلوب ويلامس الجانب التربوي الروحي. هذا الجانب الذي ناذرا ما يحظى بأهمية فعلية لدى العاملين في حقل الدعوة الإسلامية رغم أهميته وخطورته، ذلك أن الهاجس السياسي والثقافي والفكري أصبح هو المسيطر على أبناء الحركة الإسلامية مما يهدد كيانها الذاتي نظرا لغياب عنصر القوة والمناعة المتمثل في الجانب الروحي القلبي الذي هو لب الأمر ومصدر كل شيء. فالمصطفى صلى الله عليه وسلم يعتبر مجاهدة النفس بمثابة (الجهاد الأكبر) بينما مجاهدة الأعداء بمثابة (الجهاد الأصغر). وقد بدأ دعوته – صلى الله عليه وسلم بإيقاظ القلوب وتزكيتها وإخضاعها للوحي. وعندما تحررت هذه القلوب من الهوى والدنيا، جاءت البشرى بالنصر والتمكين في أرض الدنيا والفوز والفلاح في الدار الآخرة.

فأين نحن من أولئك الرجال الذين نقلتهم التربية النبوية الربانية من عالم الموت المعنوي إلى عالم الحياة الحقيقية، عالم الذكر واليقظة القلبية؟ أين نحن من أولئك الرجال الذين يبيتون لربهم ركعا سجدا، رحماء بينهم، أشداء على الكفار تراهم بالليل رهبانا يستمطرون رحمة الله وبالنهار فرسانا يقاومون المشاق والمصاعب بكل أنواعها وأشكالها ؟ أين نحن من أولئك الربانيين، أولياء الله وأحباؤه اللذين إذا رأيتهم ذكروك بالله؟ ما العمل للوصول إلى مكانتهم؟ ما السبيل لاكتساب الورع والتقوى والتعلق بالله سبحانه وتعالى والوصول إلى درجة الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه كما جاء في حديث جبريل عليه السلام؟ من أجل ذلك، يأتي كتاب “الإحسان” كصرخة مدوية وجهها الرجل الخبير للدعاة وغيرهم: يا قوم! من هنا البداية والانطلاقة، من هنا الطريق! صرخة تستهدف تصحيح المسار وإضاءة الطريق حتى لا تضل السفينة طريقها وتتمزق وتنشطر تحت ضغط الأمواج الفتنوية الداخلية والجاهلية الخارجية الهاجمة بخيلها ورجلها. وعلى هذا الأساس، يبقى المطلب الإحساني الرباني الجهادي أول طلب ينبغي الاعتناء به لأن أثره لا ينعكس على مصير الأمة الجماعي في الدنيا وحسب بل ينعكس كذلك على مصير الفرد في الآخرة عند الله سبحانه وتعالى. وفي هذا السياق يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب “الإحسان”: في عصرنا توشك العروة القلبية أن تتلاشى لذلك يكون المطلب الإحساني أسبق المطالب في سلم الأولويات، ويكون طب القلوب أهم علم، وتطبيقه أهم عمل.

جسد الأمة متداع نهب للناهبين، يستطيع المحلل السياسي والخبير الاقتصادي والباحث الاجتماعي أن يشخصوا أعراض الانحلال في جسد الأمة، وينبري أصحاب “الحل الإسلامي” و”البديل الإسلامي” ليقترحوا علاجا “إسلاميا” وفقا لذلك التشخيص وفي مستواه من المادية والعقلانية واستجابة له، وتبنيا لما تعرفه المجتمعات البشرية من بواعث ومنازع.

التشخيص النبوي وصف داء الأمة حين تنحل وتصبح غثاء كغثاء السيل وسماه “وهنا” وهو حب الدنيا وكراهية الموت. العلاج النبوي لهذا الفساد نستنبطه من حديث المصطفى الكريم عن الأجساد تفسد أو تصلح بفساد أو صلاح مضغة فيها تسمى القلب [ … ]

صلاح التيار القلبي الإيماني الساري في أوصال الأمة يكون بصلاح قلوب المومنين وصلاح القلوب يكون بالتربية [ … ]

أفيمكن للأمة والجسد واه غثائي أن تستجمع قواها وتجاهد أعداءها وتعز على المستكبرين إن لم يصلح القلب وتتوثق عرى الإحسان؟ القلب مكمن الداء، فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها. ما حديثنا عن مقاصد الشريعة وعن الطلب والمطالب، وعن العدل والشورى، وعن الأهداف الدنيوية وعن الغاية الأخروية إلا أحلام طائشة إن لم يشتد قلب الأمة باشتداد قلوب المؤمنين على عزمة إيمانية وإرادة إحسانية تنهد أمامها العقبات وتنفتح أبواب الأرض والسماوات) 1 .

فهل إذن الدعوة إلى تطهير النفس وتزكيتها هي دعوة إلى التصوف القاعد المتخلف عن ركب الجهاد المنتظر أن تمطر السماء ذهبا؟ كلا ! بل هي دعوة إلى اقتحام العقبة إلى الله عز وجل كما يقول في الصفحة 94 من نفس الكتاب ” في هذا الكتاب لست أدعو الأجيال المقبلة للتصوف! وإن كانت التربية الصوفية هي التي احتفظت بجوهر الأمر كله بل أدعو إلى اقتحام العقبة التي انحدر منها الصوفية الكرام عن ذلك الأفق العالي الجهادي الذي تحرك في ذراه الصحابة المجاهدون. نالوا بالجهاد المزدوج، الجهاد الآفاقي والأنفسي درجة الكمال وجمعوا إلى نورانية القلوب المتطهرة حمل الأمانة الرسالية إلى العالم. وبذلك لحقوا بمقعد الصدق. ”

فإذا كان العدل كما قيل ”أساس الملك أو الحكم” لتوفر عوامل الرخاء والاستقرار السياسي والاجتماعي ومن تم انضباط أعضاء وأفراد المجتمع. فإن الإحسان يبقى أساس “الحكم الذاتي” أي على مستوى الفرد. فبفضله تنضبط أعضاء وجوارح الجسم وتنجمع على جادة الصواب بتوجيه مباشر من القلب المغمور بدفء الإحسان.

وبكلمة مختصرة، يبقى التغيير النفسي ضروري ومقدمة للتغيير الشامل وأن هذا الأخير يتوقف عن الأول. فلا مجال لتحقيق مجتمع متراحم ومتواد إذا كان أفراد هذا المجتمع يفتقدون معاني الرحمة والمودة والسكينة في قلوبهم.


[1] ص24 وص26.\