6   +   3   =  

رغم ما أصاب أهل غزة من محنٍ وابتلاءاتٍ ومصائب يصعب على أي شعبٍ آخر أن يتحملها، أو أن يواصل الحياة في ظلها بكل صعابها، وأن يقتحم الخطوب التي يواجهها بكل الأمل والرغبة في الحياة، ورغم الدماء الجارفة، والجروح النازفة، والعيون الدامعة، والأمهات الثكلى، والأطفال الأيتام، والبيوت المهدمة، والحاجة الدائمة، ورغم الملاعب المحروثة، والأرض الخربة، وكور القدم المبقورة، وشباك الملاعب الممزقة، واللاعبين الذين بترت أطرافهم، وحراس المرمى الذين فقدوا سواعدهم، إلا أن أهل غزة كغيرهم يعشقون الرياضة، ويحبون كرة القدم، ويتمنون لو أن الظروف تسعفهم ليبزوا الآخرين بمهاراتهم، وينافسوا اللاعبين على أرضهم، وينتزعوا الفوز من شباكهم، ويرفعوا اسم بلادهم عالياً خفاقاً موسوماً بالنصر، ويباهوا الآخرين بقدراتهم ومواهبهم، ولكن الاحتلال لم يعطهم الفرصة، فقتل وأصاب بجراحٍ مقعدة لاعبيهم، ودمر أنديتهم، وخرب ملاعبهم، ولم يبق لهم على شيء مما يمارسون به لعبتهم المفضلة، ولكن إرادة الحياة لدى الغزيين، وموهبة الرياضة الكامنة في نفوسهم سيكتب لها البقاء رغم كل الصعاب.

أهل غزة كغيرهم يحبون كرة القدم، ويعشقون مبارياتها، ويتابعون رغم الحصار الخانق المنافسات الدولية، ومباريات المونديال، ويرفعون أعلام البرازيل وإيطاليا وألمانيا وفرنسا والبرتغال، ويشجعون مشاهير كرة القدم، ويحفظون أسماءهم، ويتابعون أخبارهم، ويقلدون طريقة لعبهم، ويلبسون قمصانهم، ويرفعون راياتهم وأعلام أنديتهم، ويتطلعون إلى يومٍ يكون لفريقهم الوطني دورٌ في المنافسة وسباق المونديال، أطفال غزة كما شبابها، عاشقون للكرة، محبون للرياضة، منهم من يشجع المنتخب الإيطالي، متنمياً لفريقها الفوز، وآخرون يحبون البرازيل ويرون أن لاعبيهما هم الأمهر والأقوى، وغيرهم يرى في الفرق الأوروبية الأخرى كألمانيا وانجلترا وفرنسا فرصة كبيرة على المنافسة وانتزاع الفوز.

ولكن يبقى أهل غزة يحبون مصر، ويحبون أندية مصر، ويتباهون بالأهلي والزمالك، وينقسمون فيما بينهم بين أهلاوي وزملكاوي، ويلبسون الأحمر والأبيض، ويختلفون فيما بينهم وقد يختصمون أهلاوية وزملكاوية، وتكاد تخلو شوارع غزة عندما يلعب الأهلي والزمالك معاً، ولكن غزة تكون مصرية عندما يلعب منتخبها القومي، ويضطرب قلب شبابها عندما تهتز شباك مرمى مصر، ويهتف أهل غزة لأبي تريكة في أي موقعٍ كان، وضمن أي فريقٍ يلعب، وتحب عصام الحضري وعماد متعب، وعمر زكي ومحمد بركات، ومن قبل أحب أهل غزة حسن شحادة والمجري ومحمود الخطيب ومجدي عبد الغني ومصطفى عبدو وجمال عبد الحميد وإكرامي وثابت البطل وشوبير، فحفظ أهل غزة شيبها في الأمس وشبابها اليوم كبار اللاعبين المصريين وأحبوهم، وخفقت لهم قلوبها عندما كانوا ينزلون إلى أرض الملعب.

ولكن غزة تحب الجزائر أيضاً، وتتطلع بعيونها إلى أرض وشعب المليون شهيد، وقد أحبت زين الدين زيدان لأنه جزائري، وليس لأنه لاعبٌ فرنسيٌ متألق، وتقدر غزة كما كل الفلسطينيين مواقف الجزائر منذ ما قبل الاستقلال إلى اليوم، فهي في عطاءٍ مستمرٍ لفلسطين وأهلها مالاً وسلاحاً وإمداداً، وقد استضافوا المؤسسات الفلسطينية، وجعلوا من أرضهم موئلاً للفلسطينيين، ونافحوا عن فلسطين في كل المحافل الدولية، وكانوا ردءاً لأهلها في كل المناسبات والأحداث، ولا ينسى أهل غزة العطاءات الجزائرية الشعبية التي لا تنقطع، والأموال التي يقتطعها الجزائريون من أفواه أطفالهم ليرسلوا بها إلى فلسطين وأهلها، ويقدرون عالياً موقف الرئيس الجزائري الذي استعد بتزويد أهل غزة بغاز الطهي والوقود بمختلف أنواعه، كما وعد بإمداد غزة بالاسمنت والآليات الثقيلة لإعادة إعمار ما خربه الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانه الأخير على غزة، واستعداد الجزائريين لنصرة أهل غزة المحاصرين، ورفع الضيم عنهم، ومؤازرتهم بالمال والغذاء والدواء.

وضعت مصر غزة بين خيارين صعبين، عندما جعلت التمايز بين الفريقين على أساسٍ قومي وعرقي، وجعلت الولاء للفريق المصري ولاءاً لمصر، وغير ذلك موالاةً للخصوم، ويتندر أهل غزة المتمسمرين على الحدود المصرية أمام بوابة رفح انتظاراً لساعة فرجٍ يفتح فيها المعبر، بأن يهتفوا أمام عناصر الأمن المصري بالنصر للمنتخب القومي المصري، وإلا ردوا على أعقابهم، ومنعوا من العبور إلى مصر، وزاد في تعقيد الأمر ما تقوم به الحكومة المصرية من تطبيقٍ محكمٍ للحصار المفروض على غزة، وقد تحدث كثيرٌ من الجزائرين بصراحة عن الموقف القومي لبلادهم بالمقارنة مع الموقف القومي لمصر تجاه الفلسطينيين، وطالبوا الفلسطينيين بأن يناصروهم على المصريين، وأن يشجعوا ويتمنوا فوز الفريق الجزائري على الفريق المصري، فالجزائر قيادةً وشعباً يقفون مع الشعب الفلسطيني، ويساندون مقاومته وصموده، ويحاولون تعزيز صمود أهل غزة بكل ما أوتوا من قوةٍ ومال، بينما خذلت القيادة المصرية أهل غزة فحاصرتهم، وانقلبت على المقاومة فطلبت سحب سلاحها، وتوسطت للحوار بين فريقين فانحازت إلى أحدهما دون الآخر، وعاقبت فريقاً فاعتقلت عناصره ومناصريه، وعلى بواباتها مات عشرات الفلسطينيين وهم يتوسلون إلى الرئيس المصري ليسمح لهم بالعبور لتلقي العلاج.

تشتتت غزة الجريحة بين حبها القديم للمنتخب القومي المصري، الذي يضم خيرة اللاعبين المصريين من الأهلي والزمالك وغيرهما، والذين يمثلون عمق المواقف القومية لشعب مصر، والذين يناصرون فلسطين وأهلها، ولا يختلفون في شيء عن أبي تريكة الذي تحدى العالم كله بمناصرته لفلسطين وأهلها، والذين ينتمون إلى شعبٍ قد ارتبط مصيره بفلسطين، وقدم على ثراها عشرات آلاف الشهداء، ومن أجلها فقد الكثير من استقراره ورخائه، وبين الجزائر العظيمة، جزائر العطاء والفداء والبطولة، التي تحلم كيف تعطي فلسطين أكثر، وكيف تحمي الفلسطينيين من الفرقة والخصام، فأين تقف غزة اليوم، أتناصر منتخب مصر الذي تحب، أم تؤيد منتخب الجزائر الذي أعطت بلاده كما مصر لفلسطين الكثير، مسكينة هي غزة التي تئن بجراحها، وتنزف دماؤها، ويعاني أبناؤها، فإن عليها أن تختار وتحدد موقفها، في معركةٍ كانت رياضية، فأخطأ البعض عندما جعلوا منها مباراةً سياسية، وجعلوا الولاء فيها حكماً ومقياساً، ولكن أهل غزة قد اختاروا أن يكونوا مع أهلهم في مصر، وأن يكونوا مع أهلهم في الجزائر، وألا يجعلوا من مبارة كرة القدم سبباً في مزيدٍ من الفرقة والخصام، وأن يدعو العرب ليكون لهم منتخبهم العربي ليواجه أي فريقٍ آخر، فنحن بمنتخبنا العربي أقوى وأقرب إلى النصر، وأدعى إلى الوحدة والتآلف واللقاء، وأي الفريقين يحقق الفوز في جنوب أفريقيا، فإنه سيكون فوزاً للعرب جميعاً، مصريين وجزائريين وفلسطينيين وكل العرب.