من فضل الله ومنته أن جعل لعباده الصالحين مواسم يستكثرون فيها من العمل الصالح، وأمد في آجالهم فهم بين غاد للخير ورائح، ومن أعظم هذه المواسم وأجلها أيام عشر ذي الحجة.

إن أعمار هذه الأمة هي أقصر أعمارا من الأمم السابقة، قال صلى الله عليه وسلم: “أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين” 1 .

ولكن الله بمنه وكرمه عوضها بأن جعل لها كثيرا من الأعمال الصالحة التي تبارك في العمر، فكأن من عملها رزق عمرا طويلا، ومن ذلك ليلة القدر التي قال الله فيها: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ.

قال الرازي: اعلم أن من أحياها فكأنما عبد الله نيفا وثمانين سنة، ومن أحياها كل سنة فكأنما رزق أعمارا كثيرة).

ومن الأوقات المباركة أيضاً هذه العشر التي ورد في فضلها آيات وأحاديث منها قول الله تعالى: وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ.

قال ابن كثير رحمه الله: المراد بها عشر ذي الحجة.

وقال عز وجل: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ.

قال ابن عباس: أيام العشر).

وفي الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما العمل في أيام أفضل من هذه العشر، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء”.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر. فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد” 2 .

وكان سعيد بن جبير -رحمه الله- (وهو الذي روى حديث ابن عباس السابق): “إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادا حتى ما يكاد يقدر عليه” 3 .

وروي عنه أنه قال: “لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر” كناية عن القراءة والقيام.

قال ابن حجر -رحمه الله- في الفتح: والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة: لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يأتي ذلك في غيره).

وقال ابن رجب -رحمه الله- في لطائف المعارف: لما كان الله سبحانه قد وضع في نفوس عباده المؤمنين حنينا إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كل أحد قادرا على مشاهدته كل عام، فرض على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره، وجعل موسم العشر مشتركا بين السائرين والقاعدين).

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن عشر ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان، أيهما أفضل؟

فأجاب: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة).

قال المحققون من أهل العلم: أيام عشر ذي الحجة أفضل الأيام، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل الليالي.

فبادر -أخي المسلم- إلى اغتنام الساعات والمحافظة على الأوقات فإنه ليس لما بقي من عمر ثمن، وتب إلى الله من تضييع الأوقات، واعلم أن الحرص على العمل الصالح في هذه الأيام المباركة هو في الحقيقة مسارعة إلى الخير ودليل على التقوى. قال تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ وقال تعالى: لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ.

اللهم وفقنا إلى عمل الطاعات والفوز بالجنات، اللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


[1] رواه الترمذي وابن ماجة.\
[2] رواه الطبراني في المعجم الكبير.\
[3] رواه الدارمي بإسناد حسن.\