أجرت أسبوعية المشعل حوارا مع الدكتور محمد سلمي، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية ومنسق الهيئة الحقوقية، حول المشهد السياسي المغربي وموقف جماعة العدل والإحسان مما يجري فيه.

فيما يلي نص الحوار الذي نشرته الجريدة في عددها 234 الصادر يوم 29 أكتوبر – 4 نونبر 2009.

سؤال:

كيف تقرؤون عموما المشهد السياسي الحالي؟

جواب:

بسم الله الرحمان الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه، أما بعد فإن المتتبع لأحوال المشهد السياسي المغربي لا يحتاج إلى كبير جهد، ولا إلى علو خبرة، ليدرك عمق الفراغ، وهشاشة المؤسسات، وغياب الرؤية المستقبلية، وضعف البرامج أو انعدامها أصلا، والتهافت المخجل على المصالح والامتيازات الشخصية التافهة… إنها نتائج طبيعية لمسار مشهد سياسي صنعه الاستبداد. وفي ظل هذه الأجواء تخنق المبادرات، وتنهار الإرادات، وتذبل الطاقات، وهذا ما يعاني منه أصحاب المروءات والكفاءات العالية الذين لا تستفيد منه بلادنا، لغياب مشهد سياسي جدي وفعال.

سؤال:

غابت الجماعة عن الركح السياسي، هل هذا يعني أن هناك تغييرا في الأهداف والإستراتيجية؟

جواب:

إن كان القصد من الركح السياسي مهزلة الانتخابات الأخيرة فالغياب عنها أفضل من الحضور فيها، والسكوت عنها خير من الكلام فيها. وموجة العزوف أصبحت الآن عامة في بلاد قمعستان بأكملها، وحتى الحركات الإسلامية التي انتشت قليلا بنتائج الاقتراع، وظنت أنها يوما ستشكل حكومات ملتحية ولو بعد قرن من الزمن، تهاوت كراسيها كأوراق الخريف، فمن أهلها من أدرك ألا جدوى من المشاركة في لعبة يديرها الاستبداد بشروطه، ومنهم من ينتظر الاستخفافات المقبلة.

سؤال:

هناك من يقول إن الجماعة لم تعد تهتم بالقضايا الآنية وعكفت على الأهداف الإستراتيجية؟

جواب:

هذا غير صحيح، فالاستراتيجي يبني تدريجيا من خلال الآني، ولسنا ممن يعمل في السرية والكواليس، وليس في برامجنا ما يدفعنا لذلك. ولقد اختارت الجماعة العمل في ظل قوانين البلاد على علاتها، تفاديا لأي غموض أو لبس. ومن الملاحظ من قبل المتتبعين أن كثيرا من برامج الدولة حاليا في التنمية البشرية، والخدمات الاجتماعية، وتأطير الحقل الديني، والمخيمات الصيفية… محاولة لمحاكاة الجماعة. وقد وددنا أن تنجح الدولة في هذه المحاكاة، تخفيفا لمعاناة مستضعفينا، فالدال على الخير كفاعله، لكن ثمة بون شاسع بين النائحة الثكلى والنائحة المستأجرة، والسر في سحنون وليس في النون كما يقال. ومن أخطاء الدولة منعها للجماعة من مباشرة هذه الأعمال لأنها تخشى من نتائج المقارنة رغم عدم تكافئ الإمكانات والقدرات، بل طردت أطر الجماعة من هذه الواجهات مخافة استثمار النتائج، وهذا من الفروق بين عالمنا المتخلف وبين الدول المتقدمة التي لا تجد حرجا في تعيين عرب ومسلمين وغيرهم في وظائف أكثر أهمية. فالعبرة بالتزام القوانين وتحقيق الأهداف وإبراز الجدوى والفعالية والكفاءة.

سؤال:

أصحاب هذا الرأي يذهبون إلى القول إن الجماعة هي الآن بصدد إعداد التنشئة ليصبح النظام الإسلامي مفروضا من تحت، ما رأيكم؟

جواب:

النظام الإسلامي هو نظام المستقبل القريب في كل بلدان العالم الإسلامي، ومن الحكمة أن يقبل العالم الغربي بهذه الحقيقة، ويتعايش معها عوض مساندة الاستبداد، حفاظا على مصالحه الاستراتيجية مع الأمة الإسلامية. والخطاب موجه للغرب لأنه المتحكم الآن في الخريطة السياسية العالمية، وفي العالم العربي والإسلامي بصفة خاصة. ولعل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع من غير شروط الاستبداد الحالية، سيؤكد هذه الحقيقة. أما مجهوداتنا في التنشئة فمحدودة، فالدولة هي التي تمتلك مؤسسات التعليم الفاشلة، ووسائل الإعلام “العمومية” التي لم يعد المغاربة يهتمون بها… والجمعيات لا يسمح لنا بتأسيسها، وقد تتبع العالم ما جاء في التقرير الأخير لهيومن رايتس ووتش في هذا الصدد، بل لا يملك أعضاء جماعة العدل والإحسان حتى الحق في تنشئة أبنائهم في بيوتهم التي تقتحمها عليهم السلطات بالليل والنهار لزرع الرعب في الصغار والكبار. وما بقي خارج دوائر الانبطاح من مؤسسات التنشئة في المغرب مهدد في كل لحظة وحين، فهذه جرائد تحاكم، ودور القرآن تغلق…. وفي المقابل يفتح الباب على مصراعيه لكل ما من شانه أن يستأصل جذور الصلة بين المغاربة وهويتهم الدينية والحضارية. إنها خدمات تسدى للغرب لطمأنته على الوجهة المختارة ليرضى. لكن ليعلم الجميع أن شوكة هذا الإسلام تتقوى كلما حاربه أعداؤه، لأنه موصول برب الأرض والسماوات.

سؤال:

كما يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الجماعة حاليا هي في طور الإعداد لما بعد الشيخ ياسين، ما رأيكم بهذا الخصوص؟

جواب:

الأعمار بيد الله سبحانه، وكم كان يتوقع الذين حاصروا الأستاذ عبد السلام ياسين، بارك الله في عمره، أن يستمر الحصار إلى أن يموت الرجل “فيستريحوا منه”. وشاءت الأقدار، أن يرحل بعضهم إلى الدار الآخرة قبله، والموعد الحق هناك لا هنا. وقد علم الأستاذ عبد السلام ياسين أهل العدل والإحسان أنه عضو من بين أعضاء الجماعة، وعلمهم البذل عوض الانتهازية، لتحصينهم من وباء الصراع حول الزعامة، ومهازل توريثها للأبناء بعد الآباء، فاعتبر الانكسار التاريخي الذي أصاب الأمة منذ أن دشن معاوية بن أبي سفيان وراثة الحكم، من أكبر المصائب التي أصابت الأمة في تاريخها. لهذا فأصحاب هذا الرأي مخطئون، لأنهم يحاولون إسقاط نماذج بعض الأحزاب والتنظيمات والأنظمة العربية على جماعة العدل والإحسان، ولا قياس مع وجود الفارق.

سؤال:

كيف حال الجماعة حاليا وما هي أسباب عدم اهتمامها بتوضيح رأيها في الأمور الآنية كما كان يحدث سابقا؟

جواب:

الجماعة بخير والحمد لله، فهي تتأذى من الحصار المضروب عليها بلا شك، لكن مكاسب هذا الحصار أعظم من خسائره. وهي حاضرة وبقوة في جل هموم شعبنا وأمتنا رغم ذلك، لكن من وسائل الحصار التعتيم على حضورها ومشاركتها. وغير خاف عليكم أننا نمنع حتى من إظهار هويتنا وانتمائنا في كثير من التظاهرات التي نشكل أغلبية الحاضرين فيها، وفي هذا مخالفة للأعراف الجاري بها العمل في العالم بأسره، ولا يعدم المخزن من ينوب عنه في تمرير رسائله من المجتمع “المدني” المصطنع. وقد فضلت القناة التلفزية الثانية في إحدى المسيرات التقاط صور الأرجل عوض الوجوه لأن جل الحضور من الملتحين والمحجبات. وهل تتوقعون مشاهدة الناطق الرسمي للجماعة في الإعلام الذي نساهم في تمويله رغم أنوفنا، ليدلي بموقف الجماعة في هذه الأمور؟ إن حويصلة المخزن لا تتسع للرأي المخالف.

سؤال:

هل مازالت الجماعة تتعرض لمضايقات؟

جواب:

بالفعل نحن في حصار، فلا حق لنا في الإعلام العمومي، ولا حق لنا في الإعلام الخصوصي، ولا حق لنا في تأسيس الجمعيات أو الانخراط فيها، ولا حرمة لبيوتنا وأعراضنا، ولا حق لنا في كثير من الوظائف العمومية والعديد من المهن الحرة، ولا حق لنا في الوعظ والإرشاد ومنابر المساجد، ولا حق لنا في الاعتكاف في المساجد، بل الاعتكاف حتى في بيوتنا، ولا حق لنا في دور القرآن، ولا حق لكثير منا في جوازات السفر، ولاحق لنا في فتح مقرات، أو تأسيس مدارس، ولاحق لنا في الاحتجاج السلمي الحضاري ضد غلاء المعيشة وفساد التعليم والإدارة وانتشار البطالة وانعدام الأمن وباقي المآسي التي يعاني منها شعبنا، ولا حق لنا في التضامن مع إخواننا في فلسطين، ولا حق لنا في الاحتفال بالمناسبات الإسلامية والاجتماعية… الاعتقالات مستمرة، والاعتداءات لم تتوقف، واقتحام البيوت مستمر… لكن ينبغي للمخزن أن يعي جيدا فشل هذا المخطط العدواني. فالمقاربة البوليسية الاستئصالية التي اعتمدتها الجهات المكلفة بتدبير ملف العدل والإحسان، لم تنجح في ملفات أخرى سابقة، ولن تنجح مع هذه الجماعة. وقد بدأ الاعتداء يصل إلى عامة الشعب، كما حدث بتمارة يوم الجمعة 16 أكتوبر 2009، حيث اقتحمت السلطات بيت مواطن أقام حفل عشاء لجيرانه، بعد تطويق الحي بعشرات السيارات المحملة بقوات التدخل السريع، ظنا منها أنه تجمع لأعضاء العدل والإحسان. فحملت الضيوف إلى مخفر الشرطة لاستنطاقهم، وإعداد المحاضر لهم. ولم تطلق سراحهم إلى بعد الساعة الثالثة صباحا وكان تحركا بوليسيا ضخما من غير مبرر، وارتكبت فيه عدة خروقات تدل على الارتجالية، والخبط، وهشاشة المؤسسات، والروح الانتقامية العدوانية المتجاوزة حتى لتعليمات بنموسى في التضييق على الجماعة.