تقديم لا بد منه

من صميم سنة الله تعالى في خلقه، أن يتواجه الحق مع الباطل، وأن يتدافع الخير مع الشر في كل زمان، حيث لا يزال الله يغرس غرسا من عباده يستعملهم في طاعته ودعوته والجهاد في سبيله، وييسر لهم سبيل المؤمنين الصالحين المصلحين، ويقدرهم على اقتحام العقبات وتحمل المشاق وتحقيق الغايات، وفي المقابل يتواطأ الشيطان مع النفوس الخبيثة، فتتكتل قوى الشر والفساد لاستخفاف الناس واستغفالهم واستضعافهم، فيكيدون للمؤمنين كيدا ويمكرون بهم مكرا، ظنا منهم أن ذلك سيفني الحق ويقضي على أهله. ويكتب لهم البقاء والديمومة.

تتضح هذه السُنة الإلهية في صور وأمثلة واقعية كثيرة ومتنوعة، لعلنا نفهم الدرس ونأخذ العبرة، ونتحمل المسؤولية: صور فلسطين، صور مصر، صور تونس، صور الجزائر، صور أفغانستان، صور الشيشان ومن هذه الصور الواضحة الفاضحة في المغرب: صور علاقة العدل الإحسان بالسلطة المغربية، ولنأخذ صورة طلبة الجماعة الإثني عشر الذين قضوا في السجون المغربية الكئيبة، ذات التاريخ الأسود في التعذيب والقتل والإهانة والمعاملة الحاطة بالكرامة الآدمية، 18 سنة كاملة ظلما وعدوانا نتيجة محاكمة سياسية مفضوحة. حيث زُجَّ بهم في غياهب السجن وهم في ريعان شبابهم، لم تشفع لهم براءتهم ولا الشهادات التي حصلوها. فدخلوا طلبة وخاضوا جهادا بطوليا على طول سنوات المحنة وحولوا السجن إلى خلوة العلم والإيمان، وتخرجوا فيما بعد علماء عاملين.

1- طلبة: وطالب العلم في ذمة الله

هم طلبة كانوا يتابعون دراستهم بانتظام بكلية العلوم بجامعة محمد الأول في وجدة، ونتيجة للظلم الشنيع الممارس على الطالب المغربي آنذاك من طرف الطلبة القاعديين (يجهرون بعدائهم للإسلام والقرآن) من جهة ومن طرف السلطات المخزنية من جهة ثانية، وجد هؤلاء الطلبة أنفسهم في ضيافة خصم غير شريف، متضلع في تلفيق التهم وفبركة المحاكمات فاستغل فترة كون مجلس الإرشاد بالسجن ودخل معهم في مساومات مستعملا ملف الطلبة وسيلة للضغط، لكن ثبات المجلس قوبل بنقمة المعتدين.

وكانت الفعلة التاريخية السوداء: التعجيل بالحكم الانتقامي الجائر في منتصف الليل (20 سنة نافذة)، رغم الخروقات التي شابت الملف أثناء المحاكمات من مثل: التزوير في المحاضر وإرغام المتهمين على التوقيع، تجاوز الحراسة النظرية، عدم وجود حالة التلبس، غياب أداة الجريمة، الامتناع عن الإنصات لشهود النفي وغياب الفاعل الأصلي بحيث أن المعتقلين متهمون بالمشاركة في قتل طالب يساري وليس بقتله، مما يجعل الأحكام الصادرة في حقهم ظالمة ولا تُغتفر بكل المقاييس نظرا لغياب شروط المحاكمة العادلة.

2- مناضلون: ونضال الأتقياء جهاد

رغم اعتقالهم والزج بهم في سجون لا تليق ببني آدم فبالأحرى بأتقياء أنقياء أبرياء تابعوا دراستهم محافظين على الصفة التي اعتقلوا عليها (طلبة) وإن كانت ظروف السجن لم تسعفهم لمتابعة الدراسة في الشُّعب العلمية فقد غيروا التخصص بتخصصات متنوعة ومتعددة (القانون، علوم الشريعة، الدراسات الإسلامية، علم الاجتماع، علم النفس…) ونالوا فيها الشواهد العليا ولله الحمد من قبل ومن بعد.

خلوتهم في السجن وخلتهم لأهل العدل والإحسان كانت خير معين على إتمام وإتقان حفظ كتاب الله عز وجل ومدارسته والنهل من علومه والتخلق بأخلاقه، جنبا إلى جنب مع تتبع أحوال الأمة وما آلت إليه أوضاعها وما تسببت فيه أيدي الناس من مكر وفتنة وفساد.

ولم يفتهم أن يبرهنوا للعالم أنهم اعتُقلوا ضحية انتقام سياسي لا أقل ولا أكثر، مما جعل الهيآت الحقوقية الدولية تعترف بأنهم معتقلو رأي. الأمر الذي يفضح دعوى طي صفحة الماضي والعهد الجديد والمصالحة والإنصاف…

3- سجناء: والمسجون من سجنه هواه

بفضل الله تعالى وبصحبة الصالحين المصلحين تنقلب المحنة منحة والحبس جنة، حيث قضى الطلبة/ العلماء ثمان عشرة سنة في ضيافة الرحمان، من الصوامين القوامين المرابطين الموحدين المحسنين، قوامين لله شهداء بالقسط. غير عابئين بكذب الكذابين ومكر الماكرين، ولَكَم أعلنوا زورًا أنهم طوَوْا ملف الاعتقال السياسي طيا نهائيا وأطلقوا سراح جميع معتقلي الرأي ووفروا شروط المحاكمة العادلة، وجعلوا القضاء سلطة مستقلة!!!

قال ابن القيم رحمه الله: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: “إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة”. وقال لي مرة: “ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة”. وكان يقول في محبسه في القلعة: “لو بذلت ملء هذه القاعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة”. أو قال ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير، ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى. والمأسور من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: “فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب” وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.) 1

4- علماء وبالقسط شهداء

وأخيرا لا يسعنا إلا أن نحيي أمثال هؤلاء العلماء الرجال، ونحيي قبل ذلك من صنع فيهم الرجولة ورَبَّاهم هذه التربية النبوية النفيسة النادرة ندرة الكبريت الأحمر، التربية الإيمانية الشاملة العميقة، قال الله تعالى في أمثالهم صدقا وصبرا واقتحاما وتحملا: من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا.

وقال الشاعر:لَهْفِي عَليهِم رِجَالاً طَالَمَا صَبَرُوا *** وَهَكَذَا طَالِبُ العَلْيَاءِ صَبَّارُ
لَهْفِي عَليهِم رِجَالاً طَالَمَا عَدَلُوا *** بَيْنَ الأَنَامِ وَمَا حَابُوا وَلا جَارُوا
والحمد لله أولا وأخيرا فهو المنعم المتفضل المتصرف المثبت سبحانه لا إله إلا هو. ولولا فضله وكرمه لما عمنا فضله وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.


[1] ابن القيم في كتابه الكلم الطيب والعمل الصالح.\