قال الله تبارك وتعالى: والفجر. وليال عشر.والشفع والوتر. والليل إذا يسر.هل في ذلك قسم لذي حجر

هذا قسم من الله سبحانه وتعالى إلى أصحاب العقول والنُهى {لذي حجر} أي لذي عقل ولب وفهم. أقسم الله سبحانه وتعالى إلى أصحاب العقول والنهى بالفجر وهو الصبح، وبالليالي العشر، وهي ليالي العشر الأولى من ذي الحجة حيث إن لها عند الله شأناً عظيماً. وفضلاً كبـيراً. ولله الخواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص يختص بفضله وكرمه ورحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

ومن النوافل التي تُقربُ العبدَ إلى الله تعالى. التـزودُ بالطاعة والعبادةِ في هذه الأيام المباركة أيام العشر الأولى من ذي الحجة. هذه العشر التي خصها الله بالفضل العظيم. والأجر الجزيل. وجعلها متاعاً روحياً للأتقياء. وتجارةً رابحة للأصفياء فطوبى لعبد تذكر واعتبر. وتفكر واتعظ. وأيقظ مشاعِرَهُ،فاغتنم فرصة حياته واستغل زهرة شبابه. ولم يترك مثل هذه الأيام وغيرها تذهبُ من عمره سدى. فقدم بـين يديه أعمالاً صالحة وطاعاتٍ لله خالصة.

قال وهب بن مُنَبّهِ رحمه الله تعالى: إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض بكى على ذنبه ستة أيام. ثم أوحى الله إليه في اليوم السابع وهو محزون كظيم منكس الرأس. يا آدم ما هذا الجهد الذي بك؟ فقال: إلهي عظُمتْ مصيبتي، وأحاطت بي خطيئتي. وصرتُ في دار الهوان بعد الكرامة وفي دار الشقاوة بعد السعادة. وفي دار الموت والفناء بعد الخلود والبقاء. فكيف لا أبكي على خطيئتي؟ فأوحى الله تعالى إليه يا آدم أما اصطنعتك لنفسي ثم اصطفيتك على خلقي. وخصصتك بكرامتي. وألقيت عليك محبتي،أما خلقتك بيدي. وأسجدت لك ملائكتي. ألم تكن في بحبوحة كرامتي. ومنتهى رحمتي فعصيتَ أمري. ونسيت عهدي. فكيف نسيتَ رحمتي ونعمتي؟. فوعزتي وجلالي لو ملأتُ الأرض رجالاً كلَّهم مثلَك، يعبدوني ويسبحوني الليل والنهار، لا يَفْترُون عن عبادتي طرفة عين، ثم إنهم عصوني لأنزلتُهم منازل العاصين. فبكى عند ذلك على جبل الهند، فقال له جبريل عليه السلام. اذهب إلى بيت الله الحرام. واصبر حتى تدخل أيام العشر ثم تب إلى الله، لعله يرحم ضعفك. فمضى حتى أتى البيت فطاف به أسبوعاً كاملاً وبكى وقال. لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك،عملتُ سوءاً وظلمت نفسي، فاغفر لي وأنت خير الغافرين. وارحمني وأنت خير الراحمين، فأوحى الله إليه يا آدم، قد رحمت ضعفك، وغفرت ذنبك، وقبلتُ توبتك. فذلك قوله عز وجل )فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه فوجد آدم من بركات أيام العشر التوبة. وكذلك المؤمن الذي عصى ربه، واتَّبع هواه في معصية مولاه، إذا تاب وأناب، وانقاد لطاعة الله في هذه الأيام، يتفضل الله عليه بالرحمة والغفران، وإبدال السيئات بالحسنات برحمة منه وفضل.

اتقوا الله أيها المؤمنون واشكروا له تعالى في هذه الأيام المباركة، بكثرة الصلاة والصيام وقيام الليل في طاعة، وبالتصدق على المحتاجين. والإنفاق في سبيل الله وبصلة الأرحام. ومن عجز عن حج بيت الله تعالى في هذه العام. فليقصد رب البيت سبحانه. بشكره في هذه الأيام. بالإنفاق والتصدق على ذوي الحاجات وخاصةً الأقارب والأرحام من بعض المال الذي كان قد رصده لأداء الحج ليكون من الذين يشمَلُهم قول سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. لأَنَْ أعول أهل بيت من المسلمين شهراً. أو جمعة. أو ما شاء الله، أحبُّ إليَّ من حِجةٍ بعد حِجةٍ) ويشهد لذلك ما رُوي عن عبد الله بن المبار كعندما هَّيأ نفسه للذهاب للحج وقد ودَّع الناس وودعوه وأخذ طريقه فإذا بامرأةٍ جالسةٍ علىَ مَزْبَلَةٍ تنتُفُ دجاجةً ميّتَةً دفعتها الحاجة لإعدادها لتأكلها هي وأولادها الصغار. فقال لها يا هذه، إن الله حرم الميتة. فأجابته: الميتةُ حرامٌ عليكم حلال لنا فانصرف عني، فسأل عن منـزلها، وجاءها بالمال الذي كان معه لنفقة حجه. وتصدق عليها بذلك ابتغاء وجه الله تعالى لتستغني هي وأولادها عن الميتة، ولم يَحُجَّ في تلك السنة، وبعد عودة الحجاج، جاء قوم ليهنئونه بأداء فريضة الحج، فيقول لهم لا أدري ما تقولون، أنا لم أحُجَّ هذا العام، فيقولون له، ألم نجتمع في عرفه، ألم نجتمع حول الكعبة المشرفة، ألم نجتمع في المزدلفة، فيجيبهم، لا أدري ما تقولون، فلما كان الليل أُتي في منامه، فقيل له، يا عبد الله بن المبارك إن الله جل جلاله قد قبل صدقتك وبعث ملكاً على صورتك يحجُّ عنك كل عام. ويشهد لذلك أيها المؤمنون الأفاضل. ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنه قال. “ما أدخل رجلٌ على مؤمن سروراً إلا خلق الله عز وجل من ذلك السرور مَلكَاً يعبُدُ الله عز وجل ويُوَحّدُِهُ. فإذا صار العبدُ في قبره أتاه ذلك السرور، فيقول أما تعرفُني؟ فيقولُ له من أنت؟ فيقول أنا السرور الذي أدخلتني على فلان. أنا اليوم أنيسُ وحشتك وأُلقّنُكَ حجتك وأُثبّتُكَ بالقول الثابت، وأريك منزلَكَ من الجنة”.

فما أسعدَ المسلم المتصدق في هذه الأيام المباركة بإدخال السرور بصدقته على المسلمين. وليطمئنَّ من نوى الحج وتَخلفَّ عنه لعذر بأنه بنيته مثابٌ كمن أداه.لقول النبي صلى الله عليه وسلم. {إنما الأعمال بالنيات} هذه الأيام التي تُحْيوُنَها. هي أفضل أيام العام إنها أيام عشر ذي الحجة، التي جاءت السنة النبوية مؤكدة فضلها، وداعية إلى كثرة العمل الصالح فيها. فعن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. “ما من أيام العمل فيها أحب إلى الله عز وجل، من هذه الأيام يعني أيام العشر، قالوا يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله، قال، ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء”.

بادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تُشغلوا. وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بالتوبة والاستغفار. فستكونُ فتنٌ كقطع الليل المظلم. يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً. ويُمسي مؤمناً ويصبح كافراً. يبيع دينه بعرَضٍ من الدنيا. بادروا بالأعمال الصالحة، هل تنتظرون إلا فقراً مُنْسِياً. أو غنى مُطغياً. أو مرضاً معدياً. أو هرماً مَفندِاً. أو موتاً مُجهْزا. أو الدجال فشرُّ غائبٍ يُنتظر أو الساعة، فالساعةُ أدهى وأمَرّ.