نتيجة الاستفتاء المؤيدة لمنع بناء المآذن في سويسرا كانت صادمة جدا، ليس للمسلمين وحسب، بل لكل العقلاء والحكماء في الغرب وفي العالم، لأن قرارا من هذه الشاكلة من شأنه أن يغذي مشاعر الكراهية والعنصرية، وأن يهدد استقرار وسلم المجتمعات في الغرب، وأن يخرب جهود الاندماج في صفوف الجيلين الثاني والثالث، وأن يحطم الصورة المثالية للديمقراطية حامية الحريات والخصوصيات وضامنة التنوع الثقافي والحضاري. والأخطر من كل ذلك تشكل نتيجة هذا الاستفتاء انتصارا وسابقة لليمين العنصري المتطرف في أوروبا مما ينذر بموجة من التصادم بين الأوروبيين المسلمين والأوروبيين الكاثوليك واليهود من أصول مختلفة، لأن ما تعانيه الرموز الدينية الإسلامية من حجاب ونقاب ولحي ومآذن واحتفالات، تعانيه -ربما بشكل أقل- رموز نصرانية كحظر الصلبان في المدارس في إيطاليا.

نحن لا نعتبر هذا الاستفتاء وأشباهه ارتكاسة للديمقراطية الغربية فحسب، ولا إهانة لمشاعر المسلمين الذين يشكلون الديانة الثانية في أغلب دول أوروبا، أو حتى مؤشرا على تنامي العداء للإسلام والمسلمين والمهاجرين، وتفشي ظاهرة الفوبيا الإسلامية بفعل الإعلام في أوساط الغربيين. فكل هذا ليس جديدا، بل نراه مؤشرا أخطر وأكبر على “أزمة الهوية” التي تعاني منها أوروبا الآن والتي فاقمت من حدتها الأزمة المالية العالمية، ومؤشرا أكبر على “السطحية والشعبوية السياسية” التي يتم بها التعامل إعلاميا مع قضايا حساسة من هذا النوع، ونراها نجاحا لـ”تيار الأليكة” داخل مجتمع نصراني في أغلبيته.

على الدول الإسلامية والمنظمات الرسمية إقليميا ودوليا أن تتحمل مسؤوليتها كاملة، وأن تتدخل لحماية جالياتها -أقلياتها- في الغرب بكل قوة سياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا وثقافيا، لأن ما أسفر عنه القرار في سويسرا ينبئ بتحول خطير، فالقضية لم تعد حادثا عنصريا فرديا كما وقع في ألمانيا مع “مروة الشربيني” أو يقع يوميا هنا وهناك، بل صارت موقفا رسميا وشعبيا، ولن تكفي عبارات الشجب أو القلق أو حتى الاستنكار.

وبالمقابل على المسلمين في أوروبا وفي العالم الإسلامي أن يعبروا، بشكل متحضر ورسالي راق بدون تشنج أو تعصب، عن حقوقهم ورفضهم لمثل هذه الاستفتاءات، وأن لا يسقطوا في فخاخ التشويه الإعلامي. فالحرية الدينية لا تُزال ولا تقر باستفتاء لأنها حق سماوي وإنساني تكفله كل الشرائع والقوانين.