إعلان رئيس السلطة الفلسطينية “أبو مازن” نيته عدم الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، وإن كان يرى فيه البعض ورقة ضغط على الإدارة الأمريكية و”إسرائيل” ومناورة سياسية لاستعادة بعض الشعبية داخليا، فهذا لا ينفي كونه أحد النتائج المتوقعة جدا لتقرير غولدستون المثير للجدل، وما ترتب عنه من اختلاف في القراءات حيال قرار السلطة الفلسطينية طلب التأجيل باختلاف المواقع والخلفيات السياسية والمرجعيات الفكرية والإيديولوجية، لكن بالرغم من هذا الاختلاف والجدل الذي وصل حد التناقض تبقى هناك خلاصات لا يمكن القفز عليها، ولعل أكبرها أن مسار القضية الفلسطينية بعد التقرير ليس كما قبل، وأن الواقع الدولي والإقليمي والمحلي الفلسطيني بعد التقرير ليس كالوضع قبله لاعتبارات نجملها فيما يلي:

– عزلة “إسرائيل”: وإن كنا لسنا من المتفائلين كثيرا بما أحدث التقرير على درب عزل “إسرائيل” دوليا حقوقيا وإعلاميا، لكننا نأمل بدون شك أن يشكل البداية الصحيحة لإحداث صدع في جدار الرأي العام الغربي، الذي نجحت الدعاية الصهيونية على مدى عقود في صناعته. وأن يشكل انتصارا معنويا لكل المنظمات والهيئات الحقوقية والقانونية الأهلية والمدنية خاصة العربية، لهذا من المفروض على هذه الهيئات الزيادة من الضغط بوسائل مبتكرة لتكريس العزلة الصهيونية خاصة على مستوى المنظمات الإقليمية والدولية.

– إعدام فريق أوسلو: لاشك أن الموقف الفضيحة الذي أبانت عنه السلطة بشأن تأجيل النظر في التقرير، والذي بدون ريب كان بفعل ضغوط عربية ودولية و”إسرائيلية” قوية ومتوحشة، كان الهدف منه إعدام عباس ومعه جماعة أوسلو. فعباس وجماعته في تقدير صانع القرار الأمريكي و”الإسرائيلي” صاروا ورقة محروقة واقعيا حسب المعطيات على الأرض، وسياسيا لأن سقف التنازلات الممكنة تم استنزافه والشعبية والشرعية صارت مفتقدة حتى داخل فتح والمنظمة، لهذا كان من الضروري أن يتبدل بفريق أكثر حضورا في الساحة ويمسك الخيوط بشكل أقوى، وخير من يقوم بهذا الدور دحلان وجماعته فهم “وجوه المرحلة”، ولولا الإصرار العربي والإقليمي على عباس وفريقه لتم تجاوزهما من طرف الآلة البراغماتية السياسية الأمريكية، وحتى ما صرح به بيريز مؤخرا، ليس دعما لعباس وإنما هو في اتجاه عزله وإفقاده ما تبقى من شرعية، لأن وصف الشريك في عملية السلام يطابق الوصف بالخيانة والعمالة لإسرائيل.

– تأزيم الوضع الفلسطيني: التقرير عمق الخلاف الفلسطيني بدون شك، فتفجير فضيحة غولدستون وما واكبها من تسريبات خاصة في الصحافة العبرية حول صفقة مشبوهة بين عباس والصهاينة في وقت بات التوقيع على صيغة نهائية لاتفاق فلسطيني وشيكا، وبكل المقاييس لصالح جماعة عباس وفصائل المقاومة والقوى الشريفة داخل فتح. مما سيقطع الطريق على الفريق الجديد المتوثب للانقضاض على السلطة وإتمام المشروع الأمريكوصهيوني الأمني والسياسي وهو ما كانت تعيه القوى الوطنية جيدا في السابق.

لذا على فصائل المقاومة ومنها حماس -رغم إدراكنا لصعوبة الوضع الآن- أن تعمل على تجنب تعميق الخلاف مع “أشراف فتح” والتيارات الوطنية، خاصة التي على الأرض لأن من شأن حرب البيانات والحملات الإعلامية المتبادلة أن يدفع بهذا التيار أيضا للارتماء في أحضان العدو ويجعله لقمة سائغة وهو ما ليس في صالح القضية الفلسطينية استراتيجيا.

– تبعية القرار العربي: من نافلة القول أن نقول أن الموقف من تقرير غولدستون فضح تبعية بعض الأنظمة العربية لدوائر القرار السياسي الصهيوني مباشرة وليس الأمريكي فقط، وهو ما يفسر حجم الضغوطات التي مورست على عباس وسلطته بدعوى أن تقرير غولدستون يهدد جهود سلام ميت أصلا، وهو ما لمح عباس وعريقات بفضحه في وقت الأزمة .

– ملاحقة قيادات حماس: التقرير قد يشكل مرجعية قانونية دولية لمحاكمة قيادات المقاومة الإسلامية والوطنية في فلسطين، وعلى رأسهم قيادات حماس العسكرية والسياسية وقبول التقرير بدون شك إن كان من إيجابياته التنصيص على محاكمة وملاحقة القيادات الصهيونية دوليا فإنه أيضا يدين القيادات العسكرية لحماس والجهاد الإسلامي.

وهذه إحدى النقط التي ينبغي إبرازها فحماس التي قبلت تكتيكيا بالتقرير بمنطق حساب “الربح والخسارة” السياسية محليا على خلفية صراعها مع فتح عليها أن تدرك عواقب التقرير مستقبلا في الحد من حركة قياداتها بالداخل والخارج ومن استعمال القرار كورقة ابتزاز وضغط على سوريا وإيران والمطالبة بتسليمهم. لذا ينبغي الاستعداد القانوني لوضع متوقع مستقبلا بإعداد الخبراء والمستشارين.

– المصالح الأمريكية أولا: ينبغي أن ندرك أن التقرير شكل فرصة للإدارة الأمريكية الجديدة لتأديب “إسرائيل” وفرملتها مرحليا بعد رفضها وقف الاستيطان وللجمها عن ارتكاب أي حماقة اتجاه إيران، فإدارة أوباما ووزيرته “هيلاري” تحاول ترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط والمنطقة على ضوء نتائج حربي أفغانستان والعراق، وليست على استعداد لتحمل نتائج مغامرات صهيونية جديدة في المنطقة، ومن هنا يمكن الحديث عن بداية اختلاف أمريكي صهيوني حول ترتيب المصالح والأولويات السياسية، وليس اختلافا حول الدعم غير المشروط. فالمسألة لا تتعلق بالعرب أو الفلسطينيين بقدر ما تتعلق بمصالح أمريكية مهددة في المنطقة وتعنت أبدته الحكومات الصهيونية الشابة غير المحترفة نسبيا، خاصة في مسألتي الاستيطان وعدم تقديم تنازلات بشأن المقترحات الأمريكية لإعادة ترتيب الأوراق في المنطقة.الأمر الذي سبب إحراجا للإدارة الجديدة التي تحاول تعزيز الثقة لدى حلفائها العرب في “الشرق الأوسط” والخليج العربي.