لأنه أحق أن يذكر ولا ينسى

لأنه أثنى سبحانه على الذاكرين في كتابه العزيز

لأنه سبحانه ذم الغافلين وتوعدهم بشتى أصناف العذاب

لأننا جميعا نريد أن يذكرنا الله جل وعلا وقد أوجب ذكره لمن ذكره،

لأنه هو المعيار الذي صنف البشرية صنفان (شقي وسعيد)،

لأن الذكر اطمئنان للقلب والقلب سلطان الجوارح كلها، وقائدها إما الجنة أو إلى النار،

لأنه سلاح المؤمن الذي به يقوى على تخطي كل محنة ومشقة،

لأنه برهان المحبة وكلنا يطمح إلى الحب بل إلى كمال الحب للحق سبحانه،

لأن الذكر يمحص الصدق من النفاق

لأنه يطرد الشيطان ويقعمه ويكسره

لأنه يقوي القلب والبدن

لأنه ينور الوجه والقلب

لأنه يجلب الرزق

لأنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة

لأنه يورث المحبة التي هي روح الإسلام

لأنه يفتح له باباً عظيماً من أبواب المعرفة

لأنه يورث جلاء القلب من صدئه

لأنه يحط الخطايا ويذهبها، فإنه من أعظم الحسنات، والحسنات يذهبن السيئات

لأنه يزيل الوحشة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى

لأنه سبب نزول السكينة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة

لأنه سبب اشتغال اللسان عن الغيبة، والنميمة، والكذب، والفحش، والباطل

لأنه يؤمِّن العبد من الحسرة يوم القيامة

لأنه أيسر العبادات، وهو من أجلِّها وأفضلها

لأنه العطاء والفضل الذي رتب عليه ما لم يرتب على غيره من الأعمال

لأن دوام ذكر الله تبارك وتعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده

لأن الذكر نور للذاكر في الدنيا، ونور له في قبره، ونور له في معاده، يسعى بين يديه على الصراط

لأن الذكر رأس الأمور، فمن فتح له فيه فقد فتح له باب الدخول على الله عز وجل

لأن الذكر يجمع المتفرق، ويقرب البعيد

لأن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمر إليها السالكون

لأن الذكر يعدل عتق الرقاب، ونفقة الأموال، والضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل

لأن الذكر رأس الشكر، فما شكر الله تعالى من لم يذكره

لأن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطباً بذكره

لأن الذكر أصل موالاة الله عز وجل ورأسها والغفلة أصل معاداته ورأسها

لأنه من شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا، فليستوطن مجالس الذكر، فهي رياض الجنة

لأن الذكر يعطي الذاكر قوة، حتى إنه يفعل مع الذكر ما لم يطق فعله بدونه

لأن الذكر سبب لتصديق الله عز وجل عبده، ومن صدقه الله تعالى رجي له أن يحشر مع الصادقين

لأن دور الجنة تبنى بالذكر فإذا أمسك الذاكر عن الذكر، أمسكت الملائكة عن البناء

لأن في دوام الذكر في الطريق، والبيت والبقاع، تكثيراً لشهود العبد يوم القيامة، فإن الأرض تشهد للذاكر يوم القيامة.

باستطاعة أهل الذكر أن يعددوا لنا أمثال هذه الإجابات حتى يثبث لدينا بالدليل القاطع أن الحياة كلها لم تخلق إلا لذكر الله، وهذا ما صرح به القران الكريم وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. فالذكر مناط كل حديث عن الدنيا كما عن الآخرة، وبه يصنف الذاكرون صعودا درجات. وينزل المنافقون دركات، ومع هذا كله لايزال بين ظهرانينا خصوصا في الأوساط الفكرية والحداثية والطلابية وغيرها من يطرح هذا السؤال، و مرد ذلك إلى عدة اعتبارات:

1- لأن الحداثة أدرجته رجعيا كل من يتحدث عن الغيب أو الجنة أو النار، والحداثة فكر الأسياد ولا يكون الانقياد إلا للسيد.

2- لأن المادة ونقاشها ملأت علينا كل مرافقنا نظرا لظلم جبري كاسح يلوي الرقاب إلى محرابه وغفلاته.

3- لكون قضية الذكر على مر تاريخ الأمة الإسلامية لم تتناول بالشكل الذي يمنحها حقها بين باقي القضايا.

4- لأن أصنافا عديدة من “الذاكرين” أصبحت تعطي مثالا سيئا عن هذه القضية المتسامية، ومن شأن ذلك أن ينفر الناس من الذكر والحديث عنه.

5- لأن بعض الذاكرين لا تمنحهم دوائر الاستكبار الفرصة لإفهام الناس كيف يتمسك العبد بهذه الفريضة المغيبة.

وهذا يطرح سؤالا بل أسئلة. لماذا يحارب بعض الذاكرين؟ وهل يستطيع الذكر أن يبعث على حركة من شانها تهديد مصالح المحاصرين (بكسر الصاد)؟.

بالجزم أقول نعم، لأنني عندما أطالع قول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وبجل الشروح إن لم أقل كلها فقد قرن الفلاح بالثبات والذكر، وجعل الله الذكر محفزا على الثبات وداعيا إليه، وأنا أقول بمعرض هذا الحديث أن الذكر هو الذي بعث على القيام في وجه من سماهم الله فئة، وسمات هذه الفئة حتما لن تكون إلا نقيض سمات الذين آمنوا.

فمن عجائب الذكر أن تحول بلال من عبد مأمور يباع ويشترى، إلى رمز أمة بكلمتين ملأتا عليه كيانه “أحد، أحد”.

ومن عجائب الذكر أن تحول عمر الفاروق من عاشق لأجود الخمور وقاتل لصلبه، إلى خليفة للمسلمين تنفر الشياطين سبيله.

وحتى لا نتصور أن عجائب الذكر قد ولى زمانها مع عصر العمامة والجمل كما يقول الحداثيون، أقول أنه من عجائب الذكر أن تغلب حفنة من الذاكرين بغزة على أعتا ترسانة عسكرية في العالم، فبالذكر والتوكل على الله عز وجل، وبقليل من العتاد، والقليل فقط. اندحر اليهود وراحوا يقتلون بعضهم بعضا إذا هم أسروا أو حوصروا، فمن غزة حفظ القرآن، ومن غزة التبتل، ومن غزة البكاء في صلاة التراويح، ومن غزة الله أكبر، تنفست ملايين المستضعفين الصعداء أملا أنه لابد للقيد أن ينكسر.

ورب قائل يقول: وما هو هذا الذكر الذي يحول الإنسان إلى هذه الصورة الخارقة؟

الجواب مختصر مفيد، يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: خير ما قلته أنا والنبيئون من قبلي لا إله إلا الله، وعندما خرج على الناس بالنبوة قال لهم: يا قوم قولوا “لا إله إلا الله” تفلحوا، و يقول الحق سبحانه: فاعلم أنه لا إله إلا الله.

في هذا السياق يقول أحد الخبراء بقضية الذكر وهو الإمام الغزالي: أنه بالذكر تنمحي المخاوف، فإذا ذكر الذاكر الله عمرت قلبه الطمأنينة، وغمره الرضا، بعد أن كان متوجساً خائفاً، يائساً قانطاً ..)، والذكر كما يقول الشيخ سيد سابق في كتابه “فقه السنة”: هو ما يجرى على اللسان والقلب، من تسبيح الله تعالى وتنزيهه وحمده والثناء عليه، ووصفه بصفات الكمال ونعوت الجلال).

كما يقول كذلك: إذا اطمأن القلب للحق اتجه نحو المثل الأعلى، وأخذ سبيله إليه دون أن تلفته عنه نوازع الهوى، ولا دوافع الشهوة. ومن ثم عظم أمر الذكر، وجل خطره في حياة الإنسان، ومن غير المعقول أن تتحقق هذه النتائج بمجرد لفظ يلفظه الإنسان، فإن حركة اللسان قليلة الجدوى ما لم تكن مواطئة للقلب، وموافقة له) .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لله ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء” 1 .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى اذكروا الله ذكرا كثيرا يقول: لا يفرض على عبادة فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله فقال: اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم، بالليل والنهار، في البر والبحر، في السفر والحضر، في الغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وسبحوه بكرة وأصيلا، فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم وهو وملائكته.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل “أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟، قال: الذاكرون الله كثيرا. قلت يا رسول الله: ومن الغازي في سبيل الله؟. قال: لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان الذاكرون الله أفضل منه درجة” 2 .

وعن معاذ رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم “أن رجلا سأله فقال: أي المجاهدين أعظم أجرا؟، قال: أكثرهم لله ذكرا. قال: فأي الصائمين أعظم أجرا؟، قال: أكثرهم لله ذكرا.

الصلاة، والزكاة، والحج، والصدقة. كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أكثرهم لله ذكرا. فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل”
3 .

وعن أم أنس رضي الله عنها أنها قالت “يا رسول الله أوصني، قال: اهجري المعاصي فإنها أفضل الهجرة، وحافظي على الفرائض فإنها أفضل الجهاد، وأكثري من ذكر الله فإنك لا تأتين الله بشيء أحب إليه من كثرة ذكره” 4 .

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون” 5 .

وعن أبي الدرداء رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: “ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم”؟، قالوا: وما هو يا رسول اللّه؟، قال صلى اللّه عليه وسلم: ذكر اللّه عزَّ وجلَّ” 6 .

وهاك من أقوال أهل الطب وعلم النفس يا من سجنت قناعاتك في سراديب الحداثة. يقول الدكتور رامز طه أحد استشاري الطب النفسي المعتمدين: ذكر الله يزيل المخاوف والأفكار والتصورات السلبية والوساوس ويطردها من الذهن في الحال، ويعيق تأثيرها على مراكز الانفعال.. وهذه الحقيقة هي حجر الزاوية وأساس أسلوب الخلوة العلاجية الذي تأكد من خلال دراساتي وملاحظة عشرات الحالات من المرضى والمتطوعين. ولقد أثبتت الاختبارات النفسية والتقييم الإكلينيكي واستمارات ملاحظة الذات انخفاض معدلات الانفعالات المختلفة نتيجة زوال الأفكار الخاطئة والمخاوف والوساوس باستخدام أسلوب الخلوة العلاجية.

فهذا أخي هو الذكر صانع العجب، فمن كذب فليجرب.


[1] رواه البخاري.\
[2] أخرجه الإمام أحمد والترمذي والبيهقي.\
[3] أخرجه الإمام أحمد والطبراني.\
[4] أخرجه الطبراني.\
[5] أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه.\
[6] رواه الإمام أحمد.\