إن الدنيا مذ أبانت محبها أبانت 1 حالها، لقد روت وما روت فأرت مآلها، لقد عرف إدبارها من قد ألف إقبالها، وما اطمأنت أرضها إلا زلزت زلزالها.قـل لمن فاخر بالدنيا وحــامى ***قتلـت قبـلك سامـا ثم حــاما
نـدفن الخِـلَّ ومــا في دفـننا ***بعــده شـك ولكــن نتعـامى
إن قدامــك يومـا لـو بـــه ***هددت شمس الضحى عادت ظلاما
فـانتبه من رقـدة اللهــو وقـم ***وانف عن عيـن تمـاديك المناما
صـاح صِحْ بالقبر يخبرك بــما ***قد حوى واقرأ على القوم السـلاما
فالعظيم القـــدر لو شــاهدته ***لم تجد في قبــره إلا العظــاما
تالله لقد ركض الموت فأسرع في الركض، بث الجنود وطبق الأرض، ما حمل على كتيبة إلا وفضّ 2 ، ولا صاح بجيش إلا جاش وارفَضَّ 3 ، ولا لوح إلى طائر في البرج إلا انقض، إذا تكلمت قوسُه بالنَّبض أسكتت النَّبض 4 ، بينا الحياة تعرب بالرفع جعل الشكل الخفض.

أين مصون الحصون؟ أزعج عنها، أين مقصور القصور؟ أخرج منها. نقله هادم اللذات نقلا سريعا، ومَقَلَهُ 5 في بحار الآفات مقلا فظيعا، وفرق بينه بالبيْن وبين بَنيه، وطرقه بطارق النقض فأنقض ما كان يبنيه.

لقد ولى ولاء ذي وُدّ ينفعه، وبان لباني الدنيا مصرعُه، هجره والله من هاجر إليه ونسيه نسيبُه، وقد كان يحنو عليه فلا صديقُه صَدَقه في مودّته، ولا رفيقُه أرفقه في شدته.

حُلُّوا والله بالبلاء في البلى، وودعهم من أودعهم ثم قلى، وانفردوا في الأخدود بين وحش الفلا، وسألوا الإقالة فقيل: أمّا هذا فلا.

لو نطق الموتى بعد دفنهم لندموا على غيّهم وأَفَنِهِم 6 ، ولقالوا: رحلنا عن ظلم شرورنا إلى ظلم قبورنا، وخلونا عن الأخلاء بترابنا في آفات لا ترى بنا، أفترى محبنا إذ ظعنا بمن اعتاض 7 عنا؟ وهذا مصيرك بعد قليل، فتأهب يا مقيما للتحويل، يا سليما يظن أنه سليم! جوارحك جوارحك 8 ، سور تقواك كثير الثَّلم، وأعداؤك قد أحاطوا بالبلد.

طالع أيضا  سألت الدار عن الأحباب أين رحلوا؟

ويحك! قبل الرمي تراش السهام، وبين العجز والتواني ينتج التوى 9 . يا قاليَ القائل للنصائح! أداؤك داؤك، كيف تجتمع همتك مع غوغاء المنى وضوضاء الشهوات؟ كيف تتصرف في مصالحك والشواغل للشواغل 10 ؟ كم صادفت الهوى فصدفت! لقد خدع قلبك الهوى فاسْتَرَقَّكَ 11 ، أضر ما عليك سوء تدبيرك.

آه للابس شعار الطرد وما يشعر به! واأسفا لمضروب ما يحس صوت السوط! عجبا لمن أصيب بعقله وعقله معه! يا فارغ البيت من القوت في أيام الحصاد!أملي من أملي مـا ينقضي ***وغرامي من غرامي قـاتلي
كلما أفنيت عاما فـاسدا ***جاء عـام مثله من قابـل
كلما أمّلت يومـا صــالحا ***عرض المقــدور لي في أمـلي
وأرى الأيام لا تدني الذي ***أرتجي منك وتـدني أجــلي
يا جرحى الذنوب! قد عرفتم المراهم، اخرجوا من قصر مصر الهوى وقد لاحت مدينة مدين! اطلبوا بئر الشرب وإن صَدَّ الرعاء! فلعل حضور موسى يتفق. متى استقامت لكم جادة البكاء، فلا تعرجوا عنها.

كان عمر بن عبد العزيز وفتح الموصلي رحمهما الله يبكيان الدم.قولوا لسكــان الحي ***تبـدل الدمــع دما
وكل شهــد بعــدكم ***قد صـار مرا علقما
إذا تكاثفت كثبان الذنوب في بوادي القلوب نسفها نسف أسَف في نَفَس.لست وإن أعــرضــتم ***أيأس من أن تعـطفوا
فلا بـرى وجــدي بكم ***ولا أفــاق الشـغــف
وصبر يعقــوب مـــعي ***حـــتى يـرد يـــوسف
يا من كان وقت طيب وقلب حسن، فاستحال خله خمرا! ابك على ما فقدت في بيت الأسف!لعل انحدار الدمع يعـقب راحـة ***من الوجد أو يشفي نَجِيَّ البلابلما أحسن ما كنت فتغيرت! ما أجود جادّتك! فكيف تعثرت؟وكنا جميعا قبل أن يظهر الهوى ***بأنـعم حـــال وغبـطة وسـرور
فما برح الواشون حـتى بدت لنا ***بطون الهــوى مقلـوبة لظهــور
البكاء على الفائت معول الحزين.

طالع أيضا  من علم ما أمامه تهيأ للرحيل وأصلح خيامه

لأبي تمام:وأنجدتم من بعد اتهـام داركـــم ***فيا دمع أنجدني على ساكني نجــد
لعمري قد أخلقتم جــدة البكا ***علي وجــددتم به خـلق الوجــد
يا معاشر المطرودين عن صحبة أهل الدين!تعــالوا نقم مأتـما للفـراق ***وننـدب إخـواننا الظــاعنيناهلموا نُرِقْ دمع تأسفنا على قبح تخلفنا، ونبعث مع الواصلين رسالة محضر لعلنا نحظى بأجر المصيبة!

أنجع المراهم لجراحات الذنوب البكاء، هتكة الدمع ستر على الذنب.قد كنت أصــون دمعتي في الآمـاق ***سترا للحـب وهو ما ليس يطــاق
حتى صاح الوجد عن صحيح الأشواق ***ما حـيلة من بلى بمهجر وفراق؟
كان محمد بن المنكدر رحمه الله كثير البكاء فسئل عن ذلك فقال: آية من القرآن أبكتني وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون

كيف لا تذهب العيون من البكاء وما تدري ما قد أعد لها؟ سبقت السعادة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قبل كونه، ومضت الشقاوة لأبي جهل قبل وجوده، وخوف العارفين سوابقُ الأقدار، قلقل الأرواحَ هيبةُ لا يُسأل 12 ، مع تحكم ولو شئنا لأتينا كل نفس هُداها

قوي قلقُ العلماء.أترى سـألوا لمــا رحـلوا ***ماذا فعـلوا أم من قتلوا
أحليفَ النـوم أقِلَّ اللـومَ ***فعنـدي اليــوم بهم شغْــلُ
أدنى جــزعي لم يبـــق معي ***قلب فيـعي منذ احـتملـوا
جلدي سلبـوا جسدي نهبــوا ***كمدوا وهبـوا كبدي تَبَلُوا
لمـا ذرفــت عيــني وقفــت ***أترى عرفت ما بي الإبــل؟

من كتاب “المدهش” لأبي الفرج بن الجوزي رحمه الله.


[1] أبانت الأولى: فارقت، والثانية: أظهرت\
[2] فَضَضْتُ الشيءَ أفُضُّه فَضًّ، فهو مفضوضٌ وفضيضٌ: كسرتُه وفرَّقتُه.\
[3] جاشت القِدْر تجيش جيشاً وجَيَشَاناً: بدأت تغلي، وكذلك الصدْرُ إذا لم يقدر صاحبه على حبس ما فيه. والمعنى هنا: فارَ وارتفع. عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “ستكون فتنة لا يهدأ منها جانب إلا جاش منها جانب حتى ينادي منادٍ من السماء أميركم فلان”. رواه الطبراني رحمه الله في الأوسط.

ارفضَّ الدَّمْعُ وتَرَفَّض: سال وتفرَّق وتتابعَ سيلانه. والمعنى هنا تفرق.\

[4] النبض الأولى: صوت السهم، نقول: أَنْبَضَ القوسَ إذا جَبذَ وترها لتُصَوِّتَ. النبض الثانية: نبض القلب وتحركه، نقول: نَبَضَ العِرْقُ ينبِض نباضا: تحرك.\
[5] مَقَلَه: غمسه وغطسه.\
[6] أفنهم: نقص عقولهم، أُفِنَ الرجل: ضعف رأيه.\
[7] اعتاض عنه: أخذ العوض.\
[8] الجوارح الأولى: أعضاء الجسم، أما الثانية فهي الآلات الجارحات.\
[9] التوى: الهلاك، وأصله هلاك المال. يقال: توى ماله إذا هلك. يقول المتنبي: ومن يكُ كقلبي له *** يشقُّ إلى العزّ قلبَ التوى\
[10] الشواغل الأولى: مفردها شاغلة، وهي ما يشغل الإنسان. أما الثانية فمركبة من كلمتين؛ الشوى: اليدان والرجلان، وقيل: اليدان والرجلان والرأس من الآدميين وكلُّ ما ليس مَقْتَلاً. الغل: القيد المعروف.\
[11] استرقَّ: استعبد. الرق: العبودية.\
[12] “لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون” (سورة الأنبياء، الآية 23).\