استهلال

بسم الله الرحمن الرحيم

اَلحَمْدُ للهِ وَلِيِّ كُلِّ خَيْرٍ وهدايةٍ، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ الدَّاعِي إلى أفضلِ طريقٍ وغايةٍ، وعلى آلهِ وصحبِهِ، مصابِيحِ الهُدَى والدِّينِ، وتابعيهِم بإحسانٍ على النَّهْجِ المَتينِ، آمين. و بعدُ:

لقد خلق الله الإنسانَ فَأَوْدَعَ فيه بعضاً من خزائنِ أسرارِهِ، فجاءَ العقلُ عجيبةً من عجائب صُنعهِ، ومِنحةً من مَنَائِحِ فضلهِ وكرمهِ، فإذا الإنسانُ يَدِبُّ في الأرض عاقلاً فاهماً مُدركاً عالماً، وَأَرْسَلَ له البُعُوثَ والرُّسُلَ وخَتَمَ له بأشرف المرسلينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لتنطلق هذه الطاقةُ الخَلاقةُ في الفضاء الرَّحْبِ تتفكرُ في هذا الكون ومُبْدِعِهِ، فتُدركَ وتَعقِلَ وتَفقَهَ وتَفهمَ والأَهَمُّ مِن ذلك كلِّهِ أنْ تَتَنَزَّهَ عنْ مَرْذُولِ الأخلاق، فإنما العقل أساسٌ فوقه الأخلاقُ سُورٌ. وإنما بُعثَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ.فَإِنَّ العَقْلَ لَيْسَ لَهُ إِذَا مَا *** تَفَاضَلَتِ الفَضَائِلُ مِنْ كِفَاءٍفَكَانَتْ هذه الجملةُ من الآداب التربويةِ الاجتماعيةِ والخَطْرَةُ مِمَّا جَادَ به القلمُ مِنْ مَعِينِ الأَدب النَّبويِّ الذي لا ينضبُ مهما نَهَلَ مِنْهُ وَارِدُهُ، المُلْتَصِقَةِ التصاقًا وثيقًا بالسلوك والمعاملة اليومية للمسلم؛ رَأَيْتُني أوَّلا ثم بعض إخواني ثانيا مقصرين في الاعتناء بها وإيلائها ما تستحق من مكانةٍ وتطبيقٍ، فَهَمَمْتُ بجمع ما حضر ببالي ولا أزعم أني استوفيتُ كل ما في الباب ولكني جمعتُ معانيَ كثيرةً أَفَادَنِيهَا وَاهِبُ التَّمييزِ تَعَالى بمرور الأيام وتعاقب الأحوال بما مَنَحَنِي عز وجل من التهمم بتصاريف الزمان فَآثَرْتُ تقييد ذلك لا للمطالعة فحسب ولكن لأَعْتَبِرَ به وذكرى لِتَمْسَحَ على قلبيَ الغافلِ اللاهِي فتوقظه من غفلته وغفوته خشية إساءة الأدب مع المومنين..

آدابٌ هي من لُبِّ ديننا الحنيف لم يفتأ الرعيل الأول يَتَمَثَّلُها أَيَّمَا تمثُّلٍ ويحيا بها ولها ومنها وعليها وفي ظلالها الوارفة.. ولا يَظُنَّنَّ أحدٌ أن هذه الأمورَ ثانويةٌ.. بل هي من أهم القضايا وآكَدِ الأمور في الحفاظ على هويتنا وتجنب كل انسلاخ عن سلوكنا الإسلامي اللاحب..

آدابٌ غابت عنا وتوارت خلف حُجُب الحضارة المادية نتيجة الهجمة الغربية الشرسة على ديننا وأخلاقنا، والتي يلعب الإعلام دوراً هاماً يوميا في نشرها وتجذيرها، وليس هذا مستغرَباً فقد وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم، لذا كان هذا التراجع الكبير عن أخلاقنا وآدابنا أمام ما هو مُستغرَبٌ ومُستهجَنٌ.

جاءتْ هذه الخَطْرَةُ الخَطْوَةُ التي وإن بَدَتْ بسيطةً كمن يرد السيف بيده إلا أنها أقلُّ الواجب في تنبيه الأمة، تدعيماً لوجودنا، وَصَوْناً لمجتمعنا، وتأكيداً لِقِيَمِنَا واعتزازاً بأصالتنا.

ولا يكون هذا تعصباً ولا تمسكاً بمجرد شكلياتٍ.. وإنما هو نظرةٌ أعمقُ إلى ما وراء الشكلياتِ. نظرةٌ إلى البواعثِ الكامنةِ وراء الأشكالِ الظاهرةِ، وهذه البواعثُ هي التي تَفْرِقُ قوماً عن قومٍ، وعقليةً عن عقليةٍ، وتصوراً عن تصورٍ، وضميراً عن ضميرٍ، وخُلقاً عن خُلقٍ، واتجاهاً في الحياة كلِّها عن اتجاهٍ. 1 والأحاديث كثيرة في هذا المعنى، قال رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ”، وقال: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا”. والمقصود هنا ليس الامتناع عن استخدام الوسائل التي يستخدمها غيرنا، بل المراد أن لا نقلد الآخرين في آدابنا وسلوكنا، وأن نحافظ على التميز في شخصيتنا.

فكان لا بد من وقفةٍ وكلمةٍ: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. وقد أوصى بعض السلف ولده قائلا: “يا بُنَيَّ اجعَلْ عَمَلَكَ مِلْحاً، وَأَدَبَكَ دَقِيقاً”. وفي هذا الكلامِ النفيسِ الصادرِ عن مشكاةِ الحكمةِ أنَّ الإكثار من الأدب في العمل القليل، لَهُوَ خيرٌ من العمل الكثيرِ الخَاوِي من الأدب.

إنَّ خُلُوَّ المسلمِ المومنِ من صفة من هذه الصفات وخَصِيصَةٍ من هاتيك الخصائص لَيَغْمِزُ بلا شك في شخصيته وهو المَرْجُوُّ لِرَصِّ صَفِّ الدعوة التي يجب أن تعكسَ جمالَ شخصهِ وسُمُوَّ روحهِ وتَمَيُّزَ سَمْتِهِ حتى يكونَ كأنه شَامَةٌ في النَّاسِ.. وهو نفسه ذاك المسلمُ المومنُ الذي يريد تغيير المجتمع باسم الإسلام.. ولن يستطيع ذلك قبل أن يغير ما بنفسه.. فالتغيير يبدأ من داخل النفس أولاً.. ثم ينتقل إلى المجتمع..

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جاءَت هذه السلسلةُ جامعةً للشتاتِ من بُنَيَّاتِ الخواطرِ والأفكارِ، ومخاطبةً كلَّ شرائح المجتمع المختلفة، فالغرضُ منها التعريفُ والتذكيرُ، وَهيَ إلى ذلك كُلِّهِ جاءَ حديثُ القلمِ فيهِ سهلاً مُيَسَّراً، فَلاَ هُوَ بالمُوحِشِ الوَعْرِ، ولا بالمُوهِمِ المُنْغَلِقِ، وإنْ كانَ في بعضِهِ جفافٌ فَهُوَ لِنُدْرَةِ العِلْمِ بِهِ ولِحَدَاثَةِ سِنِّهِ وَسِنِّ صاحبِه، لكنهُ عَلى كلِّ الأحوالِ يَلِينُ بِكَثْرَةِ الطَّرْقِ، ويَنْمُو بالرِّعَايَةِ والرَّيِّ. وللهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ.

وللكَلام صِلَةٌ..


[1] في ظلال القرآن- سيد قطب 1: (128- 129).\