مخطئ من يظن أن “إسرائيل” قادرة على خوض حربٍ جديدة ضد قوى المقاومة الوطنية العربية، ويخطئ أكثر من يظن أن البنية العسكرية للجيش الإسرائيلي باتت قادرة على مواجهة إرادة المقاومة والتحدي العربية، أو أن الروح المعنوية لقادة وجنود العدو الإسرائيلي عالية، وأنهم على أتم الاستعداد لخوض مواجهاتٍ جديدة مع قوى الأمة المقاومة، فالإسرائيليون يدركون تماماً أن قواعد الحرب قد تغيرت، وعوامل الانتصار قد تبدلت، وأن الجيش الأسطورة الذي لم يكن يقهر، أصبح من السهولة قهره وكسره وحجب النصر عنه، وهذه ليست أحلام أو أماني، بل هذا ما عبر عنه بوضوح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غابي أشكنازي عندما دعا إلى إعادة تدريب ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي، وبذل كل الجهود الممكنة لرفع الروح المعنوية لدى جنوده، وتدريبهم على مواجهة صنوف جديدة من المواجهة والتحدي، ورفع قدراتهم الذاتية لمواجهة أخطار الأسر وفنون حروب العصابات الجديدة والمفاجئة، التي باتت تتقنها قوى المقاومة في أكثر من مكانٍ في العالم العربي.

ولاحظ قادة الجيش الإسرائيلي أن هناك خللاً واضحاً لدى جاهزية جنود الجيش الإسرائيلي عند وجود أخطار حقيقية، ووجدوا أن حجم ودرجة استجابة الجيش الإسرائيلي لأي نداءٍ فجائي لا تدل على جاهزية عالية للجيش لمواجهة أي خطر، وذكر باحثون أن من أسباب تلكؤ استجابة جنود الجيش الإسرائيلي خوف العائلات الإسرائيلية من مغبة قتل أبنائهم أو وقوعهم أسرى في أيدي رجال المقاومة، الأمر الذي أوقع غابي أشكنازي في ورطة كبيرة يخشى من خلالها على مستقبله السياسي الذي يحلم به بعد الانتهاء من فترة خدمته العسكرية، إن هو قرر أن يخوض بجيشه مغامرة عسكرية جديدة، إذ أنه يخطط جيداً، ويعد الخطط البديلة جيداً، ويتعامل مع الأخطار بجدية عالية، ويطالب المستويات السياسية العليا بضرورة التعامل بجدية ومسؤولية عالية مع تقاريره وتقديراته، ولكنه يشعر بخوفٍ وقلق من قدرة جنوده وحالتهم النفسية، ومدى الاستعداد لديهم للتضحية والمغامرة والمجازفة أحياناً، ولذا فهو يتعمد عدم الاستجابة لأي تهديداتٍ يطلقها السياسيون ضد المقاومة في غزة ولبنان، ويرفض تحديد ساعة الصفر وفقاً للحاجة السياسية، دون تقديرٍ للقدرات القتالية للجيش الإسرائيلي، الذي بدأ يشعر بأن أي حربٍ مع المقاومة لن تكون نزهة أو محاولة تأديبية، أو مهمة قتالية اعتيادية يستطيع الجندي أو القائد العودة بعدها إلى بيته، أو استكمال مشاريعه المؤجلة، فأي معركة في الميدان مع المقاومة هي لدى الجندي الإسرائيلي رحلة باتجاهٍ واحد نحو الموت، قد ينجو منها لمرة ولكنه لن ينجو منها دوماً.

ويعاني رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غابي أشكنازي من تنامي ظاهرة تردد ضباطه في تنفيذ أوامره العسكرية، خاصة لجهة إطلاق النار خلال مواجهات الميدان، وقد ذكرت تقارير إسرائيلية أن العديد من الضباط العسكريين يشعرون بخوفٍ من الملاحقة القضائية في المستقبل، كما يخشون على مصالحهم ومنافعهم المادية المنتشرة في أكثر من مكانٍ في العالم، الأمر الذي يعرضها للخطورة في حال تقديم لوائح إتهام ضدهم، أو صدور مذكرات اعتقال بحقهم، وبات اعتقاد لدى كثير من الضباط العسكريين الإسرائيليين أن زمن تحدي القانون الدولي قد ولى، وأن الوقت الذي كان فيه زعماء العصابات العسكرية اليهودية ينفذون المجازر ضد الفلسطينيين دون ملاحقة أو مسؤوليةلم يعد مقبولاً اليوم، وأن السكوت عنها غير واردٍ في عرف المجتمع الدولي، وأن القضاء الدولي والوطني في كثيرٍ من دول العالم جاهز لفتح هذه الملفات، ومحاسبة المدانين فيها، وقد ورد في تحقيقات داخلية للجيش الإسرائيلي أن حالاتٍ عدة امتنع فيها ضباطٌ إسرائيليون عن تنفيذ أوامر عليا بفتح النار، وأن جنود بعض الوحدات العسكرية كانوا يترددون في التوغل ميدانياً مغبة التورط في معارك ميدانية على أرضٍ مجهولة، ضد مقاومين يدركون تفاصيل الأرض التي يقاتلون عليها.

ويتهم جنودٌ إسرائيليون أمام المحاكم العسكرية التي عقدت لمحاسبة ومعاقبة المقصرين في المعارك التي يخوضها الجيش الإسرائيلي، قادتهم بالكذب والخداع، وأنهم أوهموهم أن الأعمال القتالية هي مهام عادية، وهي مع بعض جيوب المقاومة البسيطة عديمة الخبرة، بسيطة التسلح والعتاد، وأن قدرات الجيش الإسرائيلي عالية جداً، وأن إمكانية تعزيز فرق الجيش المقاتلة ستكون سهلة وسريعة للغاية، وأن أياً من الجنود لن يتعرض لخطر القتل أو الأسر، ولكن واقع الميدان أثبت أننا – الجنود الإسرائيليين – نخوض معارك حقيقية، يكون الناجي منها بحياته محظوظاً، وقد تبين لنا حقيقة أن قادتنا يكذبون علينا، ويحاولون تمويه الحقائق أمامنا، وتبسيط الخطورة التي تنتظرنا، فهم يبررون أمام المجتمع الدولي عملياتهم العسكرية في غزة ولبنان، بأن ثلاثة ملايين إسرائيلي قد أصبحوا في دائرة الخطر، وأن سلاح المقاومة بات يشكل خطراً على أمن إسرائيل، وفي داخل الثكنات يحدثوننا أن السلاح الذي تملكه المقاومة سلاحٌ قديم خرب، فاقد لقدرته القتالية، وأنه غير مجدٍ، وأن الكميات التي يملكونها قليلة، والذخيرة التي بحوزتهم ستنضب خلال أيام إن لم تنتهي خلال ساعات القتال الأولى، ولكن الحقيقة قد أثبتت لنا كذب ما حدثنا عنه قادة جيشنا.

ويضيف الجنود الإسرائيليون أن قادة المقاومة أصدق مع عناصرهم من قادة جيشنا، وأنهم يخوضون معاركهم على الأرض وفق إمكانياتٍ قد تهيأوا لها طويلاً، وأنهم أكثر جرأة وأكثر قدرة قتالية مما أخبرنا عنه قادتنا، وأن قدراتهم التسليحية والقتالية، وقدرتهم على إسنادِ بعضهم، وخرق أي حصارٍ نفرضه عليهم عالية، وأن قدرتهم على الإتصال فيما بينهم، وتنسيق أدوارهم وتنظيمها كبيرة، بكل بساطة لقد كذب علينا قادة جيشنا عندما أوحوا لنا أننا أمام مهامٍ قتالية عادية، وأننا في مواجهة مع هواة قتال، ويتجرأ جنودٌ إسرائيليون آخرون عندما يقولون أننا نخوض معارك قتالية في بورصة المنافسات السياسية لسياسيين يصدرون القرارات، ولعسكريين يتطلعون إلى أدوارٍ سياسية في المستقبل، فهم يقامرون بأرواح الجنود ليجدوا لهم في المستقبل مكاناً في بورصة المؤسسات السياسية الإسرائيلية، ولهذا فقد صرح العديد من الجنود الإسرائيليين أننا لسنا على استعداد للتضحية بحياتنا من أجل أهدافٍ شخصية، وطموحاتٍ فردية.

ويحمل جنودٌ إسرائيليون وعائلاتٌ إسرائيلية كثيرة، خاصة العائلات التي فقدت أبناءها في معارك مع المقاومة على جنرالات الحرب، وسدنة القتال في “إسرائيل”، الذين يدقون طبول الحرب، ويشعلون أوارها، وينادون بمعارك جديدة ضد المقاومة في غزة ولبنان، ويطالبونهم بالتوقف عن هذه السخافات، والكف عن اللعب بالنار، فالمعارك مع المقاومة لم تعد نزهة ولا لعبة، وبات ثمنها باهظ يفت في عضد الجيش الإسرائيلي، ويبهت صورته، ويضعف هيبته، ويذهب بقدرته على الردع، ويفقد ثقة الجمهور الإسرائيلي به.

الجدل الدائر بين جنود الجيش الإسرائيلي ومكونات المجتمع الإسرائيلي حول عدالة المعارك التي يخوضونها في غزة ولبنان، والقصص التي يتداولونها حول قدرات المقاومة القتالية العالية، والجهوزية الكبيرة التي يتمتع بها المقاتلون، والإرشادات الكثيرة والعديدة التي يتناقلها الجنود فيما بينهم في كيفية التصرف حال تعرضهم لخطر الأسر، تدل بدرجةٍ عالية على تدهور الروح المعنوية لدى فئات المجتمع الإسرائيلي، وأن نفسيات جنودهم لم تعد قادرة على التضحية والمجازفة من أجلِ أهدافٍ يشكون في مصداقيتها، وأن أي حربٍ قادمة يفتعلها أيهود باراك لاستعادة كرامته أو كرامة جيشه، فإنها ستمرغ أنف الجيش الإسرائيلي في التراب أكثر، وستعمق أزمته، وستزيد من حجم الحالة المرضية التي يعانى منها أفراد جيشه، وهذه ليست آمال وأمنيات بل هي حقائق ينطق بها الإسرائيليون أنفسهم.