إحدى الزوايا السياسية التي يمكن من خلالها قراءة حدث الإفراج عن معتقلي العدل والإحسان، هي الفشل الذريع الذي منيت به الدولة المغربية في توظيف آلية الاعتقال السياسي بغية إخضاع الجماعة المعارضة لنظام الحكم. هذه الآلية التي طالما استعملتها الدولة، وبنجاعة، لتطويع المعارضين والمناوئين والأعداء، غير أن حصاد تجربتها مع العدل والإحسان ينبئ أنها آلية عديمة الجدوى صفرية الفائدة، بل إنها ترتد عكسية النتائج لصالح الجماعة ومشروعها.

الدولة الحديثة وآليات الإخضاع السياسي

إن أهم التحديات السياسية المطروحة أمام الفاعلين السياسيين في ظل الأنظمة الاستبدادية هي قدرتهم على تحصين ذواتهم ضد الآليات القهرية والإخضاعية التي تملكها الدولة الحديثة، وذلك حين يوظف نظام الحكم القائم وسائل ومؤسسات وشرعيات وآليات هذه الدولة.

إذ يحصل أن يقع اختلاف وتباين رؤى الفاعل السياسي ليس فقط مع الحكومة القائمة والمعنية بتدبير وتنفيذ السياسات العامة لزمن ما، بل مع نظام الحكم نفسه، في بنيته وجوهره والأساس الذي يرتكز عليه. وهنا يقع الاختلال وعدم التوازن، إذ غالبا ما يلجأ النظام السياسي إلى عدد من آليات الإخضاع “الدولتية” رغبة في تطويع هذا الفاعل السياسي وفت عضده وإضعاف قوته وبث الفرقة في كيانه والترهل في تنظيمه.

ويزداد التحدي صعوبة حين نعلم أن عددا من هذه الآليات يفترض فيها أنها محصنة بالإجماع المجتمعي لحظة التأسيس ومصانة بسيادة القانون وحرمة الدستور زمن التدبير، وبالتالي تتداخل سلوكات النظام/الدولة غير الشرعية التي تتجاوز فيها الأداء الطبيعي للوظائف مع تلك التي تدخل في صميم مهامها وأدوارها.

وهنا ينبغي التمييز بين مبدأ حق الدولة الحصري في امتلاك العنف المشروع ولجوئها غير المقبول سياسيا وأخلاقيا إلى استعمال آليات الإخضاع والتطويع ضد خصومها السياسيين والمجتمعيين، لذلك فعندما منح الفكر السياسي الدولة حق استعمال العنف، وأسماه ماكس فيبر بالعنف المشروع، جعله محصنا بإطار عام إجماعي ومصانا بضوابط قانونية عادلة، وهي الأشياء الكفيلة بتمييزه عن الاستعمال غير الشرعي لآليات الإخضاع السياسي.

إن الواقع يقر بأن الدول، وخاصة منها الشمولية والاستبدادية في منطقتنا العربية والإفريقية، تستعمل بشكل سافر -وضدا على مبادئ العدالة والإنصاف وحقوق الإنسان والتنافس السياسي الشريف- آليات قهرية لإخضاع الخصوم المغضوب عليهم، ولعل من أبرز هذه الآليات الاعتقال السياسي لرموز وقيادات التنظيمات السياسية المعارضة وإيداعهم السجن، بسبب أفكارهم وقناعاتهم ورؤاهم المناقضة والمخالفة لتوجهات الدولة.

الدولة المغربية والمعركة مع العدل والإحسان.. الاعتقال السياسي نموذجا

ولأن الدولة المغربية كغيرها من الدول النامية، التي تخلط بين حقوقها “الشرعية” وسلوكاتها السلطوية، فإنها تلجأ بشكل دائم ومستمر إلى توظيف آليات الإخضاع وأدوات التطويع بغية تركيع خصومها وإضعافهم. ولعل من ضمن، وعلى رأس، هؤلاء “الخصوم” جماعة العدل والإحسان التي عرفت بمواقفها القوية ومعارضتها الجذرية.

المتابع لتفاصيل معركة النظام السياسي المغربي مع العدل والإحسان يخلص إلى توظيف النظام المكثف والمتنوع لآليات الإخضاع السياسي سعيا منه لتطويع الجماعة، فمن الإبعاد والتهميش، إلى الحلّ والحصار، مرورا بالمحاكمات والاختطافات، وليس ختاما بالقمع المباشر وتشميع المقرات والبيوت والتضييق على الأرزاق والأوراق الإدارية، غير أن آلية الاعتقال السياسي تبقى أهمها وأبرزها، لدلالتها السياسية الأوضح ولمساسها بكثير من قيادات الجماعة وقواعدها.

ولأن حجم توظيف هذه الآلية من قبل الدولة كبير ولا تتسع له مساحة مقالة، فإننا سنكتفي بذكر أبرز النماذج التي طبعت مسار الجماعة منذ تأسيسها قبل ثلاث عقود.

أولا: الاعتقال السياسي في حق المرشد العام:

كان المرشد العام لجماعة العدل والإحسان أول المعتقلين في دعوة العدل والإحسان، والأوفر نصيبا من حجم الاعتقال السياسي الذي مس الجماعة منذ تأسيسها.

ففي أول فعل سياسي للجماعة في شخص المرشد، وهو توجيه رسالة الإسلام أو الطوفان في شتنبر 1974 إلى ملك البلاد آنذاك الراحل الحسن الثاني، كان رد فعل الدولة عنيفا وسلطويا، إذ اختطفت أيادي السلطة الرجل وأودعته رهن الاعتقال التعسفي لمدة ثلاث سنوات ونصف، لتكون بذلك المدة التي قضاها الرجل وراء أسوار السجن ومستشفى المجانين أول محطة وظف فيها النظام الاعتقال السياسي في حق العدل والإحسان.

وفي 27 دجنبر 1983، وجوابا من الدولة على ما كتبه الأستاذ المرشد في افتتاحية العدد العاشر من مجلة الجماعة، اعتقلت السلطات مجددا الرجل وحكمت عليه بسنتين سجنا ظلما وعسفا ضدا على موقفه ورأيه.

ولما أعيا الدولة المغربية توظيف آلية الاعتقال السياسي في حق مرشد الجماعة من خلال المحاكمات والإيداع في السجن، لجأت إلى وسيلة أخرى هي أشبه ما تكون بالاعتقال، بل إنهما سيان في النتائج، وهي وضع الأستاذ المرشد رهن الإقامة الجبرية في 30 دجنبر 1989، وهو الوضع الذي استمر 10 سنوات، لمنعه عن أنصاره وأعضاء جماعته.

ثانيا: الاعتقال السياسي في حق مجلس الإرشاد:

بدوره لم يسلم مجلس الإرشاد من الاعتقال والسوق إلى السجن ضريبة للموقف السياسي والخط الدعوي، فكان أن اعتقلت السلطات المغربية في 13 يناير 1990 جميع أعضاء مجلس الإرشاد والأستاذ عبد الله الشيباني صهر مرشد الجماعة، وحكمت عليهم بالسجن لمدة سنتين سجنا نافذة. هذا ناهيك عن المتابعات الفردية والأحكام التي صدرت، وما تزال، في حقهم في ملفات سياسية متعددة.

ثالثا: الاعتقال السياسي في حق الطلبة الإثني عشر:

غير أن ملف معتقلي العدل والإحسان الإثني عشر يبقى الأبرز فيما يخص الاعتقالات السياسية في حق الجماعة، ففي فاتح نونبر 1991 اعتقلت السلطات حوالي 60 طالبا من فصيل طلبة العدل والإحسان وعدد من القيادات المحلية بالجهة الشرقية للملكة، ولفقت لـ12 طالبا منهم تهمة القتل وقضت في حقهم بـ20 سنة سجنا نافذة، وذلك كورقة ابتزاز لثني مجلس الإرشاد، بقيادة المرشد العام، عن مواقفه من نظام الحكم، وكعصا للضغط على القيادة لـ”تليين” مواقفها بعدما فشلت المفاوضات التي دشنتها الدولة مع مجلس الإرشاد الذي كان لحظتها في السجن.

الاعتقال السياسي بهدف تطويع الجماعة.. آلية إخضاع فاشلة

إن التقييم الموضوعي لنتائج إعمال نظام الحكم لآلية الاعتقال السياسي في حق العدل والإحسان يفضي بنا إلى الجزم بأنها نتائج كارثية بالنسبة للدولة وإيجابية بالنسبة للجماعة، فإذا كان الهدف من الاعتقال السياسي للأشخاص تخويفهم وترهيبهم لتغيير قناعاتهم فهو ما لم يتحقق البتة، وإذا كان القصد عزلهم عن الناس والأعضاء والأنصار لقطع التواصل معهم فهو ما تُنفي تَحقُّقَه اتساع دعوة العدل والإحسان وتكاثر أعضائها وأنصارها، وإذا كان الهدف هو إخضاع الجماعة وتطويعها لتليين مواقفها وتخفيض سقف مطالبها وخطابها السياسي فهو ما لم يتحقق حين ظلت الجماعة رافضة لأنصاف الحلول طيلة ثلاثة عقود من عمرها.

وحيث أن نتائج الاعتقال السياسي في حق المرشد العام لجماعة العدل والإحسان ولمجلس إرشادها غنية عن كل بيان، فلا الدولة حققت أهدافا ولا ربحت مكاسب ولا الجماعة تنازلت عن مواقف ولا غيرت هوية، فيكفينا هنا أن نقف عند النتائج الأخيرة والدلالات القاطعة التي يمكن قراءتها مع حدث الإفراج عن الطلبة/الدكاترة الإثني عشر يوم فاتح نونبر الماضي.

أولا: على المستوى الشخصي:

يمكن تسجيل عددٍ من الأرباح التي حققها المعتقلون على مستواهم الشخصي، والتي تؤكد فشل الدولة في إنجاز أهدافها:

* لم يتنازل المعتقلون عن مبادئهم ولم يتخلوا عن انتمائهم للجماعة رغم كل الوعد الذي قدم لهم والوعيد الذي هددوا به.

* لم يقدم المعتقلون طلب العفو رغم أن الجهات الرسمية طلبت منهم ذلك كي يتمكنوا من الاستفادة من محطات العفو سنوات 1994 و1998 و2004.

* استطاع المعتقلون أن يحوِّلوا مدة محكوميتهم، 20 سنة، إلى مساحة زمنية للتعلم والتربية والتكوين والاستعداد للمستقبل، فحفظ جلهم القرآن الكريم كاملا، وحصل تسعة منهم على شهادات الدكتوراه في مجالات علمية متنوعة، بل وتمكن عدد منهم من الحصول على عدد من الشواهد العليا وفي تخصصات متعددة.

* خرج شباب العدل والإحسان المعتقلين وهم رموز ولهم مؤهلات القيادة، فأصبحوا محط الأنظار وصاروا قدوة يحتدى بصبرهم وثباتهم وجدهم وجهادهم.

ثانيا: على المستوى العائلي:

وعلى مستوى عائلات المعتقلين كانت النتائج باهرة، ضربت في الصميم كل هدف رسمي يروم بث اليأس والقنوط والحقد على الدعوة التي بسببها أودع الأبناء في السجن. ويكفينا هنا أن نذكر موقفين جميلين شديدا الدلالات والعبر.

الموقف الأول تمثل في الكلمة الرسمية لعائلات المعتقلين في الحفل الذي نظمته الجماعة على شرفهم، وهي الكلمة التي تقدمت بها والدة المعتقل “محمد غزالي”، تلك الأم التي عندما حكم على ابنها بعشرين سنة سجنا حملت إليه القرآن وقالت له “إذا لم تخرج من السجن حاملا للقرآن فلست ابني”، حيث كانت بحق كلمة مليئة الدلالة على الصبر والثبات والاحتساب لله سبحانه، وشكر الجماعة ومرشدها على احتضان أبنائهم ودعمهم وعدم التفريط بهم.

أما الموقف الثاني فهو التصريح الذي أدلى به الحاج محمد حيداوي والد المعتقل “علي حيداوي” للموقع الإلكتروني للجماعة، فقد قال الرجل بدارجة مغربية بليغة: هاد الجماعة غادَا في طْرِيق مولانا، وهاد الناس لي كايْعَادْيوهَا مساكن ما عارفين والو الله يهديهم… هاد الجماعة ديال الخير وديال الصدق وديال الإحسان وديال المعقول. وهذا من فضَل ربِّي. الله يحشرنا معاهم وانْبَقاو معاهم تَانْمُوتو حْنَا أُولِيداتْنا والدار ديالنا).

بل إن موقف الصمود والثبات تعدى العائلات إلى المحيط السكني في الأحياء والمداشر والمدن الشرقية التي ينحدر منها جل المعتقلين، إذ يكفي المخزن خسارة أن تُنظم قرية هامشية اسمها “ارشيدة” بمدينة جرسيف حفل استقبال للدكتور “المتوكل بلخضير” رغم الوعيد والتهديد، ويكفي كسادا للنتائج التي سطرها النظام أن يرى سكان تلك المناطق ويتعايشوا ويألفوا نماذج حية من شباب/رجال يعيشون بينهم ومعهم ويحملون رسالة وأهدافا، لا يثنيهم عنها سجن المخزن لهم طيلة هذه المدة، بل زادهم ذلك إصرارا على رفع شارة النصر والتوحيد عالية في سماء العزة.

ثالثا: على مستوى الجماعة:

أما فيما يخص الجماعة التي من محضنها تخرج المعتقلون وإليه رجعوا، فقد خرجت منتصرة من هذه الجولة ولم تخسر شيئا، ليس فقط على مستوى قيادتها ومواقفها الرسمية، بل وأيضا على مستوى أعضائها وقواعدها الذين تمثل لهم الاعتقال وتجسد أمام أعينهم السجن فما تخوفوا ولا تهيبوا أو تراجعوا، بل لعلك تجد منهم من يغبط المعتقلين على ما أنعم الله به عليهم من لطف عميم نزل مع الابتلاء والاختبار.

وفيما يلي عددا من الأرباح التي حققتها الجماعة وفي المقابل خسرها النظام:

* حافظت العدل والإحسان على موقفها السياسي ومنهجها الحركي ولم تتراجع عنهما بسبب هذا الملف، فموقفها من النظام الحاكم معروف ورفضها للعنف وسيلة لتدبير العلاقة مع الخصوم أشهر من أن يذكر.

* تمكنت الجماعة من التعايش مع تبعات الاعتقال السياسي لطلبتها واستطاعت أن تدبر ملفهم بما زاد من خبرتها السياسية والتنظيمية والتواصلية والاجتماعية.

* كسبت الجماعة طاقات وأطرا كفأة تخرجت من مدرسة يوسف عليه السلام، وعادت لتشتغل من مواقعها التنظيمية بهمة ونشاط واحترافية وإحسان.

* استطاعت الجماعة أن تربي أعضاءها، من خلال ملف المعتقلين، على توقع الابتلاء دون طلبه والسعي له، فتلقنت الأجيال الجديدة التي التحقت بصفها خلال هذين العقدين أن هذه الطريق محفوفة بالمكاره.

* في المقابل خسرت الدولة حقوقيا ولم تحقق أهدافها سياسيا، وكان الاعتقال السياسي لطلبة العدل والإحسان خطوة خاسرة على جميع الأصعدة.

أمام هذا الفشل الذريع للنظام في توظيف إحدى آليات الإخضاع السياسي، والصمود الصلب للجماعة في وجه الاعتقال السياسي، وغيره من الآليات القهرية، لا شك أن الدولة تملك، ولو نظريا على الأقل، عددا من الآليات التي ما زلت في جعبتها، كالنفي خارج الوطن أو الاغتيال السياسي أو اعتماد سياسية الأرض المحروقة، والتي بإمكان الدولة توظيف بعضها أو جميعها إذا ما أصبح هدف إخضاع الجماعة مستحيلا وعنَّ لصناع القرار هدف التصفية.