تشكل تجربة الاعتقال السياسي جزءا راسخا من معالم التاريخ الدعوي والحركي السياسي لجماعة العدل والإحسان لأنه، وبكل بساطة، انطلق فور التأسيس ولا زال مستمرا لحد الآن. فمنذ لحظة انبثاق هذه الدعوة على يد الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين-حفظه الله – عرف الاعتقال على أيدي أجهزة الجبر المتحكم طريقه إليها.

وقد انطلقت التجربة مع مؤسسها ومرشدها ليطول فيما بعد قياداتها فعموم أبنائها وبناتها من مختلف الأعمار والحيثيات الاجتماعية. هذه التجربة الطويلة مع الاعتقال أكسبت الجماعة مناعة ضد تبعاته ومكنتها من خبرة في التعاطي معه. وإذا كان هذا الشأن بالنسبة لمئات الاعتقالات التي تعرض لها أعضاء الجماعة فإن تجربة الإخوة الإثني عشرة تكتسي خصوصية كبيرة بالنظر لحيثياتها ولمدة الاعتقال وللعينة التي شملها وهذا ما يستوجب التدبر العميق في سيرة الاعتقال تلك.

ولعلنا إن تأملنا هذه التجربة الطويلة مع الأسر نخرج بخلاصات كثيرة تغطي مجالات متنوعة، تربوية وسياسية واجتماعية، الأمر الذي يغني الرصيد التربوي والدعوي والسياسي للحركة الإسلامية.. إلا أن غرضي من هذه المقالة ينحصر في رصد ثلاثة معان وعبر من سيرة اعتقال الإخوة الإثني عشر تعميما للفائدة واعتبارا للمستقبل. وأبرز هذه الدروس ثلاثة: الوفاء والثبات ثم الاقتحام.

1- الوفاء:

هذه الخصلة الإيمانية العظيمة التي تجلت في أنصع حلة في موقف الجماعة تجاه معتقليها ومن قبل هؤلاء الأفذاذ تجاه جماعتهم ومرشدهم. والوفاء إتمام العهد كما قال الراغب الأصفهاني: وفى بعهده.. تمم العهد ولم ينقض حفظه واشتقاق ضده وهو الغدر قال تعالى “وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم”، و”الموفون بعهدهم إذا عاهدوا”)

** وفاء الجماعة

منذ لحظة اعتقال هؤلاء الإخوة وإلى لحظة خروجهم وطيلة ثمانية عشرة سنة بأيامها ولياليها، بأفراحها وأحزانها، لم تتخلى الجماعة قيد أنملة عن احتضان أبنائها المعتقلين. رعاية كاملة من طرف الأستاذ المرشد –حفظه الله- تجلت أقوى لحظاتها في الزيارة الكريمة، التي أتت مباشرة بعد رفع الحصار الظالم عن تحركاته، والتي أعقبها اتصاله الهاتفي المباشر من قبالة السجن حين منعت الزيارة. وأعظم به من تعبير عن الوفاء من قبل الوالد الرحيم الحاني.

كما شمل الاحتضان أيضا الجانب الاجتماعي والمادي للمعتقلين وأسرهم. هذه الرعاية التي تجندت لها كافة مؤسسات الجماعة بالمساهمة والتطوع. ولم تتوقف الجماعة عن الدفاع عن مظلومية أبنائها والدفع ببراءتهم في كل المنتديات السياسية والإعلامية والحقوقية. كما عملت على إبقاء جذوة هذه القضية متقدة في ضمير واهتمام كل الأعضاء، إخوانا وأخوات، من خلال إحياء ذكرى المعتقل سنويا والاحتفال بها والإبداع في ذلك. ثم ها هي ذي الجماعة تحتفل بانعتاقهم من سجن الظلمة وتحتضن خروجهم منه كما احتضنتهم طيلة مكوثهم بين أسواره. بشكل عام، يمكن القول بأن جماعة العدل والإحسان أعطت القدوة الباهرة لكل من يهمه الأمر في احتضان معتقليها الإثني عشر وكل ضحايا القمع المخزني من أبنائها وبناتها.

** وفاء الإخوة المعتقلين

عولت أجهزة القمع المخزني، كما تعودت مع معتقلين آخرين، على كسر شوكة الشباب المؤمن من خلال صنوف التعذيب الوحشي، النفسي والجسدي، الذي مارسته عليهم طيلة مدة الأسر الطويلة. ولم يغفل الظالمون اللجوء إلى أسلوب الإغراء والإغواء طمعا في استدرار تنازل هؤلاء الأفذاذ عن مبادئهم أو زيغهم عن قناعاتهم وصلابتهم في الحق. لكن هيهات هيهات، فما ازداد هؤلاء الأبطال إلا ثباتا وإصرارا على نبذ الباطل وهجر إغراءاته والتفرغ لما هو أعظم واحتساب السجن ومعاناته في سبيل الله واعتباره ضريبة لإعلاء كلمة الله وثمنا لنصرة دعوة الله. فكانوا أوفياء لمنهاج جماعتهم ولتربية مرشدهم.

2– الثبات:

يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فأثبتوا، أمر صارم من الله عز وجل للمجاهدين المواجهين للباطل ومنحة ربانية للصادقين من عباده، يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وصفة إحسانية لورثة النبوة وكم من نبئ قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين.

ولقد جسد ثبات الإخوة المعتقلين الإثني عشر في وجه كل أشكال العسف المخزني، الذي عانوا من ويلاته طيلة ثمانية عشرة سنة، تلك الصورة البهية التي عرضها القرآن الكريم عن ثبات أتباع الأنبياء وحوارييهم في سبيل إعلاء كلمة الحق ونصر دعوته. لقد رسخ صمودهم هذا المعنى الإيماني البليغ الذي لا يستغني كل مجاهد أو مجاهدة عن تمثله واستدعائه في مواجهة كل الصعاب ولاقتحام كل العقبات.

3– الاقتحام:

إن مبدأ الاقتحام مبدأ راسخ في تصور الجماعة وجهادها، عليه تربي أبنائها وبناتها، وهو متجل في سيرتها الجهادية ونموذجها التربوي والحركي. وقد عرفه الأستاذ المرشد بأنه: حركة الفرد المؤمن في سلوكه إلى الله عز و جل، وحركة الجماعة المجاهدة في حركتها التغييرية، وحركة الأمة في مسيرتها التاريخية). هذا المبدأ سيظهر للعالم في صورة ناصعة من خلال سيرة اعتقال الإخوة الإثني عشر، فرغم قسوة ظروف السجن لم يستسلم هؤلاء الكرام ولم يعطوا الدنية من أنفسهم ولم يقبلوا بالرخصة بل اقتحموا. وقد كانت ثمرة اقتحامهم لعقبات النفس وإكراهات الواقع ثمرة عظيمة، تربية إيمانية راسخة تمظهرت في سلوكهم وجلٌاها ثباتهم وتجلدهم. ثم جهاد علمي معرفي أثمر نيل تسعة منهم لشهادة الدكتوراه وحصول الآخرين على شهادات جامعية عليا في تخصصات متنوعة. فضلا عن أعظم إنجاز وهو إتمام حفظ كتاب الله العزيز وأكرم به من إنجاز.

إذا كانت محنة السجن، رغم قسوتها، قد حملت في طياتها منحا إلهية وعطايا ربانية لفائدة الإخوة الإثني عشر، فإن المتأمل من خارج التجربة أحوج ما يكون لتدبر تلك الدروس والاتعاظ بتلك العبر واستمطار المدد الرباني للتحرر من السجن الأكبر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدنيا سجن المومن”.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة و قنا عذاب النار.