وأنا أستمع إلى المقرئ في ذلك الحفل البهيج، بمناسبة خروج طلبة العدل والإحسان من سجون الظالمين، بعد أن مكثوا عقدين من الزمن وراء القضبان، وهو يرتل قوله تعالى: وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال، فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله، إن الله عزيز ذو انتقام عادت بي الذكريات إلى سنوات خلت، إلى أيام الاعتقال، مرورا بالمحاكمات الصورية، ثم النطق بالحكم الجائر في حق هؤلاء الفتية الذين آمنوا برهم، وغيرهم من إخوانهم الذين اعتقلوا معهم في محاولة بائسة من المخزن للقضاء على الجماعة في المنطقة الشرقية، والتي ستكون عبرة لغيرها من المناطق لما ستتركه هذه الاعتقالات من انعكاسات نفسية في صفوف أبناء الجماعة، وبالتالي لن يفكر أحد من المواطنين في الاقتراب من هذه الجماعة أبد الدهر. هكذا فكر وقدر المخزن ثم فكر وقدر، فكان القمع، ومصادرة الحريات الفردية والجماعية، وفتح أبواب السجون في وجه جماعة تدعو إلى الله، وحركة صاعدة تبشر بغد الإسلام.

المخزن لا يؤمن إلا بالقمع والسجن كأسلوب ناجح لإخضاع كل من سولت له نفسه أن يستقل بتفكيره، وهذا شأن كل جبار مفسد في الأرض، وهذا ما فعله فرعون مع نبي الله موسى عليه السلام لما قال له لئن اتخذت إله غيري لأجعلنك من المسجونين وهو الأسلوب الذي ظنت امرأة عزيز مصر أنها من خلاله سوف تذل يوسف عليه السلام ليسجنن وليكونا من الصاغرين.

بدأت المؤامرة يوم اختار فريق من الناس أن تكون معركتهم المصيرية مع “الظلاميين”. فكانوا الأداة التي سخرت في معركة حدد المخزن ساحتها وبدايتها ونهايتها، كانوا هم نقطة البداية، وتتمة القصة موكولة بالكامل إلى المخزن الذي اعتقل طرفا واحدا، وحاكم طرفا واحدا، في غياب تام للطرف الآخر وغياب الأدلة التي تدين الأول.

انكشفت المؤامرة ومن وراءها، وسقط القناع وسقطت معه كل الشعارات الثورية المزيفة. ما أبشعها من صورة وما أشنعها من ارتداء المناضل لباس المخزن والرضا بأن يكون أداة في أيدي الجلادين لمحاربة الفكر الحر المستنير.

عشت طوال ساعات الاحتفال مع ذكريات الماضي التي تجددت، تذكرت المعاناة والحرمان من أبسط الحقوق الآدمية، تذكرت تناوبنا على النوم لأن المكان لا يسمح أن ننام جميعا دفعة واحدة، تذكرت فراق الأحبة المحكوم عليهم بعشرين سنة يوم تم اختطافهم من بيننا في غسق الدجى من سجن وجدة دون معرفة إلى أين سيأخذونهم، ولا ما هم فاعلون بهم. وتذكرت كذلك يوم اختطافنا من سجن وجدة وترحيلنا إلى سجن تازة ثم سجن سلا تماديا في تعذيبنا ومعاقبة أهلنا الذين سيضطرون إلى قطع مسافة تقدر ب 1100 كلم ذهابا وإيابا، لرؤية ذويهم. وتذكرت فضل الله علينا ورحمته بنا وعنايته سبحانه وتعالى التي رافقتنا طيلة سنوات الاعتقال.كن أيها السجن كيف شئت فقد *** وطنت للموت نفس معترف
لو كان سكناي فيك منقصة *** لم يكن الدر ساكن الصدف
ساوموهم مرة تلو الأخرى فلم يجدوا عندهم جوابا سوى ما قاله سيدنا يوسف عليه السلام رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه. حولوا سجنهم ملتقى للأحرار، فنالوا الشهادات العلى، بعد أن أكرمهم الله بحفظ كتابه، والتفقه في دينه، فكانوا حقا خريجي مدرسة يوسف عليه السلام.

كل خطب عظم مدة هان بعدها، وما قيمة الحياة إن لم تكن لله وفي سبيل المستضعفين.

ما أعظمه من درس، الآيات التي تليت في اليوم الذي صدرت فيه الأحكام نفسها تتلى على مسامعنا في يوم الفرح، يوم استقبال إخواننا الذين أنهوا مدة سجنهم. عقدان من الزمن هما الفاصل بين تلاوة هذه الآيات في قاعة المحكمة بصوت المقرئ والحافظ لكتاب الله، الشهيد عبد الوهاب بن الطاهر الذي حكم بثلاث سنوات، وتلاوتها في مكان الحفل ونحن في عرس السجين. صدقنا الله وعده وأهلك الذين ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فمنهم من آتاه الموت بغتة، ومنهم من ظل طريدا شريدا ومات غريبا. اللهم لا شماتة.

غادر الأبطال سجنهم الصغير، وكلمات الأستاذ المرشد ترسم لهم معالم الطريق وهو يوصيهم “ألا يكون في قلوبهم غل للذين ظلموهم”، مذكرا إياهم ” أنكم تحملون رسالة العدل والإحسان، ورسالة العدل والإحسان قول معروف ومغفرة وإصلاح بين الناس، لا نريد العنف ولا نسعى للعنف ولكن نحن نقولها صريحة، ونكررها في كل مناسبة، نحن ضد الظلم المتمثل في الحكم الجبري العاض “. إنه الطريق نفسه، والمبادئ نفسها، لم تتبدل ولم تتغير رغم سنوات السجن والحصار، والدعوة هي هي لمواصلة المسير حتى يزول الظلم، وترفرف راية العدل والحرية والكرامة فوق ربوع هذا الوطن السجين.قد اختارنا الله في دعوته *** وإنا سنمضي على سنته
فمنا الذين قضوا نحبهم *** ومنا الحفيظ على ذمته