مقدمة

من المفاهيم المنهاجية الكبرى، والصيغة المركزة الواحدة للمنهاج النبوي، مفهوم اقتحام العقبة، والمفهوم المنهاجي هو كل مفهوم أضفى عليه المرشد عبد السلام ياسين دلالة تربوية وفكرية وحركية، فكل مؤمن يوطن نفسه منذ البداية على أن الطريق التي يسير فيها المؤمنون ليست مفروشة بالورود، بل هي عقبة كأداء يجب اقتحامها فرادى وجماعة، والعقبات كثيرة منها ما هو متعلق بأنفس البشر ومنها ما هو متعلق بآفاق الكون. وفي القرآن سورة واحدة تقدم لنا صورة كاملة عن اقتحام العقبة وهي سورة البلد.

فما معنى اقتحام العقبة؟ وما هي العقبات التي تعترض طريق المقتحمين؟ وما هي الطرق الممكنة لاقتحامها؟.

معنى اقتحام العقبة

جاء في تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازي قوله: الاقتحام الدخول في الأمر الشديد، يقال: قحم يقحم قحوماً، واقتحم اقتحاماً وتقحم تقحماً إذا ركب القحم، وهي المهالك والأمور العظام، والعقبة طريق في الجبل، وَعْرٌ، الجمع العقب والعقاب، ثم ذكر المفسرون في العقبة ههنا وجهين، الأول: أنها في الآخرة، وقال عطاء: يريد عقبة جهنم، وقال الكلبي: هي عقبة بين الجنة والنار، وقال ابن عمر هي: جبل زلال في جهنم، وقال مجاهد والضحاك: هي الصراط يضرب على جهنم، وهو معنى قول الكلبي: إنها عقبة الجنة والنار. قال الواحدي: وهذا تفسير فيه نظر… الوجه الثاني في تفسير العقبة هو: أن ذكر العقبة ههنا مثل ضربه الله لمجاهدة النفس والشيطان في أعمال البر، وهو قول الحسن ومقاتل، قال الحسن: عقبة الله شديدة، وهي مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه من شياطين الإنس والجن، وأقول هذا التفسير هو الحق لأن الإنسان يريد أن يترقى من عالم الحس والخيال إلى يفاع عالم الأنوار الإلهية ولا شك أن بينه وبينها عقبات سامية دونها صواعق حامية، ومجاوزتها صعبة والترقي إليها شديد).

ومن جملة ما قيل عن معنى اقتحام العقبة ما جاء في كتب المرشد عبد السلام ياسين، نقتطف منها ما يلي: أول ما نفهمه من العبارة (أي اقتحام العقبة) تحرك سالك إلى مسلوك إليه، صعدا وارتقاء. تقرب العبد إلى ربه) 1 .

نداء مؤكد من الله تعالى للإنسان أن يسلك إلى ربه السبيل) 2 .

اقتحام العقبة يحدد للمؤمن الفاعل ذي الإرادة الحرة اتجاها صاعدا، وينصب بين عينيه صورة مستقبل يتجاوز التاريخ الأرضي فيقترح على المؤمن مسيرة إلى الله تعالى من ماض يثقل حاضره بالموروث، عبر حاضر متموج بالفتن) 3 .

اقتحام العقبة بالنسبة للفرد المؤمن جهاد لنفسه كي تستقيم على طاعة الله، وجهاد مع المؤمنين المتواصين الصابرين المتراحمين لإقامة دين الله في الأرض. وبالنسبة لجند الله المنظمين فإن اقتحام العقبة جهاد تربوي وتنظيمي وميداني ومالي وقتالي وسياسي حتى تقوم دولة الإسلام الخليفية على منهاج النبوة) 4 .

يتجلى لنا من خلال هذه التعاريف صورة كاملة لمفهوم اقتحام العقبة، فهي تصور لنا:

1- دعوة صادرة من الله تعالى ونداء منه، واقتحام العقبة من طرف الإنسان تلبية لهذا النداء واستجابة له.

2- طبيعة الطريق، فهي طريق صاعدة وصعبة، “ألا إن عمل الجنة حزن بربوة -ثلاثا-، ألا إن عمل النار سهل بسهوة” 5 .

3- الخصال النفسية والقلبية والعقلية عند المدعوين للاقتحام، فإن الاقتحام دخول شجاع في شدائد، ومنابذة للخوف وهجوم عليه.

4- الاقتحام الكامل بنوعيه الفردي والجماعي. فما لم يكن المؤمن مع المؤمنين وما لم يشاركهم في الصبر والعمل والرحمة الجماعية، أي ما لم ينضم للجماعة ويتعاون معها على إقامة شرع الله فإنه لم يقتحم العقبة.) 6

النداء والاستجابة

خلق الله تعالى الإنسان في كبد وتعب ونصب، خلقه ليكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. يقول الله عز وجل: لقد خلقنا الإنسان في كبد. والناظر للإنسان بغير المنهاج النبوي لا يرى أن الإنسان في كبد، بل يفتتن بالرفاهية المتاحة للجاهلي في هذه الفترة من تاريخ البشر، فيتراءى له أن الكبد من نصيب المؤمنين، بل إن ممن ينتسبون للإسلام من يفتتن بذلك فيخاصم ربه أن أتاح للكافر حياة رغدا، وقد يطغى فينكر ربه) 7 .

وهذا الكبد بلاء أتى الإنسان من وسط واقع مرج متحرك مليء بالأشواك والأعداء، ومن داخل واقع يموج ويثور ويفور بالفتن، واقع مفروض عليه تتجلى مكوناته في المستكبرين الذين ينازعونه حريته ويريدون استعباده، وفي المترفين الذين ينازعونه رزقه ويريدون تفقيره، وفي الغافلين الذين ينازعونه استقامته ويريدون تضليله. واقع يقف عقبة للإنسان دون تحقيق هدف معرفة ربه، ودون أداء مهمة عمارة أرضه. يقول الله عز وجل: أيحسب أن لن يقدر عليه أحد، يقول أهلكت مالا لبدا، أيحسب أن لم يره أحد.

في وسط هذا الواقع الذي خلق الإنسان ليحيى فيه ويعيش، خاطبه الله تعالى، وخاطب أعظم ما فيه وهو قلبه يهيب به ويستنهض همته ليقتحم العقبة إليه. فقال الله عز وجل له: فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة. وخاطبه بخطابين اثنين:

– خطاب في عمومية إنسانيته كإنسان بـيا أيها الإنسان، يعرفه ربه بحقيقته ويجيبه عن الأسئلة الفطرية التي يطرحها الإنسان الحائر على نفسه: من أنا؟ ومن أين جئت؟ ولماذا؟ وإلى أين؟.

فعن سؤاله من هو، يجيبه بقوله:وإذ قلنا للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة.

وعن سؤاله من أين جاء، يجيبه:هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، إنا خلقناه من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا.

وعن سؤاله لماذا، يجيبه:وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.

وعن سؤاله إلى أين، يجيبه:يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه.

– وخطاب في خصوصية إيمانه كمؤمن وسط جماعة المؤمنين بـيا أيها الذين آمنوا يأمرهم وينهاهم. والآيات التي تبصر بهذه الحقيقة كثيرة نذكر منها قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم. وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، ولم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه، واتقوا الله، إن الله تواب رحيم.

ولا شك أن الكل سمع النداء، فمن الناس من سمع النداء فاستجاب لنداء مولاه استجابة كلية على مستوى الخطاب الفردي والجماعي، ومن الناس من استجاب استجابة جزئية مكتفيا بالخطاب الفردي، ومن الناس من صم آذانه واستغشى ثيابه فخسر الدنيا والآخرة. يقول الله تعالى:للذين استجابوا لربهم الحسنى، والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به، أولئك لهم سوء الحساب.

منطلقات وعقبات

في حياة الإنسان منطلقات زوده الله بها، منها ينطلق في اقتحامه للعقبة، وهي مجموعة من الحوافز والقدرات أودعها الله في فطرة الإنسان وعقله وقلبه ونفسه وجسمه لا بد له منها ليقوم بهذه الرحلة الشاقة والطويلة. على مستوى القدرات المادية منح الله له عينين ولسانا وشفتين، وعلى مستوى الحوافز المعنوية الباعثة على الهداية أودع الله تعالى فيه العزم والإرادة، الصبر واليقين، المقاومة والشجاعة، الهمة واليقظة. يقول الله عز وجل: ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين.

في مقابل هذه المنطلقات هناك العقبات، وهي مجموعة من العوامل المعيقة لحركة الإنسان نحو اقتحام العقبة. وهذه العقبات كثيرة يمكن أن نقسمها إلى قسمين:

– قسم في أنفس البشر مرتبط بالنفس، مثل الجهل والخوف، والبغض والحقد، والكبر والظلم، والكسل والدعة، والطمع والحسد، والغفلة والخيانة، والكذب والغدر، والرياء وسوء الظن.

– وقسم في آفاق الكون مرتبط بالشيطان والإنسان والسلطان. مثل التخويف والتفقير والتجهيل والاستعباد والاستبداد والتضليل…

ويطلق على القسمين معا ما يسمى بالفتنة. فتكون العقبة: الفتنة. وهي مفهوم يعم كل مدلولات الغفلة والأزمة والتخلف والفوضى وعدم الاستقرار واختلاط الحق بالباطل.

وبين العقبات النفسية والعقبات الآفاقية تفاعل كبير قد يعطل في بعض الأحيان حركة الإنسان في اقتحامه للعقبة بشكل كامل.

فكانت مهمة الأنبياء والرسل عليهم السلام ومهمة الدعاة في كل زمان ومكان إنما هي تعريف الإنسان بهذه القدرات وهذه الحوافز التي أودعها الله في فطرته وجسمه وتذكيره بها، وتحذيره من الأهواء التي تشكل حجبا تمنع من وصول أنوار هذه الحوافز إلى قلبه، وبالتالي تمنعه من اقتحام العقبة. فإذا كانت مهمة الأنبياء في حياة الإنسان إزالة هذه العوائق من الطريق، ويضع عنهم أصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فإن مهمة المستكبرين تثبيت هذه العقبات وتأكيدها، وإبقاؤه في أسر الهوى، وتعطيل قدراته المادية والمعنوية، ومنعه من الحركة والاقتحام.

وهذه العقبات بقسميها الأنفسية والآفاقية لخصها المرشد عبد السلام ياسين في ثلاث عقبات، أعطى لكل واحدة منها بعدا نفسيا تربويا، وبعدا اجتماعيا تنظيميا، وهي:

1- الذهنية الرعوية: وهي ذهنية النفوس القاعدة التي تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل، وأن يدبر غيرها لها وهي لا تقدر أن تدبر، أولئك قوم يحق عليهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق”.

2- الأنانية المستعلية أو المتمتعة: يعوق أصحابها عن اقتحام العقبة امتلاء مما هم فيه وطلب المزيد مما هم فيه. قوم ظلموا أنفسهم وظلموا الناس.

3- العادة الجارفة للمجتمعات المسلمة في تيار التبعية للوضع السائد، المانعة لنا أن نعرف معروفا بميزان الشرع أو ننكر منكرا يذمه الشرع، فتنة.” 8

اقتحام العقبة؟

العقبة التي نُودِي الإنسان لاقتحامها في حقه كفرد طريق صعبة صاعدة في مدارج الدين من إسلام لإيمان لاحسان. وفي حقه وسط المؤمنين كجماعة وأمة طريق أيضا صعبة وصاعدة من واقع مفتون إلى حيث تنال الأمة شرف الخلافة على منهاج النبوة في الأرض.

أكثر العلماء الذين تحدثوا عن اقتحام العقبة تحدثوا عنها من جانب الخلاص الفردي بينما اقتحام العقبة حتى يكون اقتحاما كاملا شاملا لابد من أن يكون اقتحاما مزدوجا من جانب الخلاص الفردي ومن جانب الخلاص الجماعي. نقرأ في كتاب الإحياء عند الإمام الغزالي رحمه الله قوله: إنما سلوكه بقطع العقبات ولا عقبة على طريق الله تعالى إلا صفات القلب التي سببها الالتفات إلى الدنيا) 9 . أما عند عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء رحمه الله فنقرأ قوله: إنك لا تصل إلى منازل القربات إلا بقطع ست عقبات) 10 . وكل هذه العقبات متعلقة بنفس الإنسان وقلبه وسره وروحه. كذلك عند شيخ الإسلام ابن القيم نقرأ قوله: فإنه يريد أن يظفر به-أي الشيطان- في عقبة من سبع عقبات، بعضها أصعب من بعض، لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها) 11 . ثم ذكر تلك العقبات التي هي بالعد التنازلي: عقبة الكفر بالله، وعقبة البدعة، وعقبة الكبائر، وعقبة الصغائر، وعقبة المباحات، وعقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات. ولم يذكر العقبة السابعة.

فكل ما ذكره هؤلاء العظماء من العلماء عن اقتحام العقبة مرتبط بالسلوك القلبي والعمل الجوارحي، بينما لا تجد عندهم ما يوحي بالسلوك الجماعي والفاعلية الآفاقية.

إن أي محاولة ترمي لاقتحام العقبة يجدر أن تأخذ بعين الاعتبار بُعدين أساسيين:

البعد الإحساني الذي يحظى بالأولوية، ويعد من أهم آليات فك الرقبة وتحريرها من أن يستعبدها غيرها.

البعد العدلي: من أجل الخروج من براثن التخلف الحضاري والظلم الاجتماعي وثقل تراث الفتنة.

الجمع بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي هو الاقتحام الكامل للعقبة، هو مشروع المنهاج النبوي في شقه الإحساني، وشقه العدلي، ويبقى التحزب لله عز وجل والكينونة مع المؤمنين شرط من شروط الاقتحام وواجب ضروري تجاه الامتناع الاجتماعي في مقاومة المترفين من تسلطهم المباشر على الرزق، وتجاه الامتناع السياسي في مقاومة المستكبرين من انتزاعهم للحرية. يقول الله عز وجل: فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة، ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، أولئك أصحاب الميمنة.

في مستقبل الإسلام نحتاج لقران -الفطم- الفردي الأنفسي السلوكي بالفاعلية الجهادية. ليكون السلوك الإحساني عملا مصيريا رائده الفردي عبادة الله كأننا نراه، ورائده الجماعي إتقان الأعمال الجماعية لتحقيق إسلام العدل في الأرض وعمارتها والخلافة فيها.) 12

الخاتمة

ينبغي على المسلمين أن يفهموا أن الإسلام حركة لاقتحام العقبة، نداء من الله تعالى واستجابة من العبد، والاقتحام الكامل للعقبة وهي الفتنة إنما يكون بالجمع بين السلوك الفردي والسلوك الجماعي، بين الفاعلية الإيمانية والفاعلية الجهادية. يكون هذا الفهم التصور الكامل والمعرفة الشاملة والقدرة التنفيذية في حركة الأمة لتكون في الموعد مع موعود الله ورسوله بالخلافة، وفي حركة العبد ليكون من أصحاب الميمنة.

وإنها لعقبة واقتحام حتى النصر إن شاء الله تعالى.


[1] مقدمات في المنهاج للأستاذ عبد السلام ياسين، ص:50.\
[2] نفس المصدر السابق ص:53.\
[3] الإسلام غدا ص: 25. ط2.\
[4] المنهاج النبوي ص:16. ط2.\
[5] رواه الإمام أحمد بإسناد حسن.\
[6] الإسلام غداً، ص:27. ط2.\
[7] نفس المصدر السابق ص:25.\
[8] المنهاج النبوي ص:15.\
[9] إحياء علوم الدين ج3 ص:81.\
[10] الشريعة والحقيقة ص:8.\
[11] مدارج السالكين ج1 ص:222.\
[12] الإحسان ج1 ص:15.\