في أيام التلبية انتقل إلى عفو الله ورحمته رجل وأي رجل سيدي محمد العلوي السليماني رحمه الله، كان ذلك ليلة الاثنين 2 ذي الحجة 1429 ه الموافق لـ 1 دجنبر 2008.

يوم بكت فيه الأرض ومن فيها رحيل رجل جليل، وابتهجت السماء باستقبال روح طاهرة مطمئنة آمنة: يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي

سنة الله في الخلق

خلق الله الإنسان في البلد، وعلمه بالقلم ليعلم ويعمل ويقتحم العقبات، ليلقى الله يوم اللقاء. يوم يكون الناس صنفان: أهل السعادة وأهل الشقاء.

هذا ما علمنا وأوصانا به الأستاذ المربي سيدي محمد العلوي، بلسان حاله قبل مقاله في مدرسة العدل والإحسان.

واستحق من صاحبه ورفيق مسيرته الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله، وسام الشرف في الدنيا ليسعد به في الآخرة: رجل وأي رجل.

سنة الله في الزمان

قبضت روحه الشريفة ليلة الإثنين 2 ذي الحجة. يوم الاثنين تعرض فيه الأعمال على الله عز وجل، وشهر ذي الحجة يجتمع فيه المسلمون ملبين مكبرين مهللين. شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل الأيام، اختاره الله عز وجل لجواره في يوم من الأيام المعلومات.

في ذاك اليوم، رحل عنا الرجل، وحل الحزن في قلوب من عرفوه ومن لم يعرفوه، فحج الآلاف لتوديعه إلى مثواه الأخير. فكان حقا يوما مشهودا، لم تعرف مدينة مراكش في تاريخها مثل ذاك الوداع لحبيب غال ورجل قل نظيره في هذا الزمان، محبوب عند الناس، كل الناس.

في هذا اليوم، تحل علينا الذكرى الأولى على رحيله عن هذه الدنيا الفانية، مستبشرين بما وعد الله به عباده الصالحين في الدار الباقية. عباد أحبوا لقاء الله، فأحب الله لقاءهم.

سنة الله في الكون

إنه القدر، سخر سبحانه الزمان والمكان للإنسان. قال الله عز وجل: الذي خلق الموت والحياة لنبلوكم أيكم أحسن عملا، وهو العزيز الغفور.

من الناس –كثير من هم- من سخر حياته للمكان والزمان، فكانت جاذبيته للأرض بامتياز، وغادر الدنيا بألم وحسرة وبكاء. يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.

ومن الناس -وقليل من هم- من سخر زمانه ومكانه لعبادة الله بقدمين راسخين فوق الأرض، لكن بقلب معلق بالثريا لبلوغ مقامات الإيمان والإحسان، استعدادا للآخرة في دار البقاء، وغادر الدنيا بشوق وفرح لما عند الله وأزلفت الجنة للمتقين. كذلك كانت لحظات انتقال روح سيدي العلوي إلى دار البقاء، ولا نزكي على الله أحدا.

غاب عنا اليوم جسده الشريف، لكن بقيت وصاياه الخالدة ترن في أذن من أحبوه وصحبوه. ومن الأسئلة الدائمة التي يطالبنا أن نعد لها جوابا عمليا ما يلي: “ونحن من الناس، أي صنف نعمل في هذه الدنيا لنكون منهما؟”

يطالبنا الرجل بالجواب على هذا السؤال، ويجعله هما دائما وحاجة ضرورية مع الله. كما يعيد طرحه علينا بصيغ نبوية أخرى:

كيف تكون من أكيس الناس؟

كيف تكون من أحزم الناس؟

كيف تكون من أخير الناس؟

لتصبح -أي هذه الأسئلة- دعاء فرديا وهما جماعيا دائما وحاجة ضرورية مع الله في ورد يومي، ليلا ونهارا، ضمن برنامج تعليمي وتربوي يهدف لتحقيق الخلاص الفردي والجماعي: كيف أكون -فردا- لنكون -جماعة ومجتمعا- أكيس وأحزم وأخير الناس؟ لنجسد فينا قول الحق سبحانه: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون.

هكذا باشر الرجل عمليا مشروع بناء مجتمع العمران الأخوي في مدرسة العدل والإحسان، بالتربية ثم التربة ثم التربة. التفت حوله القلوب قبل الأجساد، وتنورت العقول بالعلوم، وهذبت النفوس من الخبث إلى الطمأنينة، ووجهت الأجساد نحو قبلة المحبة والطهارة في مجالس النصيحة ورباطات الخير والفلاح. فكانت حقا صحبة أرواح وليس صحبة أشباح.

إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، وصدقة جارية، وولد صالح يدعو له” 1 .

الرجل رحمه الله حي في الآخرة وموصول بعمله في الدنيا على المستويات الثلاث:

– الصدقة الجارية:

يعطي بيمينه مالا تعلمه شماله، إلا أن الشهادات المتواترة لمن أحسن إليهم حسا ومعنى لا تكاد تنقطع.

– الولد الصالح:

لا يمكن الحديث عن الوالد دون الحديث عن الولد. خلف الرجل، رحمه الله، أبناء بررة. رضاه عنهم دائم مسموع، وصلاحهم بين ومشهود. حياء وصمت وسمت حسن: خصال نبوية حميدة جعلت أبناء الشريف يتربعون في قلوب كل من أحبوه. زادنا الله وإياهم من فضله وإنعامه.

– العلم النافع:

ومن الولد أيضا، أبناء الدعوة وشباب العدل والإحسان، علمهم العلم النافع يخرج من فيه كالماء الصافي عذب شرابه، حلو مذاقه، لذيذ طعمه، طيبة رائحته، خصب سقيه، كثيرة ثماره…

رب سائل يسأل عن الورق الذي يحوي هذا العلم؟

إنه المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا، إنه علم يمشي بين الناس. إنه شباب العدل والإحسان. ثمرة جهاد بناء وتربية خلال ثلاثة عقود. عمل إمامه علم، كان الرجل من حملة المشعل، ثالث ثلاثة الصحبة والدعوة وأحد مؤسسي جماعة العدل والإحسان وراود التربية والجهاد والعمل الإسلامي في المغرب. مرشدا ناصحا وخادم الدعوة وساهرا على النهوض بسلوك أبناء وبنات الجماعة. يتعهدهم ويسأل عن الصغير قبل الكبير، المرأة والرجل، يوصي الجميع ببر الوالدين وحفظ كتاب الله والصلاة في وقتها وحب الخير لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. يعود المريض ويمشي في الجنائز، لا يعرف كسلا ولا مللا.

رحيم رؤوف رفيق، يسقي قلبك بدمعته الإيمانية، فيحيى بعد غفلة وتزال النكت السوداء منه لتتحول إلى بياض وصفاء، كما يتحول يبس الجسد إلى سنبلة خضراء، ثمارها طيبة وبذورها خصبة في حقل الدعوة المحاط بالعناية الربانية ودفئ الصحبة والجماعة لتفتح مغالق القلوب من ظلمة الغفلة إلى فسحة الذكر والذوق واليقظة.

الدنيا مزرعة الآخرة

علمها الرجل، وذاق حلاوتها وعمل لتجسيدها في سلوكه رحمه الله وعلمها لكل من يزوره أو يلتقي به في مجالس النصيحة، بل جعلها هدية نبوية يعطيها لكل من أحب، ولازمة طرية على لسانه يفتتح بها ويختم بهام مجالسه الطاهرة. فكان حقا من المجالس التي تحفها الملائكة.

فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: حلق الذكر، فإن لله تعالى سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم حفوا به”.

يحفزنا رحمه الله أن تصبح بيوتنا روضا من رياض الجنة وليس وكرا من أوكار الشيطان، يذكر فيها الله عز وجل ويتلى فيها القرن وتجتمع فيها الوالد والولد والأحباب والناس على طاعة الله.

يقول رحمه الله: فمن شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا، فليستوطن مجالس الذكر فإنها رياض الجنة، ومجالس الذكر هي مجالس الملائكة، فإنه ليس من مجالس الدنيا مجلس خير من مجلس يذكر فيه الله تعالى). فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لله ملائكة فضلاً، يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تعالى تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم تعالى وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله ما رأوك، قال فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تحميداً وتمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً،

قال: فيقول: ما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: فيقول: هل رأوها، قال: فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة، قال: فيقول: فمم يتعوذون؟ قال: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة، قال: يقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم.”
2

مجالسه رحمه الله: رياض الجنة

سيدي محمد العلوي رحمه الله، كان أول من يحضر مجالس الخير، مستقبلا القبلة ذاكرا لله كثيرا، كثير الصمت، دائم الأحزان. إذا ضحك ابتسم، وإذا غضب كان ذلك لله، وإذا تلي القرآن في حضرته بكى حتى تبتل لحيته،عرف بدمعته التي تنساب بسلاسة وصدق فتأثر في من يجالسه ويرق قلبه وتنجذب جوارحه للكوكبة النورانية، وإذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه صلى عليه وسلم تسليما كثيرا، وإذا سئل أجاب بما علمه الله، وكان لا يهرف بما لا يعرف، أما إذا استنصح نصح نصحا صادقا محفزا على اقتحام عقبة النفس والهوى لنكون من:

– أكيس الناس، مصداقا لوصف رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بأنهم “أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم استعدادا للموت قبل نزول الموت، أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا والآخرة” 3 .

– أحزم الناس:عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن يرد الله أن يهديه، يشرح صدره للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن النور إذا دخل الصدر انفسح، فقيل: يا رسول الله! هل لذلك من علم يعرف؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله” 4 .

– أخير الناس، “من طال عمره وحسن عمله” 5 ، ومن تعلم القرآن وعلمه.

– أبرّ الناس، من أطاع والديه وأحسن لهما في حياتهما وبعد موتهما بـ: “الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإيفاء بعهودهما من بعد موتهما، وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما” 6 .

هذه بعض الدرر النفيسة من وصايا الشريف رحمه الله، تحتاج أقواله وأفعاله لناظم ينظمها في خيط من ذهب لتشكل عقدا نفيسا، حليا ثمينا يسترشد به كل من أراد أن يركب سفينة النجاة يبحر بها في بحر طوفان الفتن والغفلة ليسمو إلى مقام الإحسان بصحبة الرجال.

سيدي محمد العلوي رحمه الله رجل وأي رجل: رجل مجاهد رباني معروف بخصاله الرفيعة وأخلاقه الفاضلة وسمته الحسن ووصاياه الغالية. التفاف الشباب حوله وتربعه في قلوبهم، وبناؤه الحثيث للجماعة المباركة ودعوته للناس بلسان حاله ومقاله وتربيته للشباب وتأثيره في عموم الناس… أخافَ من يخاف من هبة إيمانية لهذه الأمة على يده الشريفة بصحبة الأستاذ المرشد حفظه الله الذي تلقى عنه علم المنهاج النبوي، فسمع الخطاب بقلبه، واستجابت جوارحه بالانخراط في الدعوة إلى الله وإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك أصبح الرجل مدرسة وقبلة لشباب العدل والإحسان. قوبل ذلك بحصار بيته والتضييق عليه حتى خلال ذهابه إلى المسجد.

رجل أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه. يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.

أختي الفاضلة، أخي الفاضل، هذا جزء من كل، وبعض من فيض، أذكرك بقليل من مناقب الرجل..

فكُن رجلاً إنْ أتوا بعده ،،، يقولون مرَّ .. وهذا الأثر

والحمد لله رب العالمين.


[1] رواه مسلم.\
[2] رواه البخاري.\
[3] أخرجه الطبراني في معجمه الكبير وأخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق والحارث الهيثمي في مسنده(الزوائد).\
[4] أخرجه الحاكم في مستدركه وعبد الرزاق في مصنفه.\
[5] من حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم،أخرجه الترمذي في سننه.\
[6] من حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم،أخرجه البخاري في الأدب المفرد.\