صورتان متناقضتان، صورة التقارير الدولية للوضع السياسي والاجتماعي بالمغرب، والصورة المزيفة التي يسعى المخزن إلى إظهارها مستعينا بالمساحيق المختلفة لإخفاء الوجه القبيح المنفر في عملية تزوير للواقع.

قال وزير الصناعة والتجارة السيد أحمد الشامي في مقابلة له مع وكالة رويترز يوم 21/11/2009: في 2010 سيكون أداؤنا أفضل من 2009 على صعيد الصادرات، ونتجاوز الأزمة رغم استمرار فقد الوظائف، لكن الاقتصاد ينطلق مجددا، نخلق فرص عمل العام القادم) تمنيات وأحلام والواقع لا يأبه للخطب والشعارات بل للحقائق.وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تؤخذ الدنيا غلاباكثيرون هم المستثمرون الذين أحجموا عن الاستثمار في بلدنا السعيد، وعدد من الشركات تراجعت فجأة عن الاستثمار كشركات المنسوجات، ومنها من أجلت مشاريعها إلى أجل غير مسمى، مثل شركة نيسان موتور، وشنايدر إلكترونك.

فالمستثمرون الدوليون لا يلتفتون إلى تصريحات وزراء المخزن، بل يعتمدون أساسا على التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية والتي هي بمثابة البوصلة التي ترشدهم إلى الاتجاه الآمن والغير المحفوف بالمكاره. عكس المخزن الذي لا يأبه بهذه التقارير التي تكشف الوضع المتردي للبلاد.

جميع التقارير الدولية الصادرة هذه السنة تؤكد حقيقة خطيرة أن المغرب دولة فاشلة في جميع الميادين، وأن البلد يعرف تراجعا مستمرا على جميع الأصعدة، وغم التنبيه المستمر من طرف هذه المنظمات، ورغم دق ناقوس الخطر من خلال النتائج المعروضة في هذه التقارير، ولسنوات متتاليات، لكن دون جدوى فالقوم مشغولون عن مآسي الشعب بما هو معلوم لدى الجميع.لقد أسمعت لو ناديت حيا *** ولكن لا حياة لمن تنادي تقارير دولية ترصد الوضع السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والحقوقي وغير ذلك في مساهمة لتقييم وضع الدول التي شملها التقرير واضعة تصنيفا وترتيبا لهذه الدول. الشيء الوحيد والغريب في ذات الوقت أن المغرب استطاع الحفاظ على نفس النتيجة خلال السنوات الأخيرة، أي الحصول دائما على المراكز المتدنية وفي جميع الميادين.

– تراجع المغرب من المرتبة 48 إلى المرتبة 63 في ترتيب المؤشر العالمي للسلم والاستقرار. وتراجع من المرتبة 126 في التنمية البشرية سنة 2008 إلى الرتبة 130 سنة 2009. وهذا التقرير يركز على عدة عوامل أساسية منها الوضع الاجتماعي والمستوى العلمي والثقافي، والدخل الفردي، والرعاية الصحية والاجتماعية.

يقول الخبير الاقتصادي سلمان عاطف تعليقا على هذا الترتيب أنه: يعكس حالة مجتمع يعيش فوق صفيح ساخن، وتتلاعب به أزمة سياسية تعيشها المملكة، نجم عنها تغييب للتخطيط في المستقبل، وغياب لرؤية واضحة على المدى البعيد). وتراجع المغرب على سلم مؤشر الفساد مسجلا رقما جديدا في العهد الذهبي بحصوله على الرتبة 89 سنة 2009 كما جاء في التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية “ترانسبارنسي انترناشيونال”. وقد غطى تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2009 مستويات الشفافية في 180 بلدا في العالم. اعتمد المؤشر على 13 استطلاعاً ومسحاً من تنفيذ مؤسسات عالمية من بينها وحدة المعلومات في مجموعة الإيكونوميست البريطانية، والمنتدى الاقتصادي العالمي، والمعهد الدولي للتنمية الإدارية، ومركز التنافسية العالمي، وبيت الحرية.

ففي ظل تسع سنوات خسر المغرب 52 رتبة، فبعد أن احتل الرتبة37 سنة 2000، بدأ يزحف نحو الرتب المتدنية على النحو التالي:

2002: 52

2003: 70

2004: 77

2005: 78

2006: 79

2008: 80

2009: 89

هذه التقارير الدولية الفاضحة للأنظمة الغاشمة، بدل أن تكون محطة لتقييم ومراجعة السياسة التي أوصلت البلاد إلى حالة الإفلاس، صارت محل رفض وانتقاد من طرف المعنيين بالأمر، إذ يعتبرونها تقارير مغرضة، فاقدة للمصداقية، وأنها تفتقر للدقة في عرضها للواقع، لأن معلومتها مستقاة من مصادر غير رسمية؟؟؟؟؟

قد نتفق أن هذه التقارير لا تتصف بدقة مطلقة، ولا بموضوعية متناهية، لكن هذا لا ينفي عنها أنها ترصد التوجهات الكبرى، ومستوى شفافية هذه الدولة، وفساد أخرى خلال فترة زمنية معينة.

حينما نقر بأن التقارير ليست بتلك الدقة المطلوبة، لأننا نجد أنفسنا أمام واقع جد متردي، وهو خير شاهد على أن الفساد في البلد أكبر بكثير مما تحدثت عنه التقارير. ظلمات بعضها فوق بعض.

يقول الباحث الأكاديمي يحيى اليحياوي: الفساد ليس عنصرا شاذا، أو مكونا دخيلا على المنظومة يستوجب المقاومة والمناهضة، بل بات عنصر القلب من الجهاز، والرئتان التي يتنفس بفضلهما، ولما كان الأمر كذلك، فإنه بات بحصانة من كل متابعة).

تراجع خطير ليس على المستوى العالمي فحسب، بل على المستوى الإقليمي كذلك ما جعل تقرير “مؤشر الدول الفاشلة” يصنف المغرب كدولة فاشلة، ويحتل الرتبة 93 من بين 178 دولة. وحسب هذا التقرير الصادر عن منظمة الأبحاث المستقلة “صندوق السلام” بتعاون مع مجلة “فورين بوليسي” فإن المغرب يوجد في درجة الخطر لأنه ضمن الدول الأكثر هشاشة، والأقل فعالية، محذرا من الركود الحالي وما سينتج عنه من نتائج وخيمة.

واقع مخيف يتزايد القلق فيه باستمرار، بشأن حاضر ومستقبل البلاد، مع انعدام الثقة، وفقدان المواطن لأمل تحقيق أي إصلاح منشود في الأمد القريب أو البعيد في ظل السياسة القمعية والإقصائية للمجتمع. أي خطوة نحو العلاج لا يكون المجتمع طرفا أصيلا حاضرا بقوة، لن تؤدي إلا إلى تفاقم الوضع أكثر مما هو عليه الآن. ولذا ينبغي أن يكون الحل في إنقاذ السفينة من الغرق هو العمل على استدعاء المجتمع وإخراجه من حالة اللامبالاة للمشاركة الفعلية لا الصورية، أما الاستمرار في الانفراد بالسلطة واحتكار الثروة، وترك الشعب يتلظى من السياسة الجهنمية المخزنية، فعواقبه وخيمة. وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

جيء بامرأة من الخوارج إلى الحجاج فقال لأصحابه، ما تقولون فيها؟

فأشار عليه من حوله بقتلها لحجتها وبلاغة لسانها وجرأتها على الأمير. فقالت له، لقد كان وزراء صاحبك خيرا من وزرائك يا حجاج؟

قال ومن صاحبي؟ قالت: فرعون؟ فقد استشار وزراءه في موسى عليه السلام. فقالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين، ولكن أصحابك يوصونك بقتلي بدون تأخير وإرجاء؟